|
تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003.. ملاحظات عامة |
|
|
|
محمد ياسين الأخرس
|
|
2006-04-29 |
|
صفحة 1 من 2
لابد لي أن أعلن ابتداءً عن تقديري وإعجابي بأحد محاور العمل الذي ينشئه الدكتور محمد سعيد الحلبي، وذلك حين يقوم –منفرداً- بالتصدي لإحصائيات التقارير الدولية والمحلية، ومحاولة تقديمها للقارئ العربي السوري، والتعليق عليها في سياق قراءة خاصة تبقي لها خاصية موضوعيتها، وتجنبها أن تكون أداة استفزاز وإثارة غير منضبطة في ساحة تشكيل الحدث السوري الراهن، حين ينكب المثقفون والسياسيون في محاولة تقديم قراءات لهذا الواقع، وتحديد معيار لـه، والبحث في الأسباب والعلل، ومن ثم تقديم الحلول. والواقع السياسي المعاصر في مطالع القرن الحادي والعشرين يختلف بشكل أساس عن الواقع السياسي بعيد مرحلة الاستقلال، الذي حصلت عليه الجمهورية العربية السورية بفضل نضال أبنائها وتضحياتهم جميعاً، فأدبيات مرحلة ما بعد الاستقلال تكشف –بشكل غير ملتبس- أن الفعل الذي كان يصنع الحدث السياسي وتوابعه، إنما يقوم على أساس أن الواقع هو واقع ذاتي، يتشكل في داخل الفرد والجماعة وتعبَّر عنه ثقافاتها. وقد اقتضت الذاتية الطاغية للواقع، وحالة التبرعم للظهور الموضوعي للواقع، أن تكون العقائد والإيمان (الآيديولوجية) هي الأداة الضرورية للن زول إلى ساحة تشكيل الحدث السياسي، الذي كان يبرز كمظهر وحيد لظهور اهتمام الفرد بالهم العام، سواء كان وطنياً أو قومياً. ومن هنا فقد تشكلت –نتيجة بنية الواقع الذاتية بعيد الاستقلال- معايير جودة خاصة لتقييم الواقع، حددت البنية الشخصية للأفراد الذين يمكن لهم أن يشاركوا في صنع الحدث، وتحديد المخطئ من المصيب والجيد من الخبيث. وقد استمرت سيادة هذه المعايير حتى نهاية القرن الماضي، رغم ما تعرضت لـه من ضغوط الواقع الموضوعي، الذي كانت تزداد مساحته في دائرة تشكيل الحدث.
إن الهم العام على ساحة الوطن مع مطالع القرن الحادي والعشرين أخذ يشهد ضغطاً شديداً على هذه المعايير، التي ضبطت بنية شخصية النازلين في ساحة تشكيل الحدث الوطني، وبالتالي بنية معايير التقييم على كافة المحاور، وذلك بسبب مزاحمة موضوعية الواقع السوري لذاتيته، والتي استتبعت احتدام صراع شديد على استقرار آلية إنتاج المعرفة على ساحة الوطن. فالمواطن السوري الذي يريد أن يشتغل في ساحة الهم العام للوطن أصبح يجد أن هناك مادة واقعية موضوعية يمكن التعرض لها، وهي منفصلة انفصالاً تاماً عن ذاتيته ومشكلات هذه الذاتية الآيديولوجية القائمة على الاعتقاد والإيمان، ولهذا لم يعد يجد أن إيمانه واعتقاده –مهما كانت مادته- هو العنصر الضروري والوحيد الذي يجب أن يكون أداته للاشتغال بالواقع، بل أخذ يجد أن هناك مادة معرفية تتعلق بالواقع الموضوعي يجب أن يمتلكها، وأنه لم يعد من الممكن أن تكون الآيديولوجية مصدر إنتاجها. ومن هنا فقد أخذت ساحة الوطن تشهد أعداداً متزايدة من المشتغلين بالهم العام، لم يعد معيار مشاركتهم قائماً على نوع آيديولوجيتهم وطبيعتها ومدى عمقها، وهذا هو مصدر ما نشهده الآن من محاولات تعديل لعلاقة حزب البعث بالدولة والمجتمع السوري. إن الاختلاف بين خصائص الذاتية في النظر إلى نشوء الحدث الإنساني والمشاركة في صنعه، وبين خصائص الموضوعية، هو فرق واضح الاختلاف، ولعل هذا التباين بين هذين الموقفين من الواقع الحياتي، يمكن أن يكون أحد الأسس المركزية لهذا الفارق بين مستويات الحياة والتنمية في المجتمعات المتقدمة، وبين مستوى التنمية على ساحة العالم الإسلامي والعالم العربي ومنه وطننا الغالي سورية. وبذلك يمكن أن نصل إلى كشَّاف هادٍ لنا يدلنا على مسارب الطريق ومنعطفاته الذي يجب أن نسير فيه، حتى تصبح مشاركتنا في إنتاج الحدث العالمي من خلال إنتاج تنمية محلية بمعايير إيجابية. وذلك لأن اتجاه المجتمع الدولي المعاصر الذي ورثناه من القرن الماضي في البدء، يسعى إلى إنتاج حضارة إنسانية واحدة ذات ثقافات متعددة تحت شعار العولمة، الذي يضم أدوات إنتاج الحياة على كافة محاورها؛ سواء في ساحة المعرفة، أو في ساحة التنظيم، أو في ساحة الاقتصاد، وقد أخذ يؤكد على أنه لم يعد من المقبول وجود تباين في أشكال إنتاج الحضارة (شكل الحياة المتداول)، ولا في مستويات نموه التي تطلقها المجتمعات الذاهبة إلى التوحد الشامل، وذلك في محاولة الدخول إلى ساحة ال تعاون والتكامل في إنتاج جسد إنساني واحد، يضم الجنس الإنساني كله مع أشكال ظهور التكنولوجيا، ومظاهر البنية التي سترث الطبيعة العجماء، التي رافقت الإنسان حين كان فرداً، في إطار تنظيمي مبتدع جديد لم يشهده الكون (السموات والأرض) قبل وجود التجربة الإنسانية. في هذا السياق ينكشف تراجع دور الآيديولوجية القائمة على الموقف الذاتي للفرد والجماعة في إنتاج الفعل المطلوب، الذي يدخل متكاملاً ومشاركاً في إنتاج الحدث العالمي، وأن هذا الموقف الذاتي يتحول مع مرور أيام وسنوات القرن الحادي والعشرين إلى معيق أمام تحقق أهداف القرن. ومن هنا ينكشف لنا جوهر التصادم القائم بين التيار العالمي وبين مواقفنا، والذي يتجلى في الصراع في أفغانستان والعراق وفلسطين. وسبب هذه الدعوات التي تطلقها القوى المديرة للحدث العالمي، عن الحاجة الملحة إلى إيجاد تغيير في بنية منطقتنا، ووجوب صياغتها صياغة جديدة تحت مسميات جديدة. قيام هذه الصراعات، ومعها هذه الدعوة التي تطلب أن ينطلق فعلنا في سياق تشكيل شرق أوسط كبير من عالم إسلامي وعربي، لا يعني –بالضرورة- التسليم لقوى الصهر العالمية فيما تطلبه، والانسياق وراءها في كل ما تعرضه، لأننا بذلك نكون قد انتقلنا إلى موقف ذاتي جديد أساسه الاستسلام والخضوع والخنوع، بديلاً عن موقف ذاتي قديم أساسه الإحساس بالعزة، وركيزته النضال والمقاومة. إن واقع العالم العربي –ومنه وطننا الغالي سورية- ضمن جداول تقارير التنمية التي تصدرها المنظمات الدولية، يدفعنا -بشكل أولي وملح- لأن نقوم بتحديد موقف من إنتاج عملية الحياة، والقيام بترتيب أدوات هذا الإنتاج. وأن نقوم -تبعاً لذلك- بتقييم ما ننتجه في مطالع القرن الحادي والعشرين، لنحدد تالياً الأدوات غير الصالحة التي نستخدمها، والآليات السلبية التي نمارسها، والتي تعيق أن يكون إنتاجنا للحياة بمعايير العصر. إن الإنسان في المنطقة العربية يحقق وجود الحياة الإنسانية واستمرارها في معيار الفرد، وضمن كل أدوات وآليات هذه الخاصية الفردية، ولكن هذا الإنتاج للحياة الإنسانية، ومستوى استمرارها، والأدوات والآليات المنتجة لها، أصبحت موضع نقد وهجوم م ن المستوى العالمي. ولم يعد من الممكن أن نتجاهل خصائص موقفنا، ولا طبيعة ما يجب أن يصير إليه هذا الموقف، وكذلك طبيعة العناصر التي يجب أن نحوزها حتى نستطيع أن ننتج الحياة بمعايير الجودة الشاملة. يفاجئنا الآخر وهو المستوى العالمي الناقد لنا، خلال تعرضه لنمط حياتنا، ومستوى التنمية الذي يزداد فيه تقدمنا، في أنه يرجع هذا الضمور /الذي يشهده المجتمع العربي، والذي يدفع به إلى خارج ساحة المشاركة في إنتاج الوجود العالمي/ إلى ثلاث عناصر، وهذه العناصر الثلاثة هي (نقص المعرفة، ونقص الحرية، ونقص تمكين المرأة) "تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003، إعداد الدكتور محمد سعيد الحلبي". وهذه العناصر الثلاثة قد رتبت –رغم تداخلها كعناصر يرتكز إليها ظهور المنتج الحياتي- حسب أهميتها. فنقص المعرفة هو في المقام الأول، يليه نقص الحرية، ثم نقص تمكين المرأة. وفي محاولة الكشف عن معيار هذا الترتيب في إنتاج سلم الأهمية، نجد أن القرن الحادي والعشرين أخذ يبرز -وبشكل لا يقبل المنازعة- أن الفعل الإنساني هو فعل معرفي ابتداءً، وأن آليات تشكيل المعرفة وإنتاجها بما يلبي متطلبات العصر هي المحور المركزي الذي ينجدل حوله الفعل الإنساني، الذي يخلَّق التجربة الإنسانية كحدث جديد على ساحة الكون. ويأتي الإلحاح على الحرية بسبب أنها المناخ الذي يسمح للفعل الإنساني أن يتحول إلى فعل مبدع، وأن يتخلص من الجمود والتك رارية. ثم يظهر دور المرأة كعنصر جديد في إنتاج التجربة الإنسانية، في ساحة لم تكن المرأة تساهم في العمل بها حين كانت مفرَّغة إلى إنتاج الجنس الإنساني كمادة حية ضمن مواصفات معينة، تلبي حاجة التجربة الإنسانية في مراحلها السابقة. إنتاج المعرفة هو العنصر الأول والأهم في إنتاج الفعل الإنساني ضمن مواصفاته العالمية في مطالع القرن الحادي والعشرين، وستزداد أهمية هذا العنصر مع مرور سنوات وعقود هذا القرن، وذلك بسبب طبيعة المهام التي يحملها هذا القرن ويجب عليه إنتاجها. فهذا القرن هو مقدمة الألفية الثالثة السعيدة، وهي ألفية ستتم إنتاج التجربة الإنسانية بكل عناصرها، وتكمل تخليق متجسد كوني جديد يتشكل من موجود كوني فوق فردي، يجمع المادة الحية والمادة الجامدة في سياق توجيه المادة الحية. وضمن هذه المهمة، فإن هذا القرن يحاول أن يحقق مستوى جديداً من التوحد الإنساني أعمق من المستوى الذي أنتجه القرن العشرون، والذي ظهر في توحيد سكان الأرض جميعاً في مستوى المجتمع الدولي من خلال إدارة حياتهم ضمن نموذج الدولة الحديثة، التي أنتجتها النهضة الإنسانية التي تحققت في غرب الأرض مع مطالع العصر الحديث. وإن إشاعة نموذج الدولة الحديثة كآلية حكم للمجتمعات قد سمح بتشكيل المجتمع الدولي وإداراته المتمثلة بمنظمة الأمم المتحدة لأول مرة في تاريخ الإنسان، وبذلك تكون الإنسانية قد حققت أول خطوة في وجود هدفها، وهو إنتاج جنس إنساني موحد. إن القرن الحادي والعشرين والذي ارتكز على نجاح القرن العشرين في تحقيق هدفه التاريخي، وهو إنشاء المجتمع الدولي والحفاظ عليه، قد انتقل إلى السير في تنمية التوحد الإنساني عن طريق إنشاء خطوة جديدة، وذلك بتحقيق إنتاج حضارة إنسانية واحدة تنهي تشكل الحضارات المتنوع والمتتالي عبر زمن حركة التاريخ. وإن تشكل حضارة واحدة اقتضى –عملياً- الحفاظ على كل الثقافات التي أنتجتها الإنسانية عبر سيرورتها في زمن حركة التاريخ، وأن يكون لكل ثقافة منها حق الوجود والتعبير والحوار. وهذا النجاح في تخليق توحد المجتمع الدولي في إدارة واحدة "هيئة الأمم المتحدة"، قد جعل عملية إدارة الحدث العالمي الساعي إلى إيجاد حضارة إنسانية واحدة يتم حسب دراسات مسبقة وبرامج ومخططات، وهذا كله سمة من سمات مرحلة المؤسسة (فريق العمل) وريثة الفرد. فمرحلة الفرد قد مرت بفترتين اثنتين كانت أولاهما تدفع الحدث الفردي بدون أي تخطيط أو إرادة، وقد انتهت إلى الفترة الثانية التي أصبحت فيها إرادة الفرد هي التي تدير العمل الإنساني. وحين انطلقت التجربة الإنسانية إلى مرحلة المؤسسة مؤشرة لاستقرار الواقع الموضوعي وأثره في إنتاج التفكير وطرائق إ دارة الحدث، بدا بشكل واضح أثر المعلومات وكل المواد الإخبارية التي يفرزها الواقع وعلاقاته في تشكيل الموقف الإنساني من الحدث، ومن هنا احتلت المعرفة مكانها الأسمى في سلم ترتيب أهميات العصر، وأصبح هذا العصر هو عصر المعلوماتية. التوهم بأن المقصود بالمعرفة هو العلم التجريبي ومكتشفاته يحرف التعامل مع وقائع العصر عن محوره الصحيح، ويدفع المجتمع العربي -ومنه السوري- إلى أنماط استهلاكية تزيد من ضعفه وتراجعه (وهذا ما يكشفه واقع سير حياتنا في ظل هذا الوهم)، ويجعل الآخر يزداد عملقة ويزيد من تقزمنا. إن المقصود بالمعرفة هو الانتقال إلى إحلال المادة المعلوماتية المتحددة بالعملية التفكيرية المكان الأول، وجعل محرضات الفعل متطابقة تماماً مع جزئيات الواقع الموضوعي وليس مع خصائص الموقف الذاتي، وبهذا تصبح المعلوماتية والحصول على المعلومة والخبر هما ديدن فعلنا، وهذا كله سيكون مساهماً كبيراً في تشكيل برامجنا لاستيعاب هذه المعرفة الموضوعية والتعامل معها، لتكون مساهمتنا في إنتاج الحدث العالمي إيجابية وضمن النسب المطلوبة. لا يمكن لحركة المعرفة أن تتم إذا وقف في وجهها عوائق تمنعها من الانتقال بدون قيد. وهذا الجو المطلوب لحركة المعرفة يقتضي من الأفراد أن يجانبوا مواقفهم الذاتية، لتتحول إلى مواقف معينة على سرعة حركة المعرفة، وتخلص من كون هذه الذاتية عوائق لسيرورة الحركة بالسرعة المطلوبة. وهذه الخطوة هي خطوة واعية يقوم بها المجتمع بشكل إرادي، ويسعى إلى إيجاد معيار فوق ذاتي يربط أفراده بعضهم ببعض بروابط فوق ذاتية. وهذا الترابط المطلوب الذي يخلو من عوائق حركة المعرفة، هو الجو الحر الذي يؤكد تقرير التنمية الإنسانية عليه ركناً ثانياً، ويعتبره هو المشكَّل المناخي لوجود المعرفة مادة صنع هذا العصر. إن الحرية كمناخ لحركة الاجتماع الإنساني في هذا العصر، قد تحققت بفضل التجربة التي أنتجتها النهضة الإنسانية في الغرب ثم حملتها رسالة إلى العالم. وقد استقرت الحرية في مستوى الدول، فحظيت دول العالم قاطبة في القرن الماضي باستقلالها وسيادتها. وهذا المستوى من انتشار الحرية على مستوى الكيان السياسي (الدول)، قد أخذ في هذا القرن بالانتقال إلى مستوى العلاقة داخل المجتمع، فمن هنا أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية إلى ن قص الحرية كأحد معوقات أن تكون التنمية في هذا المجتمع مطابقة لمستوياتها العالمية. وهذا النقص اقتضى هذا الكشف عن مكمن افتقاد الحرية وأن سببها هو وجود خصائص الذاتية عقبات أمام سيرورة وانتقال المعرفة والمعلومات. أصبح تمكين المرأة من المساهمة في إنتاج الواقع الموضوعي في مختلف مناحيه سمة الاجتماع الإنساني منذ نهايات القرن الماضي، فالعملية الاجتماعية أصبحت تتغذى من جهد الرجل والمرأة في دفع عجلة الحياة، والكشف عن كل مخبوءاتها دون أي تفريق بينهما. وقد دفع إلى هذا الموقف /من مساواة المرأة بالرجل في حق العمل في كل مناحي الحياة/ عدم قدرة الرجل على تلبية سوق إنتاج الحياة المعاصرة. وذلك لأن جهد الإنسان في القرون الثلاثة الأخيرة قد أخذ يشهد تغيراً نوعياً، فأهدافه لم تعد هي الأهداف القديمة والتي قامت على تكاثر الجنس الإنساني عن طريق التناسل، والعمل في ساحة الإنسان بتربية شخصيته الذاتية، مع بقاء خارجه ثابتاً على ما هو عليه. بل إن أهداف العصور الحديثة قد بنت على كل نجاحات العصور السابقة المصاغة في داخل الإنسان، وانطلقت الآن إلى صياغة جنس إنساني واحد دون أي تفريق بين أفراده، وإلى الكشف عن عقل المادة الجامدة عن طريق العلم التجريبي، وإطلاق ظهورات جديدة لها عن طريق التكنولوجيا. إن هذه الأهداف الجديدة لحركة الاجتماع الإنساني والتي انطلقت مع النهضة الإنسانية في الغرب، لا يمكن أبداً أن تتحقق بتقسيم العمل القديم الذي يقصر عمل المرأة على الإنجاب وعمل المنزل، ويطلق عمل الرجل في سبيل تأمين رزق الأسرة. إن هذا التقسيم قد انتهى بحكم ما تراكم من فائض عمل الإنسانية مشكلاً خصائص الواقع الموضوعي المعاصر، وهذا ما فرض توحيد المرأة والرجل حسب العمل، وجعل مهامهما واحدة، وأنهى هذا الفصل التخصصي القديم الذي تم اكتسابه خلال مراحل حركة التاريخ السابقة. إن تجاوز نقص إنتاج التنمية الإنسانية في المجتمع العربي، يقتضي التخلص من نقص الحيَّز الذي تشغله المعرفة في إنتاج الاجتماع المعاصر، وتهيئة أجواء الحرية التي تسمح لهذه المعرفة بالحركة، والإلحاح على دخول المرأة إلى مناخات العمل المعاصر طريقاً لحمل مسؤوليات مساوية لمسؤوليات الرجل في إنتاج الاجتماع الإنساني. وتدارك هذا النقص المركزي على هذه المحاور الثلاثة، هو الذي ينهي ضعف أرقام التنمية في المجتمع العربي، ويقيم علاقة جديدة بين مستوى الموضوعية الحاكم لعملية تخليق التجربة الإنسانية المعاصرة وبين خصائص الذاتية العربية ومرتكزاتها بشكل يبرز المنطقة بلونها المطلوب، كي تصبح مساهمتها في إنتاج التجربة الإنسانية ضمن المعايير العالمية، وباللون الثقافي العربي بكل تشكيلات طيفه التاريخية.
|