|
عندما تقرأ جريدة تشرين في حديقة تشرين.. ماذا يحصل؟! |
|
|
|
خالد سميسم
|
|
2006-04-29 |
العنوان الذي يجمع ما بين الحديقة والجريدة مقصود هنا. لكن ليس المقصود صحيفة تشرين بالذات. بل أي صحيفة كانت يمكن أن يحملها أي شخص كان في يديه ويقصد أي حديقة كانت في دمشق. مثل حديقة تشرين القريبة من ساحة الأمويين بدمشق، التي كثيرا ما نضعها تحت عنوان "الإنجازات" العظيمة وتذكرنا أيضا بملامح "انتصاراتنا" في هذا البلد. وورود اسم صحيفة تشرين هنا بمحض الصدفة لأنني كنت أحملها. أنت محاصر، رغم أنك قصدت الحديقة للتنفس، ولقراءة موضوع يهمك دون أي إزعاج أو تدخل! تفتش عن مكان قصي بعيد تحت شجرة. والأهم، هذه المرة، أنك وحدك دون أي صديقة تثرثر معها. في القضايا الخاصة طبعا! وما إن تفتح على صفحة التحقيقات، حتى تجد تحقيقاً محكماً للصحفي إياد عيسى. تبدأ بالعنوان ثم المقدمة.. فجأة تجد ولدا صغيرا فوق رأسك تماماً، وربما يكون أحياناً قريب من أذنك، يصيح :" علكة، بزر، بسكوت.."! تشكره، فيبدأ بالإلحاح: " جابرنا الله يخليك..". وبعد أخذ ورد يتركك. تتابع التحقيق. فجأة يحضر أمامك رجل مريض ونحيل يحمل لك ورداً أحمراً ليقول: تفضل! تشكره.. يتابع بالإلحاح ذاته.. تشكره مرة ثانية.. ثم تغلق الجريدة. ولأنك مثقفٌ تحاول أن تبعد كل هؤلاء بكلماتٍ لبقة. لكن، على ما يبدو، تلك الكلمات غريبة عن هؤلاء الباعة! بعد فترة وجيزة تسمع أصواتاً مرتفعة لبائع وزبون. تصغي إليهما. فتسمع البائع يردد: "أعرف حالك مع مين عمتحكي.. يا حيوان.."! هنا تفتح الجريدة على صفحة الثقافة والأدب.. وما إن تهم بقراءة العناوين: فلان وفلان.. حتى يصرخ ولد في أذنك " شاي.. قهوة ..أركيلة"؟ تشكره أيضاً. ويصر بإلحاح أيضاً كالعادة! نعم سأتابع القراءة في الجريدة قبل أن أندمج مع أحد ما.. وسأتناول الشاي.. تطلب من الولد أن يحضر لك كأساً منه. بالفعل يحضرها. وبعد أن تتناول الفنجان، وتصل إلى الصفحة الأخيرة لتجد نبيل صالح يقول: "عدنا".. يعود الولد طالباً ثمن فنجان الشاي: ( خمسون ليرة سورية)! بعد مساومة مريرة حول هذا السعر السياحي، وبعد أن تسمع مواعظ من هذا الولد تتعلق بكيفية التعامل مع الناس! وعبارات مثل: "إذا لم يعجبك السعر لا تجلس في هذه الحديقة.."! تصمت. لأنك مثقف! ولا تريد أن تستخدم كلمات نابية مفهومة! عشرات الأولاد ينتشرون في الحديقة ويسببون الإزعاج. ليت محافظة دمشق، أو مَن "غرفة الشرطة" التي تقع على مقربة من الباب الرئيسي، أن تحاول إحصاء عددهم! أو أن تراقب إزعاجهم! ما علينا.. في حديقة تشرين أيضاً، نرى شبانا يجلسون في أماكن خفية يراقبون أداء العشاق! كأنهم الحراس الشخصيون على "شرف" الصبايا! بل شرف الشبان أيضاً! وهم ذوو صلاحية لتقييم تصرف هؤلاء: هل خدشوا الحياء ؟ هل تصرفهم عادي؟ ما أكثر ما نشاهد مشادة بين هؤلاء وأولئك! إذ ينبثقون فجأة مرددين: نحن من الأخلاقية.. أنت لمست وجهها..! هل لنا أن نسأل من أعطى هؤلاء الحق في هذا التدخل؟! أخيراً.. تنوي الرحيل.. على الباب الرئيسي للحديقة سيارة من نوع هوندا يبيع صاحبها الورود. وقبل الخروج بخطوات يلحق ولد برجل وامرأة، ويردد: "إذا كنت بتحبها اشتري مني الورد"! الرجل يرفض والمرأة تُحرج! عند الباب يصرخ صاحب السيارة بابنه " بابا هذا ما بحبها لا تعذب حالك.."! هل حقا أن حديقة تشرين هي مكان لراحة الناس؟! وما الذي عناه نبيل صالح بعنوانه: "عدنا"؟! وألم تحبط بعد يا إياد عيسى من قسم التحقيقات ذاك؟! التحقيقات التي يفترض أنها تهم كل شرائح المجتمع..! مجتمعنا! الصدفة وحدها حكمت أن تقع هذه الحوادث كلها في شهر تشرين أيضاً! وبعد هذا كله.. ألن تترك الصحيفة مكانها على الكرسي.. في حديقة تشرين.. وترجع منكسراً إلى بيتك المستأجر في.. حي تشرين.. لتفكر جيداً فيما حصل معك في هذا الشهر.. الوطني الفضيل؟! 18/12/2004 |