|
اقتصاد المعرفة.. الخسائر العربية |
|
|
|
عيسى المهنا
|
|
2006-04-29 |
عندما شارفت الحرب العالمية الثانية على نهايتها بدأت الولايات المتحدة كقوة عسكرية نووية جبارة بمحاولات لتحقيق أكبر قدر من المكاسب على الصعيد العالمي وبدأت بشكل جدي بالتلويح لحلفائها بالقوة النووية الفتاكة لارغامهم على التراجع أو التنازل لها عن مكاسب يفترض أنهم حققوها. وكان نصيب الاتحاد السوفيتي من هذا التهديد الحصة الأكبر – كقوة عسكرية ذات وزن نوعي وانجازات على أرض الواقع – فكان رد ستالين في ذلك الحين أن أوعز لعلمائه بطريقته الخاصة بضرورة انجاز مشروعه النووي بفترة زمنية حددت من قبله. وبعد جهد ومثابرة وعمل يعتبر قياسيا (زمنياً)استطاع الاتحاد السوفيتي أن يفجر قنبلته النووية الأولى ليعلن بذلك وقوفه بندية في وجه الولايات المتحدة ومحققاً منذ تلك اللحظة حماية لنفسه حاصداً أكبر قدر ممكن من مكاسب سياسية, عسكرية, اقتصادية... على الصعيد العالمي. هذه الحادثة التاريخية تعكس وتصور بكل تفاصيلها ودقائقها أهمية المعرفة كعنصراً أساسياً لعب دوراً حاسماً في تحقيق ما حققه الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة, حيث وظفت المعرفة في اللحظة الحرجة والضرورية لتحقيق الهدف والخروج من ذلك المأزق. إن المعرفة المكونة من جملة من العناصر أهمها العلم, العلماء, التراكم المعرفي... كانت الركيزة الأساسية التي أنشئت عليها جملة من المنافع الإنسانية عبر تاريخ البشرية دون اعتبارها لوقت قريب عاملاً حاسماً ومحدداً للتفوق والتقدم. أما اليوم ومع بدء ظهور أهميتها بدأت دولاً كأمريكا وبريطانيا تعتبر أن الجزء الأكبر من رأسمالها القومي يتكون من عناصر غير ملموسة كالمعرفة والتقاليد العلمية والمهارة والتنظيمات العلمية. إن هذا النوع من رأس المال القومي والذي بات يعرف اليوم باقتصاد المعرفة أو الاقتصاد الجديد يعبر عن التراكم المعرفي في مختلف المجالات السياسية, الاقتصادية الاجتماعية, العلمية, العسكرية... ويحقق في الواقع مكاسب مادية ضخمة ومحسوبة. فالمعرفة اليوم كعنصر أساسي وهام جداً في عملية الإنتاج يحقق مكاسب تفوق كل تصور وأرباح هائلة بتكلفة معدومة أحياناً. ان الإطار الكمي للمعرفة يحدد من خلال مجموعة العناصر المكونة لها والتي تساهم في انتاجها كالجامعات, مراكز البحث, العلماء, العناصر الموهوبة علمياًً وتعتبر هذه العناصر مجتمعة/منفردة مدخلات غير ملموسة تؤدي لإنتاج عناصر ملموسة وذات قيمة مادية (مخرجات) يمكن تداولها (منتج جديد). للدلالة على أهمية المعرفة كعنصر أساسي في زيادة الإنتاج نعرض دراسة جاء فيها أن إنتاجية العامل المتعلم تزداد مع زيادة عدد سنوات الدراسة ففي نهاية الثانوية مثلاً تبلغ الإنتاجية 20-30 ضعفاً مقارنة مع إنتاجية العامل الذي أنهى 4 سنوات دراسة وتزداد هذه الإنتاجية بشكل طردي مع تقدم علومه إلى أن تصل إنتاجية الحاصل على الدكتوراه 400% من كلفة إعداده. ويعني هذا إن أي معارف جديدة يتلقاها العامل او الفني أو المهني أو المهندس أو العالم.. خلال سنين الدراسة تؤدي إلى زيادة مطردة في الإنتاجية ناتجة عن تراكم معرفي مؤدية في لحظة محددة إلى تزايد حدي في الإنتاج قد يصل ويتجاوز كل وتائر الزيادة المعروفة أو المفترضة أو المخططة.... وبالمقابل فإن عدم القدرة أو سوء استخدام أو توظيف الاقتصاد المعرفي يؤدي لخسائر يمكن تلمسها بأشكال مختلفة وهذا ما يعكسه كل من سوء التوظيف أو سوء العناية بالعلماء والموهوبين في واقعنا العربي والذي قادنا إلى ارتباك وتعثر في عملية استثمار الطاقات المعرفية بمختلف أشكالها والذي أدى بالمقابل إلى خسائر ملموسة للمدخلات على الصعيد القومي كتكاليف التعليم في المراحل المختلفة والتي وضعت أساسأ لإنتاج مكاسب محددة على أساس زيادة وصقل مواهب هؤلاء لتحقيق أهداف رسمت أو استراتيجيات وضعت سابقاً. ويعبر هذا النمط من الخسائر الاقتصادية بالخسائر المباشرة (كمية) والتي وصلت عربياً لبضع مئات من مليارات الدولارات. أما الخسائر غير المباشرة ( نوعية) التي تعبر عن الجانب غير المعروف (غير المحسوب) والناتجة أساساً عن سوء توظيف واستثمار المعرفة والتي يعبر عنها هجرة أكثر من 2.87 مليون كفاءة وعالم عربي - دون التطرق لعدد المهاجرين داخلياً والمغربين عن اختصاصهم- يشكل الموهوبون منهم 1-2 بالألف ويعتبرون اليوم من حملة الاختصاصات و المعارف النادرة على مستوى العالم. وعليه تعتبر انتاجيتهم عالية جداً ومرتبطة بالقيمة الحقيقية لندرة اختصاصاتهم وقوة معارفهم وأفكارهم وقدرتها على تحقيق إنتاجيةٍ وتائرها الحدية مرتفعة ومكاسبها غير متوقعة كما ذكرنا سابقاً. ولتسليط الضوء على إنتاجية المعرفة نأخذ مؤشر دخل العالم من هؤلاء والذي يقدر بمليون دولار شهرياً. وبتفعيل حسابي للأرقام السابقة يمكن الاقتراب من نتائج تخص المعرفة وتتعلق بالمكاسب الناتجة عنها والتي يقابلها بالطرف الآخر خسائر ناتجة أيضا ًعن سوء استخدامها. إن هذه الخسائر/ المكاسب تصل شهرياً إلى 2870- 5740 مليون دولار يحققها 2870 - 5740 عالم عربي يحمل اختصاصاً نادراً وبالتالي تكون الخسائر /المكاسب غير المباشرة (النوعية) 34- 68 مليار دولار بالسنة تضاف إلى سابقتها المباشرة. تظهر هذه المكاسب/ الخسائر سوء إدارة واستثمار الموارد المعرفية من الجانب العربي والتي تعتبر سبباً أساسياً في تعثر اقتصادي واجتماعي... يظهره بوضوح ضعف الاستثمارات المعرفية العربية التي لاتتجاوز 1% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة مع دول تحتضن المعرفة مثل السويد, فرنسا, بريطانيا, الولايات المتحدة, المانيا, اليابان والتي تبلغ 11%, 10.5%, 8.5%, 8.5%, 7.2%, 6.9% على التوالي من الناتج القومي الإجمالي. يؤدي ضعف الاستثمار هذا إلى خلل اقتصادي يظهر بانخفاض وتائر النمو وتشوهها ويؤثر على مختلف مناحي الحياة ويسبب تعثر وخلل في بنية الدولة والذي بدوره يؤثر على قراراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويضعفها ويضعها موضع التابع المتأثر وليس العكس. إن سوء توظيف الامكانات المعرفية العربية على مدى العقود السابقة يكشفه بوضوح عدم القدرة على الاستفادة من خواص المعرفة – اللاتنافسية, التراكمية, بعدها عن دائرة المراقبة - وغياب الامكانية والقدرة على الحفاظ على التراكم المعرفي والخسائر الناتجة عنه علمياً وزمنياً. إن مقارنة واقعية وملموسة تظهر دلائلها حجم المكاسب التي يمكن أن تترتب على توظيف الامكانيات المعرفية في اتجاهها الصحيح فالصين مثلاً ذات الموارد والامكانيات المتقربة مع الامكانيات العربية مجتمعة استطاعت باستثمارها للمعرفة وخواصها من خلال 5500 عالم صيني أن تنجز الطاقة النووية , والقوة الصاروخية وغزو الفضاء هذه الانجازات المحورية المفصلية في تاريخ الصين والتي كانت من نتاج المعرفة أدت اليوم لوضع الصين في صف الدول الصناعية الكبرى التي تتقن الدفاع عن نفسها وتتقن تحقيق توجد لها على الصعيد العالمي يهابه الجميع ويحسب لها ألف حساب. إن المكاسب/ الخسائر المختلفة لاقتصاد المعرفة يظهر على أرض الواقع على شكل مكاسب سياسية, اقتصادية, عسكرية... تتحكم بالقرارات وتتدخل بها وتحافظ على امتيازاتها وإن كانت على حساب من لم يعرف كيف يستخدم أبسط مقومات النجاح والوصول إلى الهدف نفسه رغم توفر كامل عناصر هذا النجاح. 1/2005 |