|
رحيل العمال السوريين: محاولة لقراءة المعاني والنتائج |
|
|
|
ملف- السفير
|
|
2006/ 04/ 29 |
|
صفحة 8 من 8 *- تحت جسر فؤاد شهاب/ سحر مندور مجموعة من العمال السوريين، شبّان في أواخر العشرينيات من العمر، يجلسون عند حافة تحت جسر فؤاد شهاب، على مقربة من ساحة الشهداء التي شهدت "انتفاضة" اللبنانيين "ضد سوريا". لم يغيّروا موقع تجمّعهم نتيجة التطورات الأخيرة، فلقد اعتاد أرباب العمل قصد هذه النقطة الجغرافية بحثاً عن مياوم. الابتعاد عن هذه النقطة التي تعتبر "ساخنة" يعني، بالنسبة إلى العمّال، الاستقالة من "وظائفهم". في يوم من الأيام، وبينما هم يدردشون بانتظار فرصة عمل، رأوا 15 شاباً يركضون نحوهم، آتين من ساحة الشهداء. فكان رد فعل العمال البديهي هو الهروب إلى الخلف حيث كان بانتظارهم شابان يحمل أحدهما مسدساً، مما استدعى تغييراً سريعاً في الوجهة نحو مبنى "برج الغزال" لوجود عناصر أمنية عند مدخله. صدّ رجال الأمن اللبناني هجوم الشبان اللبنانيين وخبأوا العمّال، وعددهم ثمانية، داخل المبنى. الحصيلة النهائية "للهجوم" كانت إصابة عامل لم يسارع إلى الهرب بلكمات في الوجه أسالت الدماء من فمه. لملم العامل المصاب أغراضه في اليوم ذاته وعاد إلى قريته المجاورة لمدينة تدمر في سوريا. أما البقية فواظبوا في الأيام التالية على انتظار العمل في المكان ذاته. لم يرحلوا إلى سوريا ف"لقمة العيش صعبة، ونحن اليوم نعاني من عنصر إضافي يزيدها صعوبة. نعرف أنه ليس مرغوباً بنا في لبنان، لكننا نحتاج العمل ولا يمكننا أن نتحمل ترف الهروب"، يقول أحدهم وعينه لا تفارق السيارات العابرة إذ أنها قد تحوي رب عمل يحتاج أجيراً. "أخذ الحيطة والحذر" هو ما يحاولون فعله. يخرجون من منازلهم عند الثامنة صباحاً ولا يبقون في الشارع بعد الخامسة مساء. قبل 14 شباط، كان "دوامهم" لا ينتهي قبل التاسعة ليلاً. يحتاطون، فيسألون أي ربّ العمل يستدعيهم عن المدة التي سيحتاجهم خلالها وعن موقع الورشة التي سيعملون فيها. يخشون أماكن العمل الجديدة إذ أنهم لا يعرفون ما الذي يمكن أن ينتظرهم فيها. وإن وجد عامل أن المعروض هو عمل "آمن"، يستقل سيارة رب العمل بعد أن يوصي زملاءه بتسجيل رقمها، ليكون تقفي أثره سهلاً إن تأخر في العودة. يكسب العامل منهم، في الأسبوع، قرابة الخمسين ألف ليرة لبنانية. يستهلك حاجته منها ويرسل ما يتبقى إلى عائلته في سوريا. أما حاجته فتقتصر على الدخان والقهوة والخبز وبدل إيجار غرفة في مبنى يقع على طريق المطار، يشترك في السكن فيها وستة من زملائه. غرفة إيجارها مئة وستون ألف ليرة لبنانية في الشهر. إن دقّ باب البيت ليلاً، يسكتون. يمنعون أنفاسهم من كشف وجودهم، الهدف هو أن يستنتج الطارق خواء المنزل من الأحياء. لماذا؟ يخشون الضرب والقتل، يخشون أيضاً الطرد. فزميل لهم يحيا منذ زمن طويل في الأشرفية بالقرب من مستشفى رزق، تلقى أمراً بمغادرة المنزل والعودة إلى بلده. لم يكن يواجه أي مشكلة مع صاحب الملك، لكن "شباب المنطقة" وجهوا له أمراً خطياً بالرحيل عن حيّهم وأرفقوا الأمر بالتهديد. يسمع العمّال القصة فيسارع كل منهم إلى تقديم قصة شبيهة عن صديق ضرب، أهين أو قتل. مصطفى كان يملك متجراً لبيع السمانة في الحيّ ذاته، تلقى تهديدا شبيهاً أضيف إليه تحديد نوع الأذى الذي يمكن أن يصيبه في حال لم يمتثل للأمر: حرق المحل. باع مصطفى متجره لشاب مصري متنازلاً عن نصف الثمن وعاد إلى سوريا. وأنتم؟ ألن تعودوا إلى سوريا؟ لا، لن يعودوا الآن إذ أن الأذى لم يصب بعد أياً منهم. المغامرة هي جزء "طبيعي" من حياتهم اليومية، فهم ينتظرون في شارعٍ خطرٍ عرض عمل قد يأتي وقد لا يأتي. ينتظرون نقل الردم أو تفريغ كراتين أو "حيا الله.. على باب الله". تآلفوا حتى مع واقعهم المستجد المخيف. يضحكون منه أحيانا. بالفعل، يضحكون. هناك عابر سبيل لبناني أسمر اللون يمر يومياً بالقرب منهم ويشتمهم ويرفق شتيمته بعبارة: "انقبروا رجعوا ع بلدكن وتركولنا بلدنا بلا قرف". يغضبهم كلامه ولكن يضحكهم إصراره اليومي. حتى الآن فإن الزجاجات الفارغة التي تلقيها السيارات العابرة لم تجرح أياً منهم بعد. لذلك، ربما، لن يعودوا الآن إلى "بلادهم". 19/4/2005
|