|
الفاقد النسوي.. ماذا عنه في سوريا؟! |
|
|
|
أيهم أسد
|
|
2006/ 04/ 29 |
قد تبدو فكرة "الفاقد النسوي" في المجتمع السوري فكرة نادرة ومتقدمة جدا في مجال حقوق المرأة كنوع اجتماعي وقد تبدو ابتعادا عن النقاشات التقليدية السائدة حول تلك الحقوق وربما قفزا عن وتجاوزا لـ "مشاكل المرأة" المطروحة باستمرار والتي لم تلق تجاوبا اجتماعيا كافيا حتى الآن، لكننا ورغم ذلك نرى أن طرح الأفكار المتقدمة غالبا ما يؤسس لرؤى ونقاشات متقدمة ويوسع من بدايات التعاطي مع المشكلة ويؤهلها لأن تكون ميدانا للنقاش المبكر، كما يمكن لهذا الطرح أن يضيف اهتماما جديدا في شؤون المرأة ويحفز آراء الناشطين من كلا الجنسين لتناول هذه الفكرة وتطويرها بشكل أعمق والبحث عن جذورها وإمكانيات التعاطي معها في المجتمع السوري على الأقل.
يقع مفهوم "الفاقد النسوي" في صلب عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية كناتج سلبي عن هذه العملية أو كأحد اخفاقاتها وبالتالي فإن الفاقد النسوي يرتبط من حيث المبدأ بـ "فشل عملية التنمية" في المجتمع بمفهومها المعاصر جدا، هذا المفهوم الذي يطرح رؤية مغايرة عن التنمية بوصفها وكأنها معادل صرف لفكرة "التوسع في الحريات الموضوعية للإنسان بطريقة متكاملة ومترابطة" كما عبر عنها الاقتصادي الهندي أمارتيا سن في كتابه "التنمية حرية"، ولطرح فكرة الفاقد النسوي دعونا نستعين بكتاب الاقتصادي "سن" الذي ألفه عام 2000 وترجم إلى العربية عام 2004، هذا الكتاب الذي يقدم نظرة عصرية لمفهوم التنمية تنطلق من أحد أهم مقولات هذا العصر ألا وهي الحرية، الحرية الواقعية المعاشة يوما بيوم والتي تنتجها النظم والأفراد في كافة ميادين الحياة. يقول الاقتصادي "سن" في كتابه "تكمن فعالية الحرية كأداة في حقيقة أن الأنماط المختلفة من الحريات ترتبط فيما بينها بعلاقات متداخلة وأن نمطا بذاته من الحريات يمكن أن يسهم مساهمة بالغة في تقدم الأنماط الأخرى من الحريات وهذه الحريات هي الحرية السياسية (السماح للناس لكي يحددوا من له الحكم وعلى أي المبادئ يحكم وانتقاد السلطات واختيار الأحزاب) والحرية الاقتصادية (استخدام الموارد الاقتصادية والانتفاع بها بغرض الاستهلاك أو الانتاج أو التبادل التجاري) والفرص الاجتماعية (الترتيبات التي يتخذها المجتمع بالنسبة إلى موضوعات التعليم والرعاية الصحية وغيرها) وضمانات الشفافية (الصراحة التي يحتاجها الناس في كل شيئ يهمهم) والأمن الوقائي (توافر ترتيبات مؤسسية ثابتة مثل إعانات البطالة وايجاد دخول للمعوزين ومساعدات الإغاثة وغيرها)" وإثر هذا العرض الذي يقدمه "سن" لمفهوم وأنواع الحرية الأداتية ينتقل برشاقة ليصوغ لنا مفهومه الخاص عن التنمية انطلاقا من مفهومه عن الحرية ذاتها فيقول" التنمية تعني إزالة مختلف أنماط افتقاد الحريات التي تحد من خيارات الناس وتقلص فرص ممارسة فعالياتهم المبررة. وبالتالي فإن إزالة المظاهر والمصادر الموضوعية لافتقاد الحريات مكون أساسي للتنمية والتطوير. وهنا يمكن النظر إلى التنمية على أنها عملية متكاملة للتوسع في الحريات الموضوعية والمترابطة معا". إذا لابد وأن تقود التنمية في النهاية إلى تعميم الحرية بكل أنواعها في المجتمع الذي تعمل فيه ولا مكان لطغيان حرية أحد على حرية أحد آخر، بمعنى آخر لا وجود لانحياز أحد ضد أحد أو على الأقل السعي عبر هذه التنمية إلى تقليل أي انحياز اجتماعي إلى حدوده الدنيا ووضع نهايات صغرى له. الذي يريده ويتحدث عنه "سن" في كتابه قد يكون يوتوبيا من الناحية العملية رغم أنه ممكن جدا من الناحية النظرية و يعزى الأمر ببساطة إلى وجود اختراقات واضحة وفاضحة في ممارسة الحريات بين كلا الجنسين على بعضهما ذاتيا أو عليهما معا موضوعيا بسبب طبيعة النظم التي يعيشون فيها وبسبب وجود هذا النوع من اختراقات الحرية ينشأ ما يسمى بمفهوم الفاقد النسوي والذي يعرفه "سن" على أنه "المفقود أو من هو في عداد الموتى من النساء نتيجة الانحياز الجنوسي أو التمييز بين الجنسين في توزيع الرعاية الصحية أو غيرها من ضروريات الحياة" بمعنى آخر أن هذا الفاقد لا يرتبط بأسباب عضوية فيزيولوجية بقدر ما يرتبط بأسباب اجتماعية بحتة ناتجة في النهاية عن افتقاد مستوى معين من الحريات الأداتية للمرأة في المجتمع الذي تعيش فيه وبالتالي فالفاقد النسوي هو في النهاية عبارة عن أوالية حذف اجتماعيي لجنس اجتماعي/ فيزيولوجي بسبب فروقات الحريات في المجتمع في المجتمع العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص لدينا نقص واضح في كافة مستويات الحريات الأداتية التي تحدثنا عنها سابقا الأمر الذي يحرض على فتح باب النقاش واسعا حول مفهوم الفاقد النسوي لدينا ومدى ارتباطه بنقص الحريات المزمن الذي نعانيه و نعيشه واقعا يوميا، حتى الآن لم نشهد في سوريا دراسة غير تقليدية عن واقع المرأة كنوع اجتماعي والعوامل المكونة له والمؤثرة فيه ولم نشهد بحثا جادا عن مدى تأثير أي نوع من الحرية على وجود المرأة ولا عن علاقة نقص هذه الحريات على بقائها ولتبسيط الفكرة دعوني أطرح السؤال التالي: "ما هو حجم الفاقد النسوي في المجتمع السوري الناتج عن انخفاض دخل المرأة أو الناتج عن عدم تلقي المرأة ضمانات بطالة كافية أو بسبب انخفاض تمثيلها السياسي"؟! أنا أعتقد أن المجتمع السوري يشكل مادة خصبة لمثل هذا النوع من الدراسة أو للإجابة على مثل هذه الأسئلة. وأتوقع أنه لو حاولنا فتح ملف الفاقد النسوي لوجدنا فيه الكثير. وسبب اعتقادي وتوقعي ذلك هو أن مستوى الحريات في سوريا كان وما زال منخفضا جدا يقابله مستوى من الفساد مرتفع نسبيا الأمر الذي يعزز فكرة وجود فاقد نسوي ويفتح بنفس الوقت ملفات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومدى نجاحها أو فشلها خلال العقود الماضية وهل غيرت هذه التنمية شيئا ما في بنية المجتمع السوري وهل أثرت بشكل متكافئ على حقوق كلا الجنسين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أم أنها انحازت إلى أحدهما على حساب الآخر وهل تعاملت عملية التنمية مع المرأة كنوع اجتماعي وإلى ما هنالك من أسئلة يجب الوقوف عندها وتفكيكها ومراجعة إجاباتها بطريقة نقدية. أقف عند هذا الحد موجها الدعوة لكل المهتمين فعليا بالمرأة ومشاكلها للمساهمة للتفتيش والبحث عن الفاقد النسوي في سوريا سواء بفكرة صغيرة أو بمعلومة ما أو رقما أو دراسة أو أي شيئ آخر يفيد في هذا الموضوع ويكشفه ويطوره. 14/6/2005

|