|
أثر (الفاعلية) في تعزيز الإنتاجية |
|
|
|
د. عماد لطفي ملحس
|
|
2006-04-29 |
يرتبط كلّ تقدّم بشريّ بالإنتاجية الكميّة والنوعية بصورة أو أخرى، والإنتاجية التي أعنيها هنا مطلقة تنطبق على جميع مجالات الحياة المادية والمعنوية، الفردية والجماعية.
وتتحكم في طبيعة الإنتاجية ومستواها عوامل عديدة، من بينها عاملان مقرٍّران هما الكفاءة والفاعلية (Effectiveness & Efficiency). ويعتقد البعض ان لا فرق بين التعبيرين، غير أن الباحثين يرون أن الكفاءة تتعلق بعمل الأشياء بطريقة صحيحة، وهي مرتبطة بمفهوم الجودة الذي يعرّف بأنه (فعل الأشياء بطريقة صحيحة من أول مرّة في كلّ مرة). أما الفاعلية فهي تتعلـّق بفعل الأشياء الصحيحة في وقتها المحدّد، أي أنها تحدّد أولاً ما إذا كان ينبغي عمل هذه الأشياء والأعمال أم لا، ثمّ تحدّد أولويات انجازها ضمن الوقت المتاح، للحصول على أعلى انتاجية ممكنة. لذلك فإن هؤلاء الباحثين يقدّرون الفعالية أكثر من تقديرهم للكفاءة، انطلاقاً من أن الذين يصبّون جهودهم لتحقيق الجودة أساساً إنما يركزون على انجاز النشاطات والأعمال بصورة مثلى مهما كان الوقت اللازم لذلك، بينما تـُعنى الفاعلية بالنتائج، أي بمدى ما يتم انتاجه من أعمال وأشياء حسب الضرورة والأولوية، دون إغفال أهمية انجازها بالجودة المطلوبة. إن تحقيق مستوى ً عال ٍ من الإنتاجية في جميع المجالات، يتطلـب توفّر فاعلية عالية بالضرورة، ويتوقـّف ذلك أساسا ً على نوعية الإدارة الشاملة بجميع أوجهها: إدارة الأعمال، إدارة الوقت، إدارة الجودة والتحسين المستمر، إدارة الضغوط والأزمات، إدارة التغيير... ويقف على رأس هذه (الإدارات)، ما يمكن أن يسمّى ب (إدارة العقل) التي تحكم جميع النشاطات الإنسانية، والتي هي بحق (إدارة جميع الإدارات !). وتتطلب الإدارة السليمة للعقل استخدام الطاقات الذهنية الهائلة المتوفـّرة لدى جميع بني البشر، والتي ثبت أنهم بعامة لا يستثمرون أكثر من عشرين بالمائة منها فقط.. ولعلّ أولى خطوات ذلك، تحديد أهداف كل عمل أو نشاط بدقـّة ووضوح، ثمّ التخطيط الذي ينسجم مع الإمكانيات المختلفة المتاحة راهناً ومستقبلاً، والانطلاق لتنفيذ هذه الأعمال والنشاطات الانتاجية بعقلانية وهمّـة لا تعرف الكلل بعد تهيئة المناخ المناسب للنجاح، وآخر الخطوات عملية التقويم التي لا بدّ منها في كلّ محطّة، لتحديد نقاط القوة والضعف، ولتحقيق السعي المستمر نحو النجاح والتطوير الدائم واستبعاد الفشل. وما دمنا بصدد الحديث عن أهمية الفاعلية في تعزيز الإنتاجية مهما كان نوعها، وما دامت الفاعلية مرتبطة بإنجازما هو ضروري وبتحديد الأولويات ضمن الزمن المتاح، فإن إدارة الوقت تصبح العنصر الأكثر أهمية في منظومة إدارة العقل، وبالتالي في زيادة الإنتاجية وتعزيزها. قالت العرب: "الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك"، و"لا تؤجّل عمل اليوم إلى الغد"، وفي ذلك حكمة كبيرة تختصر كثيراً مما توصّل إليه علم إدارة الوقت الحديث.. ويستفاد من ذلك أن الوقت الذي يتوزع على بني البشر بعدالة فائقة، يشكّل مورداً نادرا ً، لأنه اذا ما تمّ هدره فإنه لا يمكن استرداده من جديد.. كما يستفاد منه أن إدارة الوقت تشكّل عنصراً حاسماً في تحقيق النجاح أو الوقوع في الفشل، لأن الذين لا يحسنون إدارة وقتهم بفاعلية، لا يستطيعون أن يديروا أي شيء آخر. ان الاستثمار الصحيح للوقت والتحكـّم فيه يرفع من درجة الفاعلية ويعزز الانتاجية، اما الاخفاق في ذلك فيجعلهم عبيداً للوقت يتحكم بهم كيف يشاء، والفرق بين الحالتين كبير. قال أحد الباحثين: " إن قتل الوقت لا يعدّ جريمة عادية، انه اغتيال متعمّـد.. فإذا كان لزاماً على المرء أن يقتل الوقت فلماذا لا يقتله استغلالاً واستثماراً حتى الموت ؟!". إن الكتب المتخصصة بعلم إدارة الوقت تحفل بوصفات عديدة لتوفير الوقت واستثماره بفعالية، وتؤكّد جميعها على ضرورة تحديد الأهداف، وجدولة المهام حسب الأولوية، وتحديد الزمن التقريبي لإنجاز كل واحدة منها، وضرورة تفويض الآخرين بانجاز بعض الأعمال ضمن صلاحياتهم وتخصصاتهم، وتجنب عدم إكمال العمل الذي تمّ الشروع في إنجازه، واستغلال وقت ذروة الطاقة والنشاط في انجاز المهام ذات الأولوية، إضافة إلى ضرورة تخصيص وقت يومي كافٍ لعملية التخطيط لأنها الوسيلة الأساسية للسيطرة على الوقت. وإلى جانب ذلك، فإن الوصفات المتعلقة "بتجنّب تبديد الوقت وهدره" تهدف هي الأخرى إلى توفير الوقت واستثماره بفعالية بما يخدم المزيد من الانتاجية في جميع المجالات. يقول "جون هوو": (يا لها من حماقة أن تخشى ضياع حياتك، دون أن تشعر بشيء تجاه تبديد دقائقهـــــا وساعاتها !). وتؤكد هذه الوصفات على ضرورة تقليل الزيارات غير المتوقعة من الآخرين، وتجنب المحادثات التي تشتت الانتباه، وتقليل المقاطعات ما أمكن، وإضفاء صفة رسمية على أساليب العمل، وتنظيم الاجتماعات وتحديد مواعيدها بحيث تكون أقلّ ما يمكن حيث إنها أكثر عوامل تبديد الوقت أهميّة. يتضّح من ذلك كلّه، أن للفاعلية الأثر الأكبر في زيادة الإنتاجية وتعزيزها، وأنها ترتبط أساساً بثقافة الأفراد وأنماط تفكيرهم من جهة، وبالدور الذي تلعبه المؤسسات والهيئات المختلفة في ترسيخ مفاهيم الإنتاج وتعزيزه.. * صيدلاني وكاتب - الأردن 1/3/2005

|