|
رحيل العمال السوريين: محاولة لقراءة المعاني والنتائج |
|
|
|
ملف- السفير
|
|
2006/ 04/ 29 |
|
صفحة 7 من 8 *- قصص مغادرين وعائدين و"صامدين"/ فاتن قبيسي سكان بين "معارضة" و"موالاة" يختلفون حول ناطور سوري من هم العمال السوريون الذين يكثر الحديث عنهم؟ ما الذي تعرضوا له خلال الفترة الأخيرة؟ هذه بعض قصصهم، من بيروت. بعضهم تعرض للخطر أو على الأقل للمضايقات. قسم منهم غادر الى سوريا خلال الجو المشحون الذي اثير بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقسم آخر عاد مجدداً إلى بيروت بعد تنفيس الاحتقان جزئياً لاستئناف اعماله، وثالث ما زال صامداً لا يبارح مكانه. هذه بعض النماذج: * كان الناطور السوري م. ن يقف بالقرب من مدخل البناية التي خدم فيها سنوات عدة في منطقة الصنائع، عندما مر شخص أمامه قبل نحو شهر وسأله: "هل أنت سوري ؟" وما إن رد عليه حتى باغته السائل "بتشطيب" ساعديه بشفرة كانت بيده. هي حادثة هزت شاغلي البناية التي يغلب عليها الطابع التجاري معظم الشقق تشغلها شركات ومكاتب ودفعت ببعضهم الى إسعاف الناطور وتزويده بمبلغ من المال والطلب إليه العودة الى سوريا ريثما تهدأ الأمور في لبنان. عندما عاد مؤخراً إلى بيروت لاستطلاع الوضع، وجد أن بديلاً مصرياً حل مكانه "من باب عدم امكانية توقف شؤون المبنى" على حد تعبير أحد شاغليه، الذي أكد أن أجر العامل المصري يساوي أجر العامل السوري. هذه قصة منقولة عن بعض سكان البناية المعنية. * بينما كان وائل حسن يرتب بضاعته الواصلة للتو من سوق الجملة للخضار دخل عليه قبل شهر ونصف شابان في مقتبل العمر احدهما يربط شعره والآخر له وشم على ظهر كفه، وهدداه بإغلاق محله والعودة فوراً الى سوريا "وإلا!" الدم الذي تجمد في أوصال البائع لم يعطه فرصة للتفكير اذ قرر المغادرة الى بلده في اليوم التالي. بعد أسبوعين عاد الى محله في الزيدانية من باب جس النبض، فوجد أن الأمور هدأت بعض الشيء، إلا أنه حتى اليوم لم يعد الى دورة يومه الطبيعية، فتارة يفتح وغالبا "يستريح". * قصة بناية في منطقة الظريف "ستعرض مشكلتها أمام مجلس الأمن الدولي" كما يقول تهكماً أحد اعضاء لجنتها فسكانها مقسومون بين مؤيدي المعارضة ومحبذي الموالاة، والفريق الأول يطلب ترحيل الناطور السوري واستبداله بآخر سوداني، في حين أن الثاني لا يوافق على الطرح "تجنباً لقطع الأرزاق". و"الصراع" يدور منذ شهر، ولم يتنازل بعد أي من الطرفين عن موقفه، فيما يشعر الناطور بأنه "معلق بين السماء والأرض"، على حد تعبير عضو اللجنة. * حمل خالد الحاج حسن أمتعته وعاد وأخاه وزميلاً لهما الى سوريا. كان الثلاثة يعملون في فرن لصنع الكعك في منطقة الظريف. وهي المنطقة التي شهدت حساسيات كبيرة اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري. بعد عشرة أيام افترضوا ان الأمور هدأت خلالها، رجعوا الى مصدر رزقهم ليجدوا هرّة مذبوحة أمام باب الفرن. أربكهم ذلك لأنهم لم يعرفوا وقتها إذا كان ذلك بمثابة رسالة لهم كسوريين أم أن الأمر كان مجرد صدفة. ومع ذلك غامروا وفتحوا مجدداً وبقوا في حالة ترقب لأيام حتى عادت الأمور إلى طبيعتها، ولكن من دون ان يتوقف بعض أهالي المنطقة حتى اليوم عن استحضار مشهد الهرة الغارقة بدمائها. أمام الفرن تصطف سبع عربات جوّالة لبيع الكعك. مشهد يشي بالبطالة. أصحابها السوريون تركوها وغادروا الى بلدهم، ويشكو خالد الجمود الذي وصلت نسبته الى 70%، فعدد من اللبنانيين ممن عرض عليهم بيع الكعك لم يوافقوا، وبالتالي فإن تصريف بضاعته بات أمراً صعباً. كان يصرّف ما معدله أربعة اكياس طحين يومياً، أما اليوم فتدنت الكمية الى كيس واحد حسب قوله. * غادر منذ شهرين الى سوريا ناطور بناية "الأمير" في برج البراجنة الذي كان يعمل فيها منذ خمس سنوات، ومذاك الوقت ما زالت المفاوضات جارية بين أعضاء لجنة البناية لتأمين البديل. ففريق يريد تشغيل لبناني من باب "الغيرة على أبناء البلد"، وآخر يصرّ على سوداني أو باكستاني من باب تخفيض الكلفة. وما زال المنصب شاغراً حتى اليوم. * الأخوان علاء وحاتم زعرور صاحبا "ملحمة" في منطقة الصنائع تركا المنطقة الى سوريا في شباط الماضي بعدما سمعا عن حوادث يتعرّض لها سوريون، "بعضها صحيح والبعض الآخر شائعات" يقولان اليوم وبعد عشرة أيام عادا الى مكان عملها حيث وجدا الألفة ذاتها لدى سكان المنطقة. إلا أن مشكلة أخرى باتا يعانيان منها، وهي جمود الحركة التي تراجعت 75% عما كانت عليه قبل شهرين. ويروي حاتم كيف أن عاملاً سورياً كان يعمل لديه لم يجرؤ على الرجوع مجدداً الى بيروت لقبض أتعابه، فما كان منه هو إلا أن قصده هو الى سوريا لإعطائه إياها، مؤكداً أن الوضع الأمني هنا جيد وأنه يفكر هو وأخوه بتغيير المنطقة، لأنه لا يمكن تجميد "عدة" كلفتها ستة آلاف دولار، "لعلّ الرزقة تكون أفضل". بين التكيف والصمود في المقابل، هناك نماذج أخرى تبدو في بيروت وضواحيها. عمال يعملون هنا منذ سنوات، تآلفوا مع مناطق عملهم وسكانها لدرجة قريبة من الشعور بالانتماء. هؤلاء لم يغادروا بيروت مؤخراً ولو ليوم واحد، شعروا بأن "الخضة" التي حصلت لا تعنيهم. وصدق حدسهم بعدم تعرّض اي منهم للمضايقات. ويجمعون على أن التجمعات العمالية السورية هي المعرضة للمضايقات أكثر من غيرها، أما حالهم هم فمعكوسة برغم أن أهاليهم في سوريا متخوفون ويتصلون بهم للاطمئنان بين وقت وآخر. ويشير بعض النواطير إلى أن سكان الأبنية لا يسمحون لهم حتى بزيارة بلدهم في الاحوال العادية بسبب اعتيادهم عليهم. محمد حمدين الناطور في بناية في المصيطبة (يتقاضى 250 دولاراً) يؤكد أنه عندما كان يريد تمضية إجازة في سوريا، كان السكان يوصونه بتقصير مدتها، ويشير الى تآخيه مع شباب المنطقة، معتبراً أنه أصبح أيضاً لبنانيا، "فعندما أذهب الى سوريا لإحضار عائلتي في موسم الصيف الى هنا، أبقى أتحدث اللهجة اللبنانية لأيام". وهو ما يعبّر عنه أيضاً الناطور أحمد عابدين (يتقاضى 400 ألف ليرة)، الذي يمنعه منذ أشهر سكان البناية عند جسر سليم سلام من زيارة سوريا، الى جانب كل من الناطور شحادة محمود في بناية على طريق المطار، وعبد حسن في أخرى في المصيطبة، اللذين يعربان في الوقت نفسه عن تعلّقهما بلبنان، مصدر رزقهما. ومهما حصل من أحداث فإن حسام الحريري في حي اللجا لن يترك هذا البلد. يطلب من زبون لديه يريد شراء الخضار الانتظار قليلاً ليعلن بحماسة: "اذا وقعت الحرب لا سمح الله، فإنني سأحارب الى جانب لبنان بوجه اميركا وإسرائيل".
|