|
بسام القاضي
|
|
2006-04-29 |
لست أدري من ذاك الذي جاء بالتشبيه الغريب حول نصف الكأس الملآن ونصفها الفارغ! إذ لم أجد، رغم استنفاري لطاقاتي العبقرية، أي وجه شبه بين الحياة اللامحدودة واللاثابتة واللاشفافة وبين الكأس المحدودة والثابتة والشفافة! إلا أن ثلة من الجهابذة المسؤولين، في الدولة والأحزاب والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والمرخصة وغير المرخصة، وفي القطاع الخاص، بل وفي البيوت أيضاً، يعتمدون دائماً على هذا التشبيه. خاصة فيما يتعلق بنصفها الملآن! فحين يفشل اتحاد العمال في الدفاع عن عماله، ويفشل في تحصيل رواتب تأخرت شهوراً طويلة، ويفشل في إلزام القطاع الخاص بتسجيل عماله في التأمينات الاجتماعية، وفي منحهم عطلة اليومين، وفي تنفيذ الزيادة على الرواتب، وفي منع الاستقالة الموقعة على بياض في اليوم الأول للعمل، وفي رفع دخل العامل، وفي.. وفي.. علينا أن لا نضيف ذلك إلى النصف الفارغ؟! لأنه اتحاد العمال! ولا يجوز المس باتحادٍ للعمال أياً كانت الظروف ما دامت الهجمة الإمبريالية الشرسة مستمرة في شراستها! وما دام أرباب البرجوازية، ثم الرأسمالية، ثم الليبرالية، ثم الليبرالية الجديدة، ثم.. مستمرين في نشاطهم المعادي للإنسانية! أما أنه (نجح) في بناء منتجعات عمالية، ومطاعم وملاهٍ اغتنى منها من اغتنى، فهذا إنجاز يستحق الإضافة إلى النصف الملآن مع الإشادة والتهليل وإحناء الرأس..! وحين تفشل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في حماية جمعية أو ناد أو مركز من التدخل الأمني، بل من تدخل موظفيها، وتفشل في تحقيق حد أدنى لذوي الاحتياجات الخاصة، وتفشل في تنظيم العمل و.. فذلك لا يجب أن يضاف إلى نصفها الفارغ من الكأس! أما إذا عقدت ورشة تشيد بما هو قائم إشادة الفاني بالأبدي، فيجب أن يضاف ذلك، مع أقواس قزح وشرائط زينة، إلى نصفها الملآن من الكأس! وحين تفشل المحافظة في وضع مخطط تنظيمي يواكب حركة السكن العشوائي، بل يسبقها، وتفشل في تأمين مسارب للدراجات ومعابر تناسب ذوي الاحتياجات الخاصة، وتفشل في ضبط عقودها الضخمة التي تلزّم لمتعهدي غرف تبنى في السكن العشوائي، وتفشل في ترقيع أسفلت الطرقات، وتفشل في الحفاظ على الجدران العامة من الملصقات التي لم يعد أحد يلصقها إلا جهات رسمية وشبه رسمية كالجامعة ودار الأوبرا وأحزاب الجبهة، ثم تبيع أرصفتنا لشركات الإعلان التي تستخدم جدران الأكشاك وأسطحها، وتتنازل عن بعضها لمدخل فخم هنا أو مدخل فخم هناك.. فلا يجب أن يضاف ذلك إلى نصفها الفارغ من الكأس! بينما يجب أن نضع على (مانشيت) الصفحات الأولى أخبار (قبولها) منحة يابانية تتضمن سيارات قمامة بيضاء سرعان ما ستصير، بفضل العناية والمتابعة، سوداء! وحين تفشل الأحزاب والمنظمات الرسمية وشبه الرسمية في نشر الديمقراطية داخل بناها، وفي نظامها الداخلي، وتفشل في كسر جمودها المزمن، وتفشل في ضخ دم شاب فيها، وتفشل في انفتاحها على نبض الشارع، وتفشل في تسمية الفساد والفاسدين بأسمائهم و(كناهم) وأسماء أمهاتهم وتواريخ ميلادهم وحجم ثرواتهم، وتفشل في.. فذلك لا يمكن أن يضاف إلى النصف الفارغ من كؤوسها! أما أن تقيم احتفالاً (جماهيرياً) أو مسيرة فذة، فذلك يستحق كل إشادة وتقريظ، بعد إضافته إلى نصف كأسها الملآن طبعاً! وحين تفشل الجمعيات واللجان والأشكال التنظيمية المختلفة، غير الرسمية وغير المرخصة، في أن لا تنشق لأجل خلاف في الرأي هنا أو هناك، وتفشل في استقطاب الناس الذين لا تنفك تؤكّد تمثيلها لهم، وتفشل في نشر ثقافتها ووعيها بألف حجة طليانية.. فذلك لا يجب أن يضاف إلى نصفها الخاص والفارغ من الكأس، هذا إذا اعترفت بهذا النصف أصلاً! أما أن تصدر بياناً نارياً في هذا الشأن أو ذاك، فهو دليل لا يدحض على امتلاء نصفها الآخر من الكأس ذاتها! حتى أنا، ودون أن أستعيذ من هذه الأنا، حين أفشل في كتابة زاوية تساوي الحبر الذي طبعت به، فهذا لا يستحق أن يضاف إلى نصفي الفارغ (للأسف هو تجاوز النصف بكثير)! أما إذا صادف أن ركبت معي جملة تجد قارئاً ما، فهو دليل لا يدحض على فوران نصفي الملآن! ودائماً، دائماً وأبداً، تكمن أسباب (النجاح) والنصف الملآن في العوامل الذاتية! بل في السمات الشخصية العبقرية والقيادية و..! أما (الفشل) والنصف الفارغ فهو نتيجة طبيعية للعوامل الموضوعية، إن لم تكن المؤامرات التي لا تتوقف! في زمن مضى، كنت أدافع بشدة عن حقّ المخطئ في الإشارة بيده كلها، لا بسبابته فقط، إلى خطأ الآخرين! حتى إن كان في المجال ذاته! كانت الظروف مختلفة. وكنت مخطئاً أيضاً. أما الآن فقد اختلفت الظروف والشروط في مختلف مناحي حياتنا، خاصة في وعينا. أي في ما هو واجبنا! الآن، لم يعد يحق لنا أن نشير إلى حطبة في عين الآخرين ما دام في عيوننا ذرة رمل واحدة! فلنقتلعها أولاً. أو على الأقل فلنمد يدنا لاقتلاعها في الوقت ذاته الذي نشير فيه إلى عيون الآخرين! 27/4/2005 |