|
بائع الغاز والموسيقى.. ودعوة لتنشيط السياحة |
|
|
|
د. فيكتوريا فائز سعود
|
|
2006-04-29 |
خاص: "نساء سورية"سنوات تمر وجرار الغاز تجوب الشوارع والطرقات.. وفتى يجلس بينها يطرقها بلا رحمة، فينبعث صوت نشاز مرعب وقاتل يستبيح الزمن الساكت، القيلولة والنوم والتأمل والكتابة وسماع اللحن الجميل. ذات صباح وأنا أحتسي فنجان القهوة وأداعب أوراق الحبق تناهى إلى مسمعي نغم عذب يذوب مع نسيم الصباح العليل فيعطر الأجواء ويبعث في النفس الحب والتفاؤل. شنفت أذني عليّ أستجلي الخبر وأستوضح ما التبس من أمر.. أخذت الموسيقى تقترب شيئاً فشيئاً، فإذا بجوقة رحبانية تجول في المدينة تحملك على أجنحتها الشفافة إلى عالم من الذكريات الغالي.. إلى طفولة بعيدة وشباب خجول يلملم بقاياه ويؤذن بالرحيل. مات صوت المطرقة، وعادت فيروز إلى الأجواء تغني بصوتها المخملي أجمل الألحان، عن الحب والضيعة والوطن والطفولة. هذي الطفولة التي أراد الرحابنة لو مشى الزمان ونسينا عندها وكبر الناس وظل العاشقان مختبئين وراء الأعمار (إذا هني كبروا نحنا بقينا صغار)... أصبحت أدمن الجلوس على الشرفة وأراقب بشغف قدوم بائع الغاز الذي يهدينا مع الصباحات الندية موسيقى خالدة غناها صوت ملائكي عصي على التقليد. أجواء طرطوس تغرق صباح مساء بأغاني الحب الصافي بكرم العلالي وجايبلي سلام وحنا السكران ونحنا والقمر جيران وغيرها مما أبدعه الرحابنة وجادت به حنجرة فيروز التي تشبه أنفاس الصباح العطرة والتي تدخل عالمك بلا استئذان لتشرف على خلق السلام والراحة فيه فتعرف كيف تحب وكيف تتواصل. ثم تتدرج الألحان إلى موسيقى أكثر عالمية وشهرة إلى بيتهوفن ورائعته (لأجل إليز). في البداية لم يصدق بائع الغاز أن الموسيقى وحدها كافية للإعلان عن قدومه فكان يطلب من فتاه أن يضرب على الجرار في الوقت الذي تطلق فيه آلة التسجيل ألحانها الرحبانية. هل يفهم هؤلاء البسطاء دروس بافلوف؟.. لقد حاول إقناعنا أن هذه الموسيقى الفيروزية حلت نهائياً محل الطرق على الجرار.. ثم مع الأيام غابت المطرقة وتبوأ الفتى مكانه قرب السائق.. أجل لقد اكتملت دارة المنعكس الشرطي. كم كان بسيطاً وغير مكلف هذا الإجراء! وكم كانت نتائجه رائعة! مثله مثل السلوك المهذب لا يكلف المرء شيئاً ويبتاع له كل شيء. والمدن تستهوي ساكنيها وتجذب السواح إليها بألف وسيلة ووسيلة. أليست الموسيقى لغة عالمية يجمع على حبها كل الناس؟ دعونا نرسم معالم سياحتنا بمثل هذا الإجراء كتحريم رمي القمامة في غير مكانها وزمانها وتطهير مجاري الأنهار وجعلها نظيفة كما كانت منذ عقود.عندها تنساب المياه بسهولة إلى البحر مهما علا منسوبها ولن تفيض على الجوار ولن تلحق الأذى بالمنازل والمدارس والساحات. الحضارة سلوك بسيط لكنه مدروس وواع ومسؤول. ما الذي يمنعنا ونحن نعوم على بحر من الآثار من أن نتبوأ مكانة مرموقة بين الأمم في عالم السياحة وتكون للصناعة السياحية دور كبير في إغناء البلد ورفع مستواه الاقتصادي والمعاشي؟ ذات يوم كنا في زيارة ميدانية لحضور بعض المشاريع في المنهج الصحي المدرسي.. كانت زيارتنا مفاجئة لبعض المدارس في الجبال العالية وكم كانت دهشتي كبيرة عندما دخلت دورة المياه دون أن ينتابني إحساس بالغثيان. تأكد لي فيما بعد أن المدير يشرف على نظافة هذا المرفق الحساس بنفسه وقد يشتري المعقمات من جيبه. أجل إن مدير مدرسة الجرينات النائية يفهم جيداً روح ومغزى المنهج الصحي.. النظافة سلوك مسؤول وواع ويعبر عن درجة الارتقاء في سلم الحضارة.إنه جزء أساسي وهام من مفهوم الصناعة السياحية. عرجنا على حصن سليمان القريب والتقطنا بعض الصور التذكارية في صحن معبده فكرت ملياً بالسر الذي أغرى أجدادنا الفينيقيين لبناء معبد في هذا المكان المرتفع وأية صخور عملاقة جشموا أنفسهم عناء نقلها ويا لجمال هذه القناطر والزخارف والتماثيل؟ هل منحهم علوّ المكان والهدوء والخضرة والهواء العليل ذاك الصفاء الروحاني لتقديم طقوسهم إلى الآلهة ثم الاهتداء فيما بعد إلى وحدانية الخالق؟.. ولكن حصن سليمان مع عظمة بنائه ومعبده وتماثيله وصخوره الفريدة والمياه التي تنبثق من تحت قدميه لا يملك من مقومات السياحة شيئاً. أجل لا شيء أُعِد للسائح ولا للزائر القريب! فعساك تقبل اعتذارنا أيها الإله زيوس! أليس بمقدورنا أن نولي هذا المعلم السياحي أهمية كبيرة فنبدأ بحملات الكشف والترميم التي تحتاج إلى وقت ومال وخبرة. ونشيد فندقاً ومكتبة وشاليهات منتثرة بين أحضان القطلب والسنديان وأجفان الشيح والعوسج والبيلسان، حيث الهواء النقي المفعم بالأكسجين ينشط التنفس ويطرح السموم من الدم فيبعث الحيوية ويزيد القوى الدفاعية فتنزاح الهموم وتبتعد أشباح الشيخوخة فيطول العمر؟! أخيراً إنني أدعو، ونحن نعيش في بلاد حارة ينحبس فيها المطر أشهراً طويلة، إلى ترويج ثقافة الشجرة وحب الزهور كجزء من الصناعة السياحية بمسابقات سنوية لاختيار أجمل حديقة مدرسة وأحلى حديقة بيت وأفضل شارع مشجر بسلوك بسيط وغير مكلف يشبه الإعلان عن جرار الغاز بصوت فيروز وموسيقى الرحابنة. د. فكتوريا فائز سعود- الصحة المدرسية- طرطوس 21/5/2005 |