|
ماجدولين الرفاعي
|
|
2006-04-29 |
خاص: "نساء سورية"حين أُعلن عن زواجنا كانت الفرحة اكبر من طاقتي على الفرح فأخيراً سيجمعنا معاً بيت واحد. سعيدة جداً بالارتباط به فهو شابٌ مثقفٌ مهذبٌ لاشيء يعيبهُ مطلقاً يعمل كمراسل تلفزيوني لمحطةٍ إخباريةٍ معروفةٍ.. عمله كان مصدر سعادتي فقد كنتُ اعتزُ به أثناء الخطوبة وأنا أرى نظرات أهلي المُحبة حين يظهر على شاشة التلفاز يغطي حدثاً أو مؤتمراً أو يرسل رسالة إخبارية من مكان ما. وصراحة، بعد زواجنا، أكثر ما كان يزعجني, سفره الدائم عن البيت فقد كنت متعلقة به بشكل كبير فهو مرح جداً حين يصل البيت يملؤهٌ حركةً وفرحاً.. كم كنتُ أتمنى أن يقف قرب سريري في المشفى حين أنجبت ابنتا الكبرى ولاء وبكيت غيابهٌ بحرقة.. ولكن والدتي أنّبتني قائلة انه مضرٌّ لصحّتي أن ابكي في لحظات كتلك! جاء عامر بعد يومين من موعد الولادةِ مبتسماً سعيداً يحمل عدد من الألعاب لطفلتنا التي لم تفتح عينيها لتشاهد ما أحضرهٌ والدها.. فهي أصغر من أن تفكر بتلك الأمور! ظروف عامر كانت أفضل في موعد ولادتي الثانية. فقد جاء قبل ثلاثة أيامٍ من الولادة التي حدثت بشكل مفاجئ.. رأيت القلق والحب في عينيه. وهذه المرة بكيت حين انهمرت دموعه فرحاً بي وبنضال الذي صرخ معلنا بدء حياته في الثانيةِ بعد منتصف الليل.. اقتربَ عامر مني ومسحَ بمنديلهِ العرق المتصبب من جبيني. ثم قبّلني شاكراً الله على سلامتي فهو عاطفي جداً وحنون.. كنت أصفه بالطفل. فقد كان يجلس على الأرض بين أطفالنا ويلعب معهم بألعابهم ويضحك بصوت عال.. وكثيراً ما كنت أصرخ بهم حين يصلني صوت ضحكاتهم وأحاديثهم إلى المطبخ. ولكن أحداً لم يهتم لصراخي. يفتقده الأولاد كثيراً حين يسافر في مهمة إعلامية خارج البلاد. وينتظرون قدومه، خاصة أنه يأتي محملاً بالهدايا والمأكولات اللذيذة الخاصة بهم. وكنت أشتاقه بشكل مريع.. وأتجلّد أمام الأولاد وأصبّرهم بكلمات لست مقتنعة بها: غداً يأتي بابا.. ما بالكم؟ هل تريدونه أن يترك عمله ويجلس بينكم؟! لم أكن أقلق على غيابه. فأنا أعلم جيداً أماكن تواجده. إنما الشوق والفراغ الذي أشعره حين يغلق باب المنزل خلفه ويغادر. ومازلت متعجبة من ابتهاجه وسعادته حين أخبروه في العمل أنه سيغادر إلى بغداد لتغطية الحرب هناك -عكس شعوري تماما -.. هذه المرّة استبد بي القلق.. فالظروف صعبة والحرب مشتعلة في بغداد. وأخبار القتل والدمار تصل يومياً.. والجيش الأمريكي على الأبواب. لكن عامر صحفيّ! والصحافة مهنة محصّنة في الحروب! عامر لم يذهب وبيده بندقية كل ما كان يحمله ميكرفون فقط! إذاً.. لا خوف عليه. فهو صحفي وواجبه التواجد هناك.. ولا داعي للقلق؟! لكن.. لا أدري.. هل يمتلك الأطفال حاسة سادسة؟! فعند خروج عامر من المنزل تعلّق به الأولاد بشدة وهم يتوسلون ألّا يغادر! وتأفّفوا من سفره: - بابا أنت دائم السفر متى ستستقرُّ بيننا؟! - أعدكم أن أعود بسرعة.. لن أتأخر.. وسوف نلعب معاً ونضحك ونزعج أمكم.. قهقهوا بضحكات لا أدري لما ارتجف قلبي لسماعها! كان صوته وصورته يصلاننا على شاشة التلفاز في جميع نشرات الأخبار، معظم أوقات اليوم. فها هو ينتقل من مكان إلى آخر في بغداد. يحمل الميكرفون في يديه ويتجول هنا وهناك.. لكن التعب والسهر بديا واضحين على محياه.. لم يدرك أولادي إلى الآن ما الذي حصل..! فقد اجتمعنا، كالعادة، أمام شاشة التلفاز نتابع تغطية عامر لما يدور هناك.. حين اهتزّت الكاميرا الموجهة إليه فجأة.. واختفت الصورة تماماً! أولادي ينتظرون: أين ذهب بابا؟! ولم لم يعد يظهر على الشاشة؟! لم استطع التماسك هذه المرة.. وصرخت برعب وأنا أردد اسمه.. كنت انتظر أن يظهر بعد قليل ليذيع خبرا عن الحرب! لكنه كان هو الخبر هذه المرة! جاء عامر أخيراً كما وعد الأولاد.. وأقام نهائياً في بلده! لكنه لن يكون بيننا بضحكته وفرحه وصخبه.. والأولاد.. مازالوا ينتظرون قدومه ويتلمّسون ملابسه التي يتصورون، بطفولتهم، أنه سيعود لارتدائها..! تصرخ لبنى: أنا سأناوله البيجاما..! غاب عامر عن الوجود.. إنما لن يغيب عن قلوبنا وذاكرتنا.. 5/2005
|