|
تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003.. ملاحظات عامة |
|
|
|
محمد ياسين الأخرس
|
|
2006/ 04/ 29 |
|
صفحة 2 من 2 الاجتماع الإنساني مازالت صورته الشاملة غائبة، ولم تستطع الدراسات الإنسانية –قديمها وحديثها- تشكيل صورة معرفية شامله لـه. وباستمرار غياب صورة شاملة للاجتماع الإنساني تفتقد عملية إدارة هذا الاجتماع القدرة على تحديد الهدف منه (رسالة)، وبالتالي رسم استراتيجية إنسانية شاملة تستطيع أن تعطي العملية الاجتماعية زخماً وقوة جديدتين وتجنبها هدراً كبيراً في الطاقة والنشاط، وتمنحها السرعة المناسبة. وتشكيل هذا الواقع في إدارة الاجتماع الإنساني يحقق النقلة المطلوبة في العصر الحديث، وهي الانتقال من إنتاج مادة الحياة تعايشياً وبدون استراتيجية وتوجيه شامل، إلى حالة فهم التجربة الإنسانية ورسم خصائص دورها الكوني، وتحديد هدف هذه التجربة، ثم وضع برامج عملية شاملة للجنس الإنساني بطاقته الكاملة. الوطن العربي في تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 مازال يؤكد أن هذا الجزء من العالم لا ينمو بشكل مساو لنمو الجسد الإنساني الشامل المتشكل من توجه الجنس الإنساني إلى التوحد، وأن ضعف أرقام هذا النمو تعود إلى مجمل نواقص في عملة التنمية العربية، يحاول التقرير أن يضبط مظاهرها بالأرقام، وأن يصل إلى القراءة الملائمة لها للكشف عن مصدر هذا العيب في التنمية العربية. وهذا الرصد لمظاهر الضعف ولأسبابه، يأتي في سياق أن الوطن العربي بوضعه الحاضر يشكل هذه الأزمة الحياتية التي يرصدها التقرير، وأن كشف الأسباب يجب أن ينصب على المجتمع العربي، وأن استخراج الحلول يجب أن يكون مقتصراً على هذا المجتمع المنتج للتخلف. ورغم وجاهة هذا الموقف وأهميته في تشكيل برنامج شامل يزيل صفة التخلف عن المجتمع العربي، ويدفع به إلى أن يمتلك فعلاً إنسانياً ينتج نمواً اجتماعياً يطابق الأرقام المعتمدة عالمياً، إلا أنه موقف ناقص، ويشكل الاعتماد عليه –فقط- قصوراً في المعالجة، وهدراً كبيراً في الطاقة المبذولة لتجاوز هذا التخلف. إن المجتمع العربي هو مجتمع متخلف، وإن أرقام تنميته هي أرقام متدنية وضعيفة، وتشير إلى ضمور في هذا المجتمع يكاد يسمح لبعض القراءات المتشاءمة أن تدَّعي أن العرب لا يصلحون لممارسة الحياة المعاصرة. وهذا كله عيب في المجتمع العربي يجب على العرب أن يعوه، وأن يسعوا إلى التخلص منه ضمن خطط موضوعية على المستوى الإنساني، حتى يمكن أن ينمو بشكل مقبول، ويتكامل وجودهم مع الوجود العالمي. ولكن البحث عن أسباب نشوء هذا العيب في التاريخ المعاصر والحديث أمر ضروري وهام، ولكنه ليس كافياً، وحتى نستطيع أن نحدد مواد المعالجة اللازمة لتجاوز هذا التخلف يجب أن تشمل مراقبتنا قطاعاً كبيراً من تاريخ العرب، وبخاصة أن العالم العربي –جزءاً من العالم الإسلامي- هو الذي كان مدير حركة التاريخ في العصور الوسطى، وأنه ختم بدخوله منتصراً إلى القسطنطينية وإنهائه للإمبراطورية البيزنطية تلك العصور، وأعطى الإشارة –في مستوى حركة التاريخ- لبدء العصور الحديثة، ولهذا فهو وريث مرحلة مهمة تسنَّم فيها العالم الإسلامي /والذي يقع العالم العربي في قلبه/ قيادة حركة التاريخ وتحقيق مهامها المرحلية المطلوبة. ولهذا فإن الوصول إلى حالة الت خلف في العالم العربي في العصر الحديث هو أمر مستغلق على الفهم، ويحتاج إزالة الإبهام والغموض عنه إلى دراسات جادة، حتى يمكن أن نستكمل كل الظروف المحيطة بظاهرة التخلف المسيطرة على العالم العربي، وأن نضع برنامجاً شاملاً للتخلص منها. العصور الحديثة هي مرحلة جديدة في إنتاج التجربة الإنسانية لم يعد إنتاج مادة الحياة فيها يتم بالأدوات والآليات السابقة، ولم تعد الأهداف الماضية هي الأهداف التي يجب أن يحققها الاجتماع الإنساني في إنتاجه لمادة التجربة الإنسانية. وهذه المباينة بين أهداف المرحلة المعاصرة والأهداف السابقة التي حملتها المراحل الأسبق للتجربة الإنسانية، هو الأمر المعقول من خلال ما تنتجه هذه التجربة في العصور الحديثة. وهذا الاختلاف بين هدف هذه المرحلة وأدواتها وآلياتها، وبين أهداف المراحل السابقة وأدواتها وآلياتها هو جوهر هذا السر المستغلق، والذي أنتج صفة التقدم وملحقاتها وصفة التخلف وملحقاتها، وإن الكشف عن هذا التمايز بين طبيعة الحياة في العصور الحديثة، وبين الحياة في العصور السابقة عليها خطوة هامة لمعرفة أسباب ضعف الإنتاج التنموي العربي، رغم المكانة الكبيرة التي حازها العرب في العصور الوسطى. العصور الحديثة أنهت اعتبار أن عالم الفرد الداخلي هو ساحة النشاط الحياتي، وأن إنتاج عالم داخلي للإنسان هو الهدف الذي يجب أن يحققه الفعل الإنساني. وأكدت العصور الحديثة انتهاء هذه الساحة، وأن ساحة الفعل الإنساني يجب أن تغادر داخل الإنسان وتهتم بعلاقاته الخارجية؛ سواء في محور العلاقة مع الإنسان الآخر مهما كان لونه وثقافته ونمط حياته، أو في محور العلاقة مع الطبيعة. ساحة الفعل الإنساني انتقلت –تدريجياً- من داخل الإنسان إلى خارجه، وسعت إلى بناء علاقة إنسانية بين كافة أفراده، وأخذت تغيَّر في مظاهر الطبيعة محققة الكشف عن عقل المادة الجامدة، ومطلقة مظاهر تشكل جديد لهذه المادة ستظهر في خصائص البيئة والتكنولوجيا. وخصائص ساحة الفعل الإنساني في هذه المرحلة هي خصائص مخالفة لخصائصه في المراحل السابقة، والتي كان داخل الإنسان وعالمه الجواني هو ساحة الفعل الإنساني، والتي سعى فيها الفعل الإنساني إلى إكمال إنتاج الإنسان الفرد بشكل يسمح بأن ينطلق إلى خارج ذاته، ليشكل جنساً إنسانياً موحداً، وليخلق بيئة ترث الطبيعة، ولينتج ظهورات جديدة للمادة الجامدة ضمن هذا الغنى التكنولوجي المشاهد. غرب العالم هو الذي أنتج هذه المحطة من التجربة الإنسانية، بعد إنهاء المسلمين لمناخات العصور الوسطى، وتحقيق اكتمال العمل على ساحة أهداف تلك العصور. وقد خاضت أوروبا الغربية تجربة متميزة أدت إلى نشوء هذا الجو الجديد للفعل الإنساني، وقد تحدد لـه هدف جديد (توحيد الجنس الإنساني كاملاً عن طريق العمل وإنتاج البيئة وإطلاق التكنولوجيا)، وسعت أوروبا الغربية لإنجازه ونشره هدفاً للفعل الإنساني في الأرض كلها، واستجابت أصقاع الأرض لهذا الهدف الجديد بأشكال متباينة، وكانت استجابة العالم الإسلامي والوطن العربي بهذا الشكل الذي تكشفه أرقام تقارير التنمية الإنسانية، وهي استجابة ترتكز إلى أن هذا العالم مازال ينتج الفعل الإنساني في ساحة العصور الوسطى، وأنه لم يكتشف –بعد- هذه المغايرة بين هدف التجربة الإنسانية المعاصر، وبين هدفها حين كان العالم الإسلامي يقود حركة التاريخ. وتوضح هذه الرؤية كل خصائص الارتباك الذي يعيشه الإنسان العربي المعاصر، وهذا التشوش في فعله، وهذا المردود السيء الذي تصل إليه عملية التنمية التي يديرها. وذلك لأنه مازال يعتقد أن الحياة المعاصرة هي الحياة ذاتها التي عاشها أجداده حين كا نوا قادة حركة التاريخ، وأن التمسك بأهدافهم وأدواتهم وآلياتهم هو الطريق للعودة مرة ثانية إلى تزعم العالم وإدارة الاجتماع الإنساني. لا يشي فعل الإنسان العربي المعاصر أنه قد أدرك أهداف العصور الحديثة، وأنه قد تحقق أنها أهداف التجربة الإنسانية، وأنه يجب التيقن من هذه الأهداف وامتلاك أدواتها وآلياتها، حتى يمكن الاندماج في الجسد الإنساني الذاهب إلى التوحد، لكي يعيش هذا المجتمع قيم العصر، وينمو بمعدلات متطابقة مع المعدلات العالمية. الاجتماع الإنساني المعاصر ورث من المراحل السابقة إنساناً كاملاً في مستوى الفرد، تحققت في داخله مجمل صفات سمحت لـه أن يمتلك إرادة حرة، وأن يقوم بتوجيه حياته في طريق إنتاج مستوى من الحياة في خارج الفرد. ولهذا لم يعد من المعقول أن يقف هذا الاجتماع عند عالم الإنسان الداخلي، وأن يسعى إلى تعزيز بنائه الداخلي، وذلك لأن هذا العالم قد اكتمل بناؤه وقد تعزز. ومن هنا انطلقت العملية الحياتية في العصور الحديثة مستفيدة من تحقق هدف المراحل السابقة ومن كل إنجازاتها، لتسعى إلى تحقيق هدفها الجديد، والذي لم يكن معروفاً في المراحل السابقة. ولهذا أخذ الاجتماع الإنساني في المرحلة المعاصرة الاستفادة من كل خصائص الإيمان الذي حفل به عالم الإنسان الداخلي، والتي تحققت في المراحل السابقة، ومن هذا السلام الذي أخذ يشيع بين الأفراد خلال تشكيلهم لمجتمعاتهم. وأخذ الاجتماع الإنساني في العصور الحديثة يسعى إلى إحلال قيم العمل الخارجية وريثة لقيم الإيمان والسلام المتحقق داخلياً، ومن ثم توحيد الجنس الإنساني بكامله، وتغيير الطبيعة لتصبح بيئة مناسبة، وإنتاج كل التكنولوجيا اللازمة للوصل بين أجزائه. العالم العربي أصبح جزءاً من هذا العالم، الذي حقق أول مستوى لتوحده في صيغة المجتمع الدولي، وشكَّل العالم العربي دولاً حديثة امتلكت كل واحدة منها استقلالها وسيادتها، وساهمت من خلال فعلها في تنضيج المجتمع الدولي وتقدمه. وحين أطلقت حركة التاريخ هدفها المرحلي للقرن الحادي والعشرين، وهو تحقيق هذا التوحد للوصول إلى مستوى إنتاج حضارة إنسانية واحدة تصطف على ساحتها ثقافات الإنسانية كلها، كانت أنماط الفعل الإنساني في العالم العربي غير قادرة على العمل في الساحة الجديدة، وإطلاق طاقة فعل يحقق نمواً وزيادة مساوٍ لأرقام التنمية العالمية كما تكشف تقارير التنمية العالمية. وذلك لأن الإنسان العربي مازال يحتفي بعالمه الداخلي ويهتم به، ويجعل كل إطلاق لفعله الخارجي ماراً حسب معايير الداخل، وهذا ما أقام هذه العلاقة المرتبكة بين الذاتي والموضوعي، وجعل التخلف هو الحالة السائدة في المجتمع العربي. الإنسان العربي مازال يتعامل مع إنتاج الفعل الإنساني حسب قيم فرديته، وهي قيم معيقة ومانعة من التقدم في عصر أخذ يؤكد على أن ساحة العمل هي الساحة الموضوعية خارج الإنسان، وأن قيم هذه الساحة ومحدداتها هي الضابطة لجودة هذا العمل ولملائمته للعصر. ولهذا فإن العمل في ساحة الفردية هو مناقض للعمل في ساحة المؤسسة، وإن التمايز بين المستويين يجعل العمل الفردي عملاً غير ناجع، بل ومدمراً لقيم الفعل الإنساني التي ثبتتها العصور الحديثة. الفرد ينشئ فعله بإرادته، وهذه الإرادة ذاتية في جوهرها، ترتكز على رضا الفرد وخصائص هذا الرضا. والمؤسسة هي إطار تنظيمي فوق فردي، يتغير فيه ظهور عمل الإنسان، ويصبح –رغم وحدة صدوره من الفرد- عملاً جديداً كل الجدة، ومخالفاً للعمل الإنساني في صيغته الفردية. والمجتمع العربي –قصوراً منه عن إدراك الأسباب الحتمية لوجوب الانتقال إلى المؤسسة- قد أخذ في تشكله في صيغ الدولة الحديثة يتأطر في المؤسسة، ولكنه ينتج فعله في صيغ العمل الفردي، فينتج هذا التناقض بين هذين المستويين، ويظهر بهذا المستوى الضعيف من إنتاج الحياة، ويضع نفسه في موقع متخلف عن مواقع أجزاء الجنس الإنساني الذاهب إلى التوحد. الإنسان العربي المعاصر هو وريث أجداد قادوا حركة التاريخ منتجة التجربة الإنسانية في العصور الوسطى، وقدم أجداده مستوى من العمل الإنساني اعتبر الذروة في أنماط إنتاج الفعل الإنساني في تلك المرحلة. ولهذا فالإنسان العربي قادر -بحكم مستوى إنتاجه للفعل الجيد القديم- أن يدخل ساحة إنتاج الفعل الإنساني بقيم المعاصرة والحداثة، وأن يساهم فيها إيجابياً، هذا إن قيض لـه أن يعي هذا الفرق بين إنتاج الحياة في العصور الوسطى، وبين إنتاج الحياة في العصر الحديث.20+ 21/11/2004
|