|
رحيل العمال السوريين: محاولة لقراءة المعاني والنتائج |
|
|
|
ملف- السفير
|
|
2006-04-29 |
|
صفحة 5 من 8 *- شكاوى من الشحن السياسي وتراجع "الشغل" رغم رحيل كثيرين/ فاتن قبيسي لم تعد أماكن تجمعات العمال السوريين في بيروت وضواحيها الشرقية والجنوبية هي نفسها. شيء شبيه بالانقلاب أصابها، أجواء من الرعب تسللت إليها، والزحمة التي كانت تصل الى مئتي عامل في بعض التجمعات انتهت الى عشرات، والحيوية التي كانت تضج بها الأمكنة استحالت سكوناً، وانقلبت المنافسة على تلبية وفرة الزبائن الى انتظار طويل وبطالة جزئية أحياناً، أو في أحسن الأحوال تدني فرص العمل. هذا الواقع استجد بطبيعة الحال بعد تاريخ 14 شباط الماضي. فالهتافات الداعية في بعض التظاهرات الى خروج سوريا من لبنان، والانسحاب السوري من البلد، والمرحلة الجديدة للعلاقة بين البلدين، كل ذلك تطورات سياسية كان يعيشها العمال لحظة بلحظة. نشرات الأخبار أصبحت الهاجس اليومي، والخوف من المجهول بدأ يتسرّب الى هؤلاء منذ أكثر من شهر وتُرجم الى مغادرة الكثيرين للأراضي اللبنانية. عديدة هي النقاط المشتركة التي تلتقي حولها تجمعات العمال السوريين. فالحديث عن تجمع واحد يعبّر عن البقية، باستثناء بعض الاختلافات البسيطة. هذا الاستنتاج جاء حصيلة جولة قامت بها "السفير" على التجمعات في: الجناح، جسر الغبيري، جسر البربير، جسر الدورة وفي حي السلم. وتجدر الإشارة الى أن بعض التجمعات "اختفت" نهائياً، فالعمال الذين كانوا "يداومون" تحت جسر الكولا لم تعد تجد لهم أثراً، وكذلك الأمر بالنسبة الى العمال الذين كانوا يتجمعون عند السادسة من صباح كل يوم في بئر حسن لينطلقوا بالقرب من محطة "الرحاب" عبر الحافلات الى أشغالهم في مناطق عدة، كما يؤكد عدد من سكان المنطقة. شبه بطالة بين السابعة والثامنة صباحاً يبدأ العمال بالتوافد الى أماكن التجمعات، التي تشكل مصدر الرزق الوحيد لهم. بعضهم هنا منذ سنتين وبعضهم منذ عشرين عاما. المهن التي يمارسها هؤلاء هي العتالة أساساً، السباكة، الدهان، التوريق والتبليط وكل ما يمت الى أعمال البناء بصلة. منذ أكثر من شهر بدأت أعداد العمال تقل تدريجاُ حتى انخفضت اليوم الى ما يقارب عشرين عاملا، بعد ان كانت حوالى خمسة وسبعين عاملاً في منطقة الجناح، وحوالى المئة في كل من الدورة وحي السلم، ومئتين وخمسين عاملاً في البربير. منذ اسابيع عدة يمضي كثيرون أيامهم من دون أن يطلبهم أحد للعمل، وهم الذين كانوا يفترضون أن تزداد وتيرة عملهم في ضوء الانخفاض التدريجي لأعدادهم. من هنا يجمع العمال على أن الوضعين السياسي والأمني بالاضافة الى حالة الركود التي بدأت طلائعها مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري كلها عناصر دفعت زملاءهم الى "الهرب" إلى سوريا. فالزبون أصبح بمثابة "الصيد الثمين" على حد تعبير علي حسن الذي يقول: "صار لنا 3 أيام ما ضربنا ضربة"، ويشير عدد من زملائه في الدورة الى أن العمل اقتصر على أربعة أيام في خلال أسبوعين، وهو ما يؤكده سمير الاحمد في الجناح الذي يعمل ورفاقه يومين اسبوعياً، في حين أن الحظ قد يحالف بعض العمال في الغبيري وحي السلم بمعدل يوم من أصل يومين. غير أن عديدين توقفوا عن إرسال الاموال الى عائلاتهم في سوريا، مثل عبود الأحمد في الدورة على سبيل المثال، الذي لم تتلق زوجته وولده منذ حوالى عشرين يوما "فلسا" واحداً. والحال ليست أفضل لدى العمال في البربير حيث يجمعون على أن الأولوية اليوم أصبحت "أن نأكل نحن وليس توفير الاموال". أسباب قلة فرص العمل أما أسباب هذا التحول فيعزوها العمال الى الجو السياسي المشحون، والوضع الاقتصادي المستجد. يقول ربيع جاموس في الجناح "إن ورش البناء والتأهيل توقفت. الوضع زفت، كان في شغل وحركة ومحبة بين الشعبين، أما اليوم فحطوا السوريين براسهم". وربيع الذي كان يعمل في شركة "الحبتور" في سن الفيل ويتقاضى 15 دولاراً يومياً، انقطع عنها لخوفه من قصد تلك المنطقة. "شو منعرّض حالنا للخطر؟ هلكونا: يا سوريا اطلعي برا...!". ويقول اسعد سامي في حي السلم ومحمد العلي في البربير إن المصالح واقفة بالبلد" وعندما يتحرك التجار نتحرك نحن شأننا شأن العمال اللبنانيين"، ويضيف محمد سبباً آخر هو "أن بعض المناطق لم تعد تطلبنا كما أننا نحن أصبحنا نخاف الذهاب إليها". وهو الهاجس الذي ينطبق على العمال في الجناح والغبيري الذين يعتبرون "أنه ليس ثمة أمان إلا في "المناطق الاسلامية" في حين أننا خسرنا عملنا في مناطق الشرقية وعرمون والشويفات والحدث..". ولكن هل لهذا الهاجس أرضية واقعية بمعنى أنه هل هناك من يتعرض فعلاً للخطر؟ يجمع العمال في معظم المناطق على أنه لم يتعرض لهم أحد، وهناك من يروي حوادث تعرض لها. يروي عمال كانوا يجلسون تحت لافتة: "ساحة شهداء حركة أمل" نزلة "سلطان ابراهيم"، ما تعرض له بعضهم. فيقول أحدهم "تمر سيارات أحياناً يغرقنا راكبوها بالشتائم"، ويروي آخر كيف تعرّض "لتشليح" امواله وهو في طريقه الى منزله في صبرا، ويسأل آخرون: "ألم تسمعي ببائع الزهور الذي "قوّصوه" برجله لاعتقادهم بأنه سوري، أو بذاك الرجل الذي ضُرب في الرملة البيضاء للسبب ذاته؟" ويعود الأول ليلفت الى أن عناصر من "حركة أمل" تنصحهم دائماً بعدم التجمع حرصاً على سلامتهم، ثم يطلب قائلاً: "اسألي في الصحيفة.. لماذا يتعرضون لنا.. ما دخل العامل السوري بالسياسة؟!". بدل الأتعاب ولكن من يتسنى له الظفر بعمل في الفترة الأخيرة، هل يتقاضى الأتعاب ذاتها أم أن قيمتها تغيرت في ضوء الظرف الراهن؟ يتقاضى العمال ما يتراوح بين 15 ألف ليرة و30 ألف ليرة يومياً كمعدل وسطي. وقد يرتفع الأجر بحسب نوع وساعات العمل. والملاحظ أن أجر أعمال العتالة يرتفع بالرغم من أن وقتها محدود، وذلك قياساً الى قساوة هذا العمل. وفيما تؤكد غالبية العمال أنهم ما زالوا يحصّلون الأجر ذاته، فإن البعض يشكو من تدني القيمة. يقول دحام حسين في الغبيري إنه عمل منذ أيام في حديقة في بئر حسن وتقاضى أجره كاملاً بقيمة عشرة دولارات. ويشير زميله محمد الى أنه عمل مؤخراً في ورشة قصر رياض الصلح ثماني ساعات وأخذ ثلاثين دولاراً بدل أتعابه، إضافة الى آخرين يؤكدون نيل حقوقهم كاملة. أما اسماعيل حسن في الدورة على سبيل المثال فيشكو من أن أجره في عمل العتالة ساعة واحدة تدنى من عشرين ألف ليرة الى عشرة دولارات بسبب تحكم صاحب العمل، فيتدخل زميله علي حسن موضحاً "أن الأمر يعود الى وزن البضاعة". وإذا بقيت فرص العمل بهذه الوتيرة، فلا يخفي الغالبية نيتهم العودة قريباً الى سوريا، بالرغم من تخوفهم من المصير الذي ينتظرهم بسبب عودة الآلاف قبلهم، وحدوث ما يشبه التخمة في سوق العمل السوري الذي لم يكن أساساً قادراً على استيعاب حجم اليد العاملة المحلية. الا أن أكرم سامي في حي السلم يشير الى أنه قرر وعدداً من زملائه عدم مغادرة المكان، وأن بعض الذين عادوا الى سوريا بطريقة انفعالية سيعودون الى لبنان، لأن أحواله السياسية والاقتصادية لن تبقى هكذا طويلاً. بدائل عمالية وحتى يومنا هذا، هل استُبدل هذا النقص في عدد العمال السوريين بآخرين من جنسيات أخرى، وهو نقص مرشح لأن يتطور؟ يجمع العمال السوريون على أنه لم يحل أحد محلهم بعد. فمن ناحية، الورش والشركات "شبه واقفة" بسبب وضع البلد، ومن ناحية اخرى، ثمة ثقة لدى البعض بأنه لا أحد يرضى القيام بالأعمال التي يزاولونها هم ولا بأتعابهم. سعيد الذي يحمل حبال العتالة على كتفه كما آخرون غيره في البربير وصولاً الى خط كورنيش المزرعة من باب اعلان الجهوزية للعمل، يقول "ما في حدا وخصوصاً اللبنانيين بيشتغلوا شغلنا، وبعدين اسعارنا بتراعي الفقير، بعض التجار كانوا يعطونا سابقاً مئة دولار، ومنذ خمس سنوات صار المبلغ مئة ألف ليرة على ذات الشغل بسبب كثرة العمال السوريين، والطرفين "بتوفّي معهم". إلى ذلك، يشير عدد من أصحاب الشاحنات المعدة لنقل البضائع ممن كانوا يعتمدون أساساً على العمال السوريين، إلى أن نقصاً كبيراً في اليد العاملة السورية لا يمكن ان يتم سده بسهولة. ويلفت "المعلم ابو بيار" كما يحلو له تسمية نفسه إلى أنه كان يتعامل مع حوالى خمسين عاملاً سورياً، لم يعد يجد منهم إلا ما يقل عن عدد أصابع اليد في الدورة. ويؤكد استحالة الاستعانة باليد العاملة اللبنانية إلا في حالات استثنائية نظراً لغلاء أجرها، مبدياً اعتقاده بأن هناك بدائل من التابعية السريلانكية والأثيوبية بالرغم من ان العثور على مثل هؤلاء أمر ليس سهلاً. "العتّال السوري يتقاضى عشرة دولارات، في حين ان اللبناني يطلب ثلاثين دولاراً على العمل ذاته"، هذا ما يقوله سمير البنا في بيروت الذي يشكو قلة العمال السوريين اليوم. وفيما يستعين بعدد من العمال الهنود فإنه يعتبر أن هؤلاء وإن كانوا يتقاضون الأجرة نفسها، إلا أن عددهم محدود في البلد أو على الاقل لا يسد فراغ السوريين. اذن لماذا يشكو كثيرون من العمال السوريين اليوم من الفراغ؟ يرد سمير "لأن عدداً من أرباب العمل وخصوصاً في المناطق الشرقية توقفوا عن تشغيلهم. وفي كل الأحوال الشغل تراجع اليوم". أما سامي الحلو الذي يعتمد أساساً على العمالة السورية في نقل البضائع فيحاول أن يبسط الأمور معتبرا "أن كل شيء عادة" يعني إذا لم يكن هناك عمال سوريون في الأصل كنا سنستخدم غيرهم، واليوم يجب أن نعتاد على غيابهم، وهناك آلاف يتمنون إيجاد فرص عمل من اللبنانيين وغيرهم، وسنحاول مساومتهم على الأجور قدر الامكان".في المرفأ أمام مدخل مرفأ بيروت وعند حافة اسمنتية يجلس عدد من العمال السوريين ينتظرون من يطلبهم في عمل. منذ الصباح وحتى العاشرة قبل الظهر وُفِّق حوالى عشرين منهم من أصل خمسين، وهو العدد الذي استقر عليه عدد العمال الذين يعملون في مجال العتالة فقط، بعد "هجرة" القسم الأكبر منهم. "شوفي شوفة عينك كلنا قاعدين" يقول سمير مصطفى كنا مقصد العديد من أصحاب الشاحنات في مختلف المناطق، أما اليوم فقد تغيرت الأوضاع نتيجة الشحن السياسي ضد السوريين. ورداً على سؤال يقول حسن صطوف: "لم نفكر حتى اليوم بتغيير مكان التجمع، فالوضع متشابه في كل المناطق.. ولن نبارح لبنان، فنحن هنا منذ التسعينيات، ونأمل أن تعود العافية إليه.. إذا جارك بخير انت بخير". ويتدخل اكرم العلي قائلاً: "نحن مع اللبنانيين، اللي بصير عليهم بصير علينا، ولن نترك هذا البلد الا إذا قالوا لنا: الله معكم". داخل المرفأ فريق آخر من العمال السوريين يعملون حسب المواسم في تفريغ البواخر من الحمولة وخصوصاً الخضار، وتفريغ المستوعبات من البضائع التي تحتاج الى يد عاملة دون المعدات. هؤلاء العمال المياومون يعملون بناءً لإجازات تُعطى لهم من خلال دائرة الأمن العام اللبناني عبر طلبات تتقدم بها الوكالات البحرية التي يعملون لحسابها. وكان عددهم يتراوح منذ أكثر من شهر بين 250 و300 عامل يومياً، فيما انخفض اليوم الى حوالى 80 عاملاً بسبب الخوف والقلق على المصير، بحسب مصدر إداري في المرفأ، مؤكداً أن كل محاولات التهدئة والتطمين باءت بالفشل. وفي حين يبلغ الأجر اليومي للسوري خمسة عشر ألف ليرة، أو يتعدى ذلك إذا عمل على أساس مبدأ "الطن"، فإن المصدر يشير الى أن أجر اللبناني مضاعف، وهو إذ يراعي المصاريف المترتبة عليه دون السوري من أجرة منزل وضرائب... فإنه يطالبه في الوقت نفسه "بأن ينزل من عليائه قليلا" تجنباً لجلوسه في البيت "ولأنو ما فينا نظلنا متكلين على السوري دايماً". هذا الكلام يأتي على خلفية استعانة بعض الوكالات البحرية بعمال لبنانيين لتغطية جزء من غياب السوريين، لأن العمال المصريين أو الهنود أو غيرهم لا يمكن تشغيلهم من دون إجازات يومية أو شهرية من قبل الأمن العام. ولكن هل زادت الكلفة على أصحاب الوكالات من خلال زيادة الأجور للعمال اللبنانيين؟ يرد المصدر: "لم تزد الكلفة وإنما تراجعت الأرباح". على خط مواز، هناك حوالى ثلاثين شركة تعهدات تعمل أيضاً في المرفأ، حوالى 25 فقط من عمالها هم سوريون، أي ما يتراوح بين مئة ومئة وخمسين عاملاً يعملون في مجال قيادة الشاحنات وأعمال الميكانيك والكهرباء. الغالبية منهم أصبحت اليوم في سوريا، وهو أمرلا يفاجئ كثيراً أصحاب الشركات، في ظل إنشاء محطة الحاويات التي ستدخل إليها كل الوكالات البحرية في الأسبوع الحالي، ما يعني الاستغناء تلقائياً عن معظم المتعهدين، الذين سيستغنون بدورهم عن حوالى90% من عمالهم اللبنانيين والسوريين على حد سواء.
|