|
فشل التشغيل الاجتماعي في هيئة مكافحة البطالة |
|
|
|
أيهم أسد
|
|
2006-04-29 |
عندما يفقد أحد ما الخلفية الفكرية والنظرية عن الشيء الذي يقوم به فإنه يفقد رؤية هدفه ويفقد الوسائل التي تقوده للوصول إليه. في الاقتصاد لا بد من الخلفية النظرية الكلية لأي عمل علينا القيام به، فلا يكفي مثلا لحل مشكلة البطالة أن أشغل الناس فقط، الأهم من ذلك كله هو أين أشغل هؤلاء الناس ولماذا أشغلهم بهذا العمل وليس بذاك العمل والأهم أكثر أن أعرف ما هي نتائج هذا العمل على الأشخاص أنفسهم وعلى الاقتصاد، أي ببساطة: كيف سيغير العمل الذي أقوم بتأمينه لطالبيه من بنية المجتمع والاقتصاد على المدى الطويل وما هي المضاعفات الاقتصادية والاجتماعية لهذا العمل؟ وهذه المسألة بالتحديد تحتاج إلى وعي فكري شامل بالاقتصاد واحتياجاته ومتغيراته والأهم من ذلك أنها تحتاج لوعي الإجابة عن سؤال " إلى أين نريد أن نصل"
ربما لم تستوعب هيئة مكافحة البطالة حتى الآن تلك العلاقة الحساسة والاستراتيجية بين العمل والتغيير، " على العمل أن يغير العمل" هذه هي المقولة الجوهرية لسياسات العمل الحقيقية وهذا معناه أن أي فرصة عمل يخلقها الاقتصاد عليها أن تكون أفضل من الفرصة القائمة حاليا لأن خلق نفس فرصة العمل الموجودة الآن معناه تكريس بنية العمل السائدة وتعميقها وبالتالي المساهمة في تكريس حالة السكون والركود الاقتصادي والاجتماعي وعدم القدرة على تجاوزها وخلق أنماط عمل جديدة تغير وتكسر ذلك السكون. في سوريا نحن بحاجة إلى بنية عمل جديدة تؤدي إلى نوع من الحراك الاقتصادي نحو الأمام ولسنا بحاجة إلى بنية عمل تكرس ما هو قائم وموجود، وهذا يعني ببساطة أننا بحاجة إلى مشروعات اقتصادية مغايرة لما هو قائم الآن. أصبحت هيئة مكافحة البطالة جزء مهم في إدارة سوق العمل في سوريا لكن للأسف فقد أدارته بطريقة "التكريس لا بطريقة التحديث" وهي بسياساتها الحالية وفي فهمهما لآلية امتصاص البطالة إنما تعجل من تعميق تخلف قوة العمل السورية بدلا من تطويرها فالهيئة تهدر مورادها المالية لتمويل شراء الماعز والأبقار والإبل وها هي 300 مليون ليرة جديدة تذهب بعد أيام قليلة للمصرف الزراعي لشراء من 30 ألف إلى 70 ألف رأس من الماعز والأبقار لتوزعها على الفلاحين معتقدة أنها ستحل مشكلة بطالتهم، أولا هذا النوع من الاستثمار ليس من وظائف الدولة والأفضل لو استثمرت الهيئة ذلك المبلغ بمشروع صناعي لا يوجد لدينا مثله وشغلت فيه عددا من العمال وخلقت قيما مضافة جديدة وثانيا أن هذا التمويل لن يؤدي إلا إلى بقاء آلاف البشر يعيشون حياتهم في بيئة زراعية تقليدية الأمر الذي يؤدي إلى استمرار سيطرة نمط الإنتاج البدائي الزراعي على مجموعات كبيرة من الناس وجعلهم أكثر قربا من الأرض بطرائق تقليدية للغاية ولا يخفى على أحد مخاطر تجذر ذلك النمط الإنتاجي في ظل عصر يتميز باعتماده على المعرفة كمادة أولية للنمو الاقتصادي. إذا كانت الهيئة تعتقد أنها حلت مشكلة البطالة لهؤلاء عندها ستكون قد حلت مشكلة " مالية" مؤقتة في حين أنها أسست لمشكلة "اجتماعية" دائمة. لأن أغلب المشاريع التي مولتها الهيئة خلال فترة عملها هي مشروعات زراعية بحتة (مشروع حزام الجبن في محافظة إدلب مثلا) قد تؤمن مردودا ماليا لكنها لا تقود إلى تغيير اجتماعي وسيكولوجي للعاطل عن العمل وإنما تبقيه حبيس السلفية الاقتصادية وحبيس نمط تاريخي متخلف من التطور الاقتصادي. هناك هدر معنوي للمال تمارسه الهيئة وهناك ضياع للفرص البديلة وهناك تفتت في الرؤية الكلية للاقتصاد ومشاكله وربط ذلك مع سياسات التشغيل في الهيئة وهناك فقر فكر اقتصادي في إدارة ما تبقى من مشروع الهيئة. والنتيجة التي وصلنا إليها بعد أعوام التجربة هي أننا أمام حالة من التشغيل "الاسمي – المالي" للعمالة السورية وليس التشغيل "الحقيقي – الاجتماعي" لها، وأننا أمام حالة من تمويل العمالة وليس تغييرها.24/5/2005
|