|
موقف الفقه والسنة من جرائم الشرف |
|
|
|
ميساء حليوة
|
|
2006-04-28 |
خاص: "نساء سورية"تتمة لبحثنا عن جرائم الشرف الذي بدأنا به سابقا (اقرأ المقال..) للتعريف بهذه الجريمة والعقوبات المترتبة عليها فإننا نستكمل هذا البحث لنبين مواقف الفقه والسنة من هذه ا الجرائم لتحديد مواطن الخطر والخلل في هذا التشريع ونحدد المسؤول عنها بدقة وبالتالي نصل إلى نتيجة مفادها التحريم أو التعديل أو الإبقاء على هذه الجرائم تبعاً لما تقدم: الجريمة هي فعل مادي يتمثل بالقيام بعمل غير مشروع يأتيه الجاني ضد المجني عليه ويحدد القانون أركان الجريمة وأدلة ووسائل الإثبات والعقوبات المترتبة على ارتكابها ونصاب الشهادة ودرجة القرابة فيها وضَمِن حق الدفاع للمتهم واعتبره بريئاً ما لم تثبت إدانته بأدلة قاطعة دامغة تقدم إلى المحكمة وحصر الدستور الحق للدولة في إنزال العقاب على المجني علية تحت طائلة البطلان لتعلقه بالنظام العام و بسيادة وهيبة الدولة تجاه مواطنيها. وترك المشرّع لكل من يعد نفسه متضرراً من جراء جناية أو جنحة أن يقدم شكوى يتخذ فيها صفة الادعاء الشخصي إلى قاضي التحقيق المادة /57/ قانون أصول محاكمات جزائية والمادة : /58/ من القانون نفسه بأن لكل متضرر من قضايا الجنحة أن يقيم دعواه مباشرة أمام محكمة الجزاء. إذاً القضاء هو الطريق الحصري لدفع الضرر واستيفاء الحق بعد إعطاء فرصة للطرف الأخر لنفي هذه التهم والدفاع عن نفسه.. إلا أن المشرّع خرق وبشكل مرعب ومذهل جميع المواد الدستورية وقوانين الجزاء والعقاب ومقتضيات العدالة بمنحه الرجل امتيازاً غير مبرراً لأخذ حقه بيده وغسل عاره بنفسه وارثاً ومكرساً لشريعة الغاب وتبعاتها البدوية القبلية التي تقوم على أساس أخذ الحق باليد (فهو القاضي وهو الجاني) فللقوي حق طبيعي على الضعيف لمجرد قوته ويتقاضاه بقوته فالقوة تصنع الحق وتتقاضى به وتثبت به وبذلك تضمن الشريحة المسيطرة ولاء الشريحة الغير المسيطرة فنحن لم نسمع يوماً أن امرأة قتلت زوجها أو أخاها أو ابنها أو قريبها بداعي الشرف رغم أنها أول من يطلب منه تمثل هذه القيم ونقلها لبنات جنسها فالمنطق القانوني هو منطق القوى الغير المتكافئة وغير المتوازنة داخل الأسرة التي يحميها القانون ويشرعنها والتي تعود بأصولها ونشأتها لنشأة العبودية التي كانت أهم مفرزات النظام البطريركي.. ولكن أما آن لنا أن نخرج من شريعة حق القوة ونبدأ بدخول شريعة قوة الحق وشريعة الإنسان عندها لا بد أن يكون للضعيف حق ينص عليه القانون ويطبقه القضاء وتنفذه السلطة.. ففي الوقت الذي يحدد فيه المشرّع أدلة الإثبات لكل جريمة يترك الأمر هنا لكل جاني أن يختار دليله بنفسه لإدانة المجني عليها وتتعاطف المحكمة مع هؤلاء القتلة بتقبلها لجميع الحجج والمزاعم و الأعذار الواهية التي يسوقها ويوردها الجناة ضد المجني عليهن ودون أي دليل سوى نفسه وبدون أي عناء من المحكمة للتثبت من صدقه أو كذبه مراعية حالته النفسية وانفعالاته العاطفية وكرامته المهدرة (وطبعاً هو من يقرر جميع حالاته وأوضاعه وانفعالاته وأوضاع المجني عليهن) وبذلك يمتلك حق إدانة نفسه أو براءتها بشهادته لنفسه أو عليها دون أن تتمكن المغدورة من الدفاع عن نفسها ودحض التهم التي ساقها الجاني ضدها وكيف لها ذلك وهي جثة هامدة.. فهي من الناحية القانونية شهادة معدومة وباطلة وغير دستورية لصدورها من إنسان حي ضد إنسان ميت لا يستطيع تكذيب أو نفي ما يلصق به من تهم ونحن نعلم أن أغلب هذه الجرائم ترتكب عمداً بعد سبق الإصرار وبعد مدة من وقوع الجرم المنافي للحشمة المزعوم بعدة أيام وأسابيع وشهور متناسياً المشرّع أنه وضع لهذه الشهادة ضوابط ومراسم وأصول وقواعد معقدة ودقيقة إذا ما خالفتها وجب على القاضي ردها وعلى سبيل ذلك ما جاء في المادة /58/ قانون بينات أنه في حال الإجازة بإثبات واقعه بشهادة الشهود أن يكون للخصم الآخر الحق في نفيها بهذا الطريق وأضاف القانون نفسه أنه لا يخفى على أحد ما في هذا النص من عدالة لأنه يسوي بين الخصوم في طرق إثبات الوقائع وبذلك جازت الشهادة على النفي إطلاقاً. وأيضاً ما نص عليه قانون البينات لموانع الشهادة إذ لا تقبل شهادة الأصول والفروع أو شهادة أحد الزوجين أو شهادة أبوي الزوج الآخر أو الحواشي حتى الدرجة الثالثة واعتبر هذا المنع من النظام العام لأن مابين هؤلاء من صلات القربى والثقة المتبادلة تمنعه من الإدلاء بشهادته بحياد دون الرضوخ لمشيئة الآخر دفعاً لمغرم أو جراً لمغنم ويجب على القاضي رفض دعوتهم للشهادة وإذا ما دُعوا وجب على القاضي أن يمتنع عن سماعهم وإذا ما ظهرت له أسباب المنع بعد أداء الشهادة وجب عليه أن لا يأخذ بها.. فإذا رأى المشرّع أن هناك مصالح مادية ومعنوية ستحول حتماً دون إدلاء الشاهد بشهادته بحياد فمن باب أولى أن تمنع شهادة الإنسان لنفسه وهو أقرب المقربين لها وأكثر المدافعين عن مصالحها فهو الذي يصدر الحكم وهو الذي ينفذه ويجمع بيده السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية وبهذا انحراف عن مسار القانون لأنه لا يمكن لمجرم أن يعترف بجريمته طوعاً مما يعطي أحكاماً مقدمة بالبراءة للجناة وأحكاما ًمقدمة بالإدانة للمجني عليهن وهذا يأتي ضمن إطار التمييز الدقيق المنتظم المدروس المتأني والمتغلغل في جميع مواد القانون وثغراته وبنوده ومفرداته والمتأتي عن وعي وإرادة وإيمان عميق راسخ بضرورة وضع النساء وبشكل دائم تحت وصاية السلطة الذكورية من العائلة التي تجيز القتل لمجرد الشبهة والريبة والظن والمزاجية للجاني ويعزز القانون بذلك مفهوم جرائم الشرف عن طريق العقوبة المفروضة على القاتل والتي تعتبر بدون شك ترخيصاً للقتل من قبل الرجل الذي يعتقد من وجهة نظره أن المغدورة خرقت منظومة قيمه الذكورية الضاربة بجذورها في شتى أنحاء المجتمع ومواد القانون والتي تعبر عن الخوف والتوجس من كل حركة تقوم بها المرأة وليس صحيح ما يقال أن المشرّع يعتقد أن المرأة ناقصة قاصرة كما هو معمول به ومنصوص عليه بل أنه يخشاها ويتوجس منها بدليل ترصده لها في كل ثغرة ممكن أن تتحلل فيها من القيود أو يتسلل الوعي لها بزيف هذه المعايير الأخلاقية والقانونية المزدوجة التي تطبق على الرجال دون النساء وعلى الفقيرات منهن دون الغنيات وعلى زمان دون زمان وعلى مكان دون مكان إذ عادة ما يقوم القانون بتجريم وتحريم العادات التي تتناقض مع الدستور ومبادئ العدالة (جرائم الثأر) ولكنه يتبنى ويشرعن كل عادة تعزز دونية المرأة وضعفها.. والسؤال إذا كان شرف الإنسان في جميع بقاع الأرض يقاس بعقله وعمله فلماذا اختصر الشرف في هذه المجتمعات وتجسد في جسد المرأة دون عقلها. يتضح بذلك أن قانون العقوبات أحيا جريمة الوأد الجاهلية وضمنها في مواده وأنظمته بالمواد الآنفة الذكر بطريقة أو أخرى هذه الجريمة التي عبر القرآن عما فيها من فظاعة وهول فربطها بعلائم قيام الساعة وفناء البشرية وزوال الأكوان قال تعال " إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت".ولخطورة هذه الجريمة ووقعها المدمر الكارثي على حياة النساء فقد ذهب القرآن إلى أبعد من تحريم رميهن وتناول سمعتهن بالسوء بحصره أدلة الإثبات بأربعة شهود رأوا الفعل الجرمي في ساعة واحدة ووقت واحد ومن يأتي الشهادة على غير هذه الحالة الحصرية الوحيدة المنصوص عليها في القرآن عُدّ من الفاسقين واستحق لعنة الله في الدنيا و الآخرة وحُرم سماع شهادته أو قبولها وعوقب بالجلد أمام مسمع الناس وبصرهم / 80 جلدة / وإذا تحقق شرط الشهادة بأربعة شهود مؤمنين عدلين معروفين بأخلاقهم وصلاحهم رأوا الواقعة معا ًبنفس الوقت كانت العقوبة الحبس في المنزل وليس القتل. قال تعالى: "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم". وقال: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً أولئك هم الفاسقون". وقوله: "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً". وفي حال وقوع فعل الزنى فإن عقوبة الرجل والمرأة متماثلة وهي الجلد مائة جلدة لكل منهما وليس القتل "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" خلافاً للقانون السوري الذي حصر العقوبة بالمرأة دون الرجل الذي يعفى من العقاب حتى في واقعة الجرم المشهود وممارسته الزنى في البيت الزوجي وعلى فراش الزوجية كما جاء في المادة /474 / فقرة 1 قانون العقوبات فإذا قتلت المرأة زوجها في هذه الحالة فهي قاتلة تحاكم أمام محاكم الجنايات وتطبق عليها أحكامه المتعلقة بالقتل. وإذا قتلها لذات الظروف كان أمام دفاع شرعي. ويستمر المشرّع في عنصريته وتحيزه للرجل حليفه الاستراتيجي معتبراً كرامته من النظام العام لا يجوز التنازل عنها ففي جريمة فض البكارة لم يسمح للمجني عليها بإثبات هذه الواقعة إلا بدليلي: - الإقرار - الأدلة الكتابية مع العلم أنها من الوقائع المادية التي يجوز فيها الإثبات بكافة الطرق وما حصر المشرع أدلة الإثبات بهاتين الحالتين إلا للتضييق على المرأة وتحلل الرجل من فعلته بأبخس الأثمان في الوقت الذي علمنا فيه القانون أن المجرم لن يقر بجريمته طوعاً وإن اختلاف ظروف الحياة عن سابقتها جعلت الأدلة الكتابية من الرسائل والغراميات ثانوية جداً مع سهولة لقاء الرجل بالمرأة وانتشار وسائل الاتصال الحديثة من فاكس وتلكس وموبايل وانترنت. وإذا ما تثنى للمرأة إثبات هذه الواقعة واجتياز كل هذه العراقيل الموضوعة أمامها للإثبات فإن عقوبة الفاعل لن تكون على الأغلب أكثر من ثلاثمائة ليرة سورية مادة /504/ قانون العقوبات ( إذا كان الفعل لا يستوجب عقوبة أشد عوقب الجاني بالحبس خمس سنوات وبغرامة لا تتجاوز ثلاثمائة ليرة سورية (أو بإحدى هاتين العقوبتين) وأيضاً فتح المشرع للرجل باب النجاة من العقاب بعقده على المرأة التي يغتصبها وتتوقف الملاحقة بحقه وكأن شيئاً لم يكن المادة /508/ قانون العقوبات. يتضح مما تقدم البون الشاسع بين موقف القانون المتحيز وموقف القرآن المشرف من هذه الجرائم. فما هو موقف الفقه والسنة هل أتى داعماً للقانون أم مضيئاً ومشرفاً كما القرآن: موقف الحنفية: رأى الحنفية أن الزنا يثبت بالبينة والإقرار فالبينة أن يشهد أربعة من الشهود على رجل وامرأة بالزنا فيسألهم الإمام عن الزنا ما هو وكيف وأين زنى ومن زنى ومتى زنى فإذا بينوا ذلك وقالوا رأيناه حكم بشهادتهم و/الإقرار/ أن يقر البالغ العاقل على نفسه أربعة مرات في أربعة مجالس من مجالس المقِر عما أقر فإذا تم إقراره أربعة مرات سأله الإمام عن الزنا ما هو وكيف هو وأين زنى وبمن زنى فإذا بين ذلك ألزمه الحد. موقف الشافعية: الزاني على ضربين محصن وحده الرجم وغير محصن وحده مائة جلدة وتغريب عام ولا يمكن إثبات هذه الجريمة عند الفقه الشافعي إلا بشهادة أربعة شهداء عدول يقفهم الحاكم حتى يثبتوا أنهم رأوا ذلك فإذا أثبتوا ذلك حُدّ الزاني والزانية فهذا حكم الله وحكم رسوله فإذا لم يكمل أربعة منهم فهم قذفة وكذلك حكم عليهم عمر ابن الخطاب فجلدهم جلد القذفة أو بالإقرار من الزاني أو الزانية فإن اعترف هو وجحدت هي وإن جحد هو واعترفت هي أقيم الحد على المعترف منهما دون الآخر فمتى رجع المعترف منهما عن الإقرار بالزنا فبل منه ولم يرجم ولم يجلد.قال الشافعي إذا استكره الرجل المرأة أقيم عليه الحد ولم يقم عليها لأنها مستكَرهه ولها مهر مثلها حرة كانت أو أمه. في الفقه الحنبلي: لا يثبت الزنا إلا بأحد أمرين : -أن يقر به أربعة مرات في مجلس أو مجالس - أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد يصفونه أربعة ممن تقبل شهادتهم فيه. في الفقه المالكي: قال علي المالكي لا يحد الزاني إلا بالاعتراف على نفسه بالزنى إن كان ممن يصح اعترافه بأن يكون عاقلاً بالغاً غير مكره ويكون مقيماً على إقراره،أو بحمل يظهر إن لم يكن لها زوج،أو كان غاب غيبة لا يلحق بها العنت، أو مات عنها وطال، أو شهادة أربعة رجال أحرار بالغين عدول يرونه ويشهدون في وقت واحد. في فقه الزيدية: كذلك لا يثبت الزنا لديهم إلا بالإقرار والشهود. في فقه الإباضية: أن يشهد على الزنا أربعة رجال أحرار بالغين عاقلين من المسلمين العدول وإن هو اعترف بالزنى أربعة مرات. وعن ابن المسيب: أن رجلاً من أهل الشام وجد رجلاً مع امرأته فقتله وقتلها فأشكل على معاوية الحكم فيه فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأل له علي بن أبي طالب فقال له علي " هذا شيء ما وقع بأرضي عزمت عليك لتخبرني فقال له أبو موسى : إن معاوية كتب لي أن أسألك فيه فقال علي: أنا أبو الحسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته" رواه مالك في الموطأ من كتاب الأقضية والرمة الحبل والمراد به الحبل الذي يقاد به الجاني أي يقام عليه حد القصاص. وقال الرسول: ادرأوا الحدود بالشبهات وقد كان إعراض الرسول عن ماعز أربعة مرات إنما كان كراهية منه لإقراره على نفسه وهتكه ستر الله عز وجل عليه. وحدث عبدا لله بن بريدة عن أبيه قال كنت جالساً عند النبي فجاءته امرأة من بني غامد وقالت يا نبي الله إني زنيت وأني أريد أن تطهرني فقال: ارجعي، فلما كان من الغد أتته أيضاً، فاعترفت عنده بالزنا، فقالت يا نبي الله طهرني، فلعلك أن ترددني كما رددت ماعز ابن مالك، فوالله إني لحبلى، فقال لها النبي ارجعي حتى تلدي، فلما ولدت جاءت بالصبي تحمله في خرقة، فقالت يا نبي الله هذا قد ولدت، فقال اذهبي فأرضعيه ثم افطميه، فلما فطمته جاءت بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت يا نبي الله قد فطمته، فأمر النبي بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين وأمر بها فحفر لها حفرة ثم أمر الناس أن يرجموها، فأقبل خالد ابن الوليد بحجر فرمى رأسها فتلطخ الدم على وجنة خالد ابن الوليد، فسبها، فسمع النبي سبه إياها، فقال إمه يا خالد لا تسبها فإنها تابت توبة لو وزعت على سبعين رجلاً من أهل المدينة لوسعتهم. وعن عبيد بن عمير، عن أبيه " إن الرسول قال : وقد سأله رجل عن أكبر الكبائر، فقال هن تسع.. ومنهم قذف المحصنات وعقوق الوالدين. وعن أبي هريرة "أن سعد ابن عبادة قال لرسول الله: أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً فأمهله حتى آتي بأربعة شهداء، قال : نعم ". وروى البخاري قوله ص "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد ذلك". قال الثعالبي: جعل الله الشهادة على الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء تغليظاً على المدعي وستراً للعباد. وروى السمرقندي: إن الآمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد لها وإنما تضرب تأديباً وهو المروي عن ابن عباس وما ذهب إليه طاووس وسعيد ابن جبير. وقال أبو بكر الجصاص في تفسيره للآية ( الزاني لا ينكح إلا زانية) بأنها تفيد الإخبار باشتراكيهما بالزنا وإن المرأة كالرجل في ذلك فإذا كان زاني فالمرأة زانية وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها فحكم الله على مساواتهما في الزنى وفي استحقاق الحد وعقاب الآخرة. قال عبد الرحمن راضي: مشروعية الشهادة على الزنا إنما اعتبرت في إثبات الزنا بشهادة أربعة لأنه أدرأ للحد ونفي التهمة وأمنع لإشاعة الفاحشة بين الناس كما تقتضيه قضية الستر المشار إليها بقوله ص " ادرأوا الحدود بالشبهات" ولذلك حتم على الشهود رؤية فعل الزنا. وكان الزناة والزانيات يأتون الرسول ويقرون أمامه بجرم الزنا فكان ص يرجئهم إلى المرة الأخرى حتى الخامسة عندها يأمر بتنفيذ العقوبة, فهم عندها يتحملون العقوبة بكل اطمأنا ن وراحة نفس. ورأى الدكتور أحمد الكبيسي: إن هذه الجرائم لا تقدم الأديان غطاءاً لها وإنما غطائها مستمد من قسوة التقاليد والخوف من العيب أكثر من ظاهرة الخوف من الحرام وقد غالى العالم العربي وخاصة الإسلامي في أن ينأى بنفسه عن أن يثلم عرض هذه العائلة أو تلك أو ينال من سمعتها بأن أحاطوا ذلك بسياج من القسوة المتناهية التي لا يرضى بها الشرع أو الدين ولا الله عز وجل. رأي الشيخ مهدي اليحفوفي القاضي الشرعي في المحكمة الجعفرية / بيروت/ يقول قتل الشرف لا يوجد له أساس في الإسلام ولكنه موجود عند بعض العشائر والقبليات إذا زنت الرجل أخته أو ابنته فإنه يقتلها وهذا لا يوجد في أي قانون أو دين أو قانون وضعي /القتل مطلقاً بغير إذن الحاكم الشرعي حرام ولا يجوز/ هذا ما هو موجود في القرآن الكريم وأن القاتل له جهنم يدخل النار وأنه يرجع بإثم المقتول ويأخذ ذنوب المقتول ويدخل جهنم ويبرأ المقتول من هذا الذنب. المطران بشارة الراعي ونظرة الدين المسيحي لجرائم الشرف: بشرع الكنيسة واضح انطلاقاً من وصايا الله العشر الوصية التي تقول (لا تقتل) وتفهم الكنيسة من هذا أنه ليس لأحد السلطة بقتل أحد لا إن كان جنيناً في بطن أمه ولا من اللحظة الأولى لتكوينه ولا بعد بروزه للحياة فقتل الإنسان حرام لأنه كائن بشري. نستنتج مما تقدم أن هناك إجماع من قبل /القرآن – السنة – الفقه بمختلف مذاهبه وفروعه قديمة وحديثة على أن واقعة الزنا والفاحشة لا تثبت مطلقاً إلا بالإقرار والشهادة وما عدا ذلك فهو محرم وباطل/.. والسؤال لماذا تقتل النساء إذاً.. وما سبب نمو هذه الظاهرة في العالم العربي والإسلامي.. هل لأن مفهوم الشرف مفهوم غائم ومغلوط لم يتم تدريسه في المدارس والجامعات ولم يتم التأكيد على أن شرف الإنسان في عقله وليس في جسده وأن شرف الإنسان يخصه وحده ويستمد من سيادته ومواطنيته وإنسانيته. أم لازدواجية معايير المشرع القانونية والأخلاقية للمرأة ونظرته لها كمواطنة من الدرجة العاشرة للرجل عليها حق التأديب والقوامة والوصاية والولاية وحق الزواج بأخرى متى شاء وطلاقها متى شاء وطردها من منزله متى شاء لتصل إلى حد الحياة والممات... متى شاء. أم لأن العنف القانوني الممارس على المرأة والتضحية بحقوقها.. (تارة باسم الشرف وتارة باسم الشريعة .. وتارة.. وتارة...) أصبح ملح وخبز النساء ورأس الشر والبلاء لن تنصلح بدونه البلاد ولن تتقوم بغيره أخلاق العباد وخاصة منهم النساء. أم لغياب الدور الريادي والمعتاد للمؤسسات الدينية في التصدي لكل ما هو مخالف للشريعة إذ تقوم الدنيا عندها ولا تقعد فلماذا لا تأخذ دورها هنا وتقف في وجه هذه الجريمة التي تعد جريمة بحق الدين الإسلامي قبل أن تكون جريمة بحق الضحية. أم لغياب المرأة عن صناعة النص التشريعي الأمر الذي يقصي إرادتها ونظرتها في الأمور المتعلقة بذاتها . أم لأن الرجل يستسهل القتل لحصوله على رخصة مسبقة به من وزارة العدل. أم بسبب العلاقات الغير متوازنة أو الغير متكافئة داخل الأسرة والتي تسبب المشاكل المجتمعية والمرضية والجنسية المستفحلة والمتفشية والمتنامية في بلادنا. أم لاجتماع هذه الأسباب جميعها معاً؟ وهذا يقودنا إلى أن مساواة المرأة في الدساتير وحق الانتخاب والترشيح ودخول البرلمان وترأس الوزارة لا يلغي تبعيتها ولا السمة العنصرية للقوانين ضدها.. خاصة في تجاهل حق الحياة الذي يعتبر من أقدس الحقوق التي كفلتها الشرائع السماوية والدساتير الوطنية وهو من الحقوق التي لا تقبل الأخذ والرد والتي لا يجب أن تكون مدار جدل.. فكيف يمكن لهذه المرأة التي تخشى القتل في كل لحظة أن تكون مبدعة خلاقة فاعلة مساهمة في عملية التنمية وكيف يمكن لهذه المرأة التي تُقَرَّر أخلاقها وتُقَرَّر إدانتها والتي لا تملك جسدها أن تمتلك عقلها وكيف لها أن ترتقي سلم الحضارة وهي محكومة بهذه النظم الّلامتناهية من سلسلة الو لاءات.. لذكور عائلتها. ولكن وبالرغم من كل هذه العراقيل والعقبات الكأداء سنظل نحدب على طريق الاستنارة ليتحقق العدل والمساواة وتصبح القوانين التي تحكم المرأة هي نفس القوانين التي تحكم الرجل.. وإننا لندعو المجتمعات الذكورية المأزومة لممارسة إنسانيتها بعد أن غرقت لعصور مديدة في مستنقعات الأنا إلى أن وصلت إلى ماهي عليه الآن.. وأننا لنأمل أن تستطع شمس الحق لتذيب جليد العقول المتجمدة بعد أن لفّها صقيع الظلم فهربت منه الروح باحثة عن دفئها في كنف العدالة. 11/2/2005
|