|
حوار مع الفنانة الكندية دونا مارشال |
|
|
|
جاكلين سلام
|
|
2006-04-30 |
أكبر خطر على الرأسمالية هو الخيال الإنساني الذي تحمله الفنون عبر الكلمة والغناء واللحن..دونا مارشال، وتر يحمل وجع الكلمة، صوت يغني لوعة الحرمان واشراقة الحلم ... الفنانة الكندية، دونا مارشال وجدتْ اخيرا ملاذا وانتماء من خلال رسالتها الفنية المتعسرة والشاقة- كما قالت مرارا- فهي تعزف على الغيتار، تغني ، تكتب الشعر .... وايضا محامية تترافع عن حقوق الأطفال. شاركت في مهرجان المرأة العالمي الذي اقامته المنظمات الكندية النسوية بالتعاون مع النساء المهاجرات والعربيات في جامعة تورنتو، كما شاركت في احتفالات المنظمة المستقلة للمرأة العراقية والايرانية ولها نشاطات متعددة اخرى.... وكلها مجانا دونا مارشال، القت شعرا، عزفت على الغيتار وغنت، لاقت تصفيقا حارا من الحضور المتعدد الجنسيات، واثارت كلماتها موجة تعاطف، حتى البكاء ..... لقصتها شجن الهنود الحمر وتقصفهم على ابواب امريكا- السكان البيض كما اسمتهم اثناء الحوار معها: س: أرحب بك عزيزتي وأدعوكِ لتقديم نفسك للقارئ(ة) العربي، نبذة عن حياتك واهتماماتك الفنية ؟ دونا: أنا كندية من أصول هندية ( الهنود الحمر )، عمري 43 سنة، عشت أقصى معاناة محتملة عبر مأساة التبني التي حدثت في كندا، فقد اخذوني من أمي مذ كان عمري أشهرا - واخوتي ايضا- ووضُعت في رعاية اسرة كندية بيضاء في تورنتو(بلغ عدد الاطفال اناثا وذكورا 200 الف طفل، تحت رحمة تجربة التبني ) . عشت حياتي موزعة بين مرارة الضياع و الشعور باللانتماء، وبقى حنيني موزعا لحضن الأم المفتقد وللأسرة وبين الرغبة في أن أعيش بشكل طبيعي، بعيدا عن الحزن الذي غرز كيانه في روحي حتى تآلفت معه وبات جزء مني. بلا تخطيط توجهت نحو الفن، بدأت كتابة الشعر والتلحين والغناء، وكل هذه المحاولات تصب في خانة الحرمان والأضطهاد التي يعيشها الهنود الحمر( مواطنو كندا الاصليين) وذلك انطلاقا من تجربتي الخاصة....والتي قد تتشابه او تختلف عن تجارب اطفال التبني . تلك الطفولة المشردة بكل الامها جعلتني اتجهه ايضا الى دراسة المحاماة، فأنا محامية ادافع عن حقوق الأطفال. ومثلي الأعلى هو كل هؤلاء الذين يناصرون قضايا الاطفال (الذكر والانثى) المشردين ،اليتامى والمغتصبين.... حلمي الذي لم يتحقق كان أن أرى وجه أمي ... ولكنها انتحرت بسبب القهر والضغوط التي عاشتها بعد أن أُخذ منها أطفالها عنوة...... وانتحرت اختي التي لم ارها... (تتوقف عن الحديث، تبحث في محفظتها، تخرج صورة بالابيض والاسود، شبه مهترئة، تقول لنا:) انظروا هذه صورة امي ، كم كانت جميلة... كلفني البحث عنها كثيرا، عندما عثرت على صورتها ايقنت بعدها انني ولدت من جسد امرأة، وليس من الفضاء كما كنت احيانا اتوهم واغرق في حساباتي ... وللعلم كان بحثي عنها يقابل بالرفض والاهمال من القائمين على رعاية الشؤون الاجتماعية)... س: من الواضح ان لتجربتك الخاصة اثرا مباشرا على فنك، فهل هناك مؤثرات اخرى كان لها دور في ذلك برأيكِ ؟ دونا : بالاضافة الى تجربتي، كما أوجزت سابقا، فقد عشت فترة نشاط المنظمات النسوية على الساحة الكندية وانطلاق الحركات الفمينستية وكذلك فترة انطلاق ونشاط المنظمات المدنية لحقوق الانسان فكان لهؤلاء أثره في معرفتي لنفسي .... أبطالي هم الناس الذين يؤمنون بالحب والحرية و يسعون للسلام. يناضلون ضد الرأسمالية و ممارساتها اللانسانية في أي مكان كان . س: وهل تلقى هذه المواضيع ساحة وصدى هنا، وخاصة نجدنا امام هذا الكم الهائل من الفن الدعائي المتقدم تكنلوجيا والبعيد في اغلب الاحيان عن الهدف الانساني اوالجمالي ؟ دونا : نعم، لدي شجون كثيرة في هذا المجال لان سياسة الاقتصاد السائدة ينعكس تأثيرها على كل مظاهر الحياة و بالتالي على الفن، مثلا احتجت الى 25 سنة كي استطيع ان أسجل ( سي . دي) وكانت عملية شاقة، تخللها محاولات محبطة حتى توصلت مؤخرا الى تحقيق هذه الخطوة . هناك الكثير من القدرات الفنية العالية لدينا، ولكن لهم ذات المعاناة من عدم القدرة على تحقيق الانتشار والتعريف بفنهم وتتدخل هنا عدة معوقات حقيقية كاللون- العرق- والجنس والاصول الاثنية... وهذا جانب مما تتبناه الحكومة بنظراتها الامبريالية والكونيالية. انها تريد وتشجع الفن الذي يتحدث عن الاشياء الجميلة فقط، وبعيدا عن مواطن الجرح وانتقاد الواقع وتُطرب لهؤلاء، وحين يأتي من يتحدث و يصور ويعزف لحن الحقائق العارية ينبعث فيهم الذعر القلق ويبذلون جهدهم لابقاء هذا الفن في الظل، وراء الكواليس. الحقيقة المخيفة لا يحبذون سماعها.... الموسيقا تشكل ادارة اثارة نحو الحركة والتمرد، وحين يجتمع اللحن مع الكلمة الجادة، يصبح الفن لغة تحاكي العقل والقلب، يخلق حالة انبعاث في المستمع، وهي الحالة التي لايردونها . س: اذا كيف يمكن لهذا الفن، ان يقف و يحارب هذه البرجوازيات و يفضح اخلاقياتها ؟ دونا: ان اكبر خطر على الرأسمالية هو الخيال الانساني الذي تحمله الفنون عبر الكلمة والغناء واللحن ... وهذا ليس سهلا وهناك من قتل بسبب رسالته الفنية . ولكن الفن يستطيع القيام بهذه المهمة ويشهرالسلاح الحي في وجه الاعداء الطبقيين وأؤكد هنا على تحفيز الخيال وطاقة الروح كأداة لا تقهر . س: سمعنا مقاطع من شعرك وكان له اثره العميق في ذاك التجمع الكبير اثناء الاحتفال بعيد المرأة فكيف تنظرين للشعر ؟ دونا: شعري، هو احساسي بمأساتي كتجربة لها خصوصيها والتي هي جزء من تجربة الاف الاطفال الذين أُخضعوا للتبني. شعري يحكي عملية غسل الدماغ التي أخضعنا لها مثل فئران التجارب المخبرية وكانت بئس النتائج... انه يصور أيضا الولادة الجديدة لشخص بعد أن عاش أزمة اعتباره الطفل المنبوذ وغير المرغوب فيه..... وفيه أزمة اقتلاع الجذور. س: من خلال معاناتك كأمراة وفنانة ومحامية في كندا وبالنظر الى مجمل واقع المرأة هنا، نرى انها مازالت في بعض الحالات تعاني محاولات تهميش وتحجيم انطلاقها، ماهي برأيك الاسباب الكامنة وارء هذا؟ دونا: طبعا المرأة في كندا مازالت تعيش تحت ضغوط مختلفة وفي قطاعات كثيرة تتمثل هذه الضغوط بالاضطهاد العنصري والعرقي رغم كل المحاربة المظهرية لهذه الاخلاقيات. هذا يعود الى سياسة القائمين على راس السلطة وصياغة القانون الا ان الامور في النهاية ليست في يدهم وفقط، وهذا ما نجده من خلال حركة الشارع والتي هي في النهاية تعبيرعن مطامح المرأة والطبقة الفقيرة والاقليات ... وكان هذا واضحا جدا اثناء مسيرة يوم المرأة العالمي، كان الشارع يعج بالنساء والشباب والشيوخ من كل الالوان والاعراق... المطالب كانت تتجلى ضد العنصرية، إزالة الفقر ومظاهره ....وكل انواع التفرقة الجنسية ... إن ارادة الشارع خارجة تماما عن ارادة المتنفذين، والمرأة ما تزال تسعى لفرض حضورها الفاعل. س: كما اسلفتِ عن رسالة الفن وايمانك بقدرتها على قلب الموازين والى حد ما، فهل هناك توجه فعلي نحو تأسيس اتحاد او رابطة تتبلورمن خلالها الطاقة الفنية لأمثالكم في الساحة ؟ دونا: هذا صحيح، وهو مانحتاجه، قمنا مؤخرا بتأسيس اتحاد للفنانين، يضمنا ابداعاتهم ويجري ترخيصه حاليا، سوف يتولى هذا الاتحاد مهمة الدفاع عن حقوق الفنانين والفنانات من امثالنا، وقد يساعد هذا في تأمين المتطلبات المادية والمعنوية للفنان المبتديء ومساعدته على الوصول الى قطاع اوسع من المستمعين وسوف يأخذ مداه وفعله الحقيقي من خلال الالتقاء بفعاليات الفنانين المهاجرين و(المهاجرات) المقيمين في كندا . وهذا اللقاء معكم الان، اجده خطوة نحو مستقبل تتبلور فيه الفعاليات والرؤى بحيث تجعلنا نرى الآخر ونعرفه ويعرفنا... س: كلمتك الاخيرة للمرأة عموما و للمبدعين( المبدعات) بصورة عامة دونا: في المجتمع الرأسمالي الذي خنقنا مذ كنا صغارا - ومايزال - ارى انه على الفنان ان يعي ذاته ومن ثم مسؤوليته.... الرأسمالية سرقت طفولتنا و تسرق أحلامنا، باعتنا بعقود -رغم أن الانسان لايباع- لذلك يجب أن يرسم الفن هذه الحقيقة و يعري هذه الممارسات وبعيدا عن الاستهلاكية، ومهما كانت مغريات الفن التجاري . الفنان- بغض النظر عن التصنيفات الجنسية- يجب ان يبقى في انطلاق دائم لان الانغلاق على الذات شكل من اشكال الموت. ارى اننا نستمد قوتنا من الاندماج مع الاخر... وان رسالة الفن الدائمة هي ان يسعى لكي يُبقي الحلم حيا. وللمرأة أقول: الحرية موجودة هنا في قلوبنا حية، دائمة، ترقد حينا ولكنها لاتنطفئ أبدا ،كما شعلة الاولمب. س: نشكركِ دونا، على وقتكِ وحديثكِ الذي يفتح نافذة لقرائنا نحو جوانب عديدة من المجتمع الكندي .نتمنى لك مزيدا من التقدم والنجاح وآمل ان نبقى على تواصل. أجرت الحوار: الكاتبة والشاعرة السورية جاكلين سلام 13/3/2005 |