|
تهدر الدولة حقوق المزارع في علاقته معها.. وتنصفه نسبياً في علاقته مع الآخرين! |
|
|
|
مشهور غريبة
|
|
2006-04-29 |
بعد نقاش عام واسع لمشروع قانون العلاقات الزراعية استمر عدة أشهر على صفحات الجرائد السورية، وبعد مناقشات مستفيضة له في مجلس الشعب، صدر في 29/12/2004 القانون رقم 56 الخاص بتنظيم العلاقات الزراعية بين رب العمل والعامل الزراعي، وبين مالك الأرض والفلاح المزارع، ليلغي بذلك القانون رقم 134 لعام 1958 الذي استمر العمل بموجبه ما يقارب نصف قرن من الزمن. لقد تمحور النقاش العام وكذلك النقاش في مجلس الشعب حول المسألة الأساسية في القضية الزراعية، أي مسألة الأرض والفلاح، هل يبقى الفلاح المزارع، كما حاول الملاكون وممثلوهم ترسيخه في القانون الجديد، محروماً من الأرض ويعمل بالمحاصصة لدى المالك صاحب العمل الزراعي، أو يجب تحرير هذا المزارع كلياً مما تبقى العلاقات الإنتاجية الإقطاعية هذه، وتمكينه من أن يصبح مالكاً للأرض يتمتع هو وأفراد عائلته بنتائج أعمالهم وجهودهم وما يبذلونه من عرق ودم في خدمة الأرض والإنتاج، كما طالبت وأرادت وناضلت من أجله قوى التقدم والاشتراكية في البلاد؟ حسم مجلس الشعب هذا الصراع المحتدم وأقر القانون بالصيغة التي صدر بها، فجاء متناسباً وميزان القوى الطبقية التي ناقشته ومع الاتجاهات الاقتصادية الجديدة المطروحة حالياً، فأعطى المالك حق إخراج المزارع من الأرض التي يعمل عليها وفق أسس معينة حددتها المادة 106 منه. لن أدخل في تقويم القانون ككل، فقد سبق أن أبديت وجهة نظري فيه على صفحات الصحف، وإنما سأتناول هنا فقط، الفقرة الأولى من المادة 164 نظراً لتناقضها مع المادة 106 ولخطورتها بالنسبة لشريحة واسعة من المزارعين تعمل على أراضي أملاك الدولة وأراضي الإصلاح الزراعي المستولى عليها.
تقول المادة 164 الآتي: يستثنى من تطبيق أحكام هذا القانون مايلي: أ ـ العلاقة العقدية وغير العقدية بين الدولة والأشخاص على أراضي أملاك الدولة وأراضي الإصلاح الزراعي. فماذا تعني هذه الفقرة وما هي نتائجها! بالرجوع إلى المادة 106 التي تنص على إنهاء العلاقة بين المالك صاحب العمل الزراعي والمزارع نرى الآتي: أ ـ أنها تعطي الحق لصاحب العمل الزراعي (المالك) بعد ثلاث سنوات من تاريخ نفاذ هذا القانون، مراجعة القضاء المختص لاسترداد أرضه من المزارع المتعاقد عليها في ظل أحكام القانون رقم 134 لعام 1958 وتعديلاته، خالية من الشواغل والشاغلين مقابل تعويض يقدر بتاريخ الادعاء بعد تقدير القيمة من قبل المحكمة المختصة بوساطة الخبرة وفق النسب الآتية إذا كانت مساحة الأرض تسمح بالتجزئة: 2% عن كل سنة للمزارع الذي تجاوزت سنوات مزارعته 3 سنوات بما لا يقل عن 20% ولا يزيد عن 40% من مساحة الأرض شاغرة. ب ـ يخيّر المزارع بين تملك نسبة المساحة المذكورة في الفقرة (أ) السابق ذكرها، أو التعويض النقدي وفق ما ستحدده الخبرة عن هذه المساحة ووفقاً للأسعار الرائجة بتاريخ الادعاء، وعلى المزارع أن يدلي بذلك قبل أي دفع آخر وإلا سقط الحق فيه. ج ـ تحدد مساحة الأرض القابلة للتجزئة بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح من الوزير (وزير الشؤون الاجتماعية والعمل) بعد استطلاع رأي وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي والاتحاد (اتحاد الفلاحين). د ـ إذا كانت مساحة الأرض لا تسمح بالتجزئة، يُمنح المزارع تعويضاً نقدياً وفق النسب المحددة في الفقرة (أ) السابقة من هذه المادة. تبين هذه المادة بجلاء أن الدولة قد أقرت وأكدت أن للمزارع حقوقاً مكتسبة في الأرض التي يعمل عليها لدى المالك ولو كان عمله في حدود ثلاث سنوات فقط، وأنها أي الدولة، قد قوننت هذه الحقوق المكتسبة للمزارع وأنها ستؤمن له الحصول عليها بإعطائه نسبة من هذه الأرض أو ما يساوي قيمتها، ويعود الباقي للمالك . هنا ظهرت الدولة حاميةً لمصالح المزارعين ومدافعة عنهم تجاه الملاك أصحاب العمل الزراعي، وهذا موقف إيجابي لها لا يمكن إلا أن نثني عليه رغم تحفظاتنا على مقدار النسب التي حددتها، وكذلك على مبدأ إخراج الفلاح من الأرض ومن العمل الزراعي، وبالتالي تسليم الأرض للمالك خالية من الشواغل دون أي تعويض له عن هذه الشواغل. إلا أن هذا الموقف الإيجابي للدولة قد تخلت عنه نهائياً عندما تعلق الأمر بالمزارعين الذين يعملون على أراضيها فاتخذت موقفاً تعسفياً منهم، أنكرت فيه وجود أي حق مكتسب لهم عندها، بحيث يمكن أن تخرجهم من الأرض دون أي تعويض نقدي أو عيني. إنه موقف متناقض على نحو صارخ بين دفاعها عن المزارعين تجاه الغير، وبين استثارة مقاومتهم ومعاداتهم تجاهها وحرمانهم من كل شيء، ويبرز ذلك في الفقرة الأولى من المادة 164 التي أشرنا إليها سابقاً والتي تستثني من تطبيق أحكام هذا القانون (كل علاقة بينها وبين الأشخاص على أملاكها وأراضي الإصلاح الزراعي التي ما زالت بحوزتها ولم توزع). من المعروف أنه بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1958 وتعديلاته الذي حدد سقف الملكية الزراعية في البلاد، قامت الدولة بتوزيع جزء من أملاكها ومن الأراضي التي استولت عليها من الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي على الفلاحين بموجب عقود إيجار استمرت بعض السنوات، ومن ثم وزعتها على نحو نهائي وأعطت سندات انتفاع لجزء كبير من الفلاحين منهية هذه العملية عام 1969، فانتفع من انتفع وبقي عدد لا بأس به يعملون عندها على مبدأ الإيجار السنوي دون أن يحصلوا على أية وثيقة انتفاع أو سندات تمليك، وأصدرت مؤخراً تعليمات وقرارات بتمليك الفلاحين المنتفعين للأرض وتسجيلها بأسمائهم في الدوائر العقارية كملكية خاصة تامة. واستثني من ذلك المزارعون الذين يعملون على أراضيها، بموجب عقود إيجار سنوية رغم مرور عشرات السنين على عملهم في هذه الأراضي، وأصبحوا يعرفون بالفلاحين واضعي اليد. إن إبقاء هذه الشريحة من المزارعين تعمل على أساس استئجار الأرض من الدولة سنوياً يدل على أن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي لم ينجز بعد رغم مرور نصف قرن تقريباً على صدوره. والسؤال الآن، متى ننتهي من تطبيق هذا القانون؟! هل يبقى خمسين عاماً أخرى؟ ألم يحن الوقت لإنصاف هؤلاء الفلاحين واضعي اليد ومعاملتهم معاملة إخوانهم ممن انتفعوا بالأرض ويجري العمل حاليً لتمليكها لهم؟! إن قانون العلاقات الزراعية الحالي أعطى المزارعين بالمشاركة أو بالبدل، وكذلك العمال الزراعيين، حقوقاً معينة ولكنه حرم المزارع المستأجر لأراضي ملاك الدولة وأراضي الإصلاح الزراعي من أي حق رغم أنه يعمل في هذه الأراضي منذ عشرات السنين. إنه غبن ما بعده غبن، وتعسف ما بعده تعسف! إننا إذ نثير هذا الموضوع إنما نطالب أن تعمل الدولة بأقصى سرعة على إصدار ما يمنح هؤلاء الفلاحين المستأجرين حقوقاً ملموسة أسوة بإخوانهم المنتفعين، فتوزع عليهم الأرض وتطبق عليهم الإجراءات نفسها ليصبحوا كغيرهم ملاكاً للأرض يعملون عليها ويرفعون من إنتاجها، وبذلك نحقق شعار (الأرض لمن يعمل عليها). هذا الشعار الذي كان محور نضال القوى التقدمية في بلادنا وقدمت من أجله عشرات الشهداء. بهذا نحقق العدالة ونساوي بين الفلاحين، ونخرجهم من حياة الخوف والقلق فيستقرون نفسياً واجتماعياً، يلتصقون بالأرض والوطن يذودون عنه ويبذلون الغالي والرخيص من أجل عزته وقوته وكرامته. 25/5/2005
|