|
نحو فلسفة جديدة للتعليم في العالم العربي |
|
|
|
د. محمد السيد سعيد
|
|
2006-04-28 |
|
صفحة 2 من 2 ثالثا: ملامح لمستقبل منشود إن التفكير الأخلاقي المسئول حول مستقبل التعليم لابد أن يواجه تلك المشكلات المستعصية للتعليم سواء على المستوى الوطني أو العالمي. وتبدو صعوبة هذا التفكير في أن التعليم هو عملية إعادة إنتاج للمجتمع ذاته. فلا يمكن لمجتمع أن يعلم أولاده سوى ما يعلمه أو يؤمن به. ويعنى ذلك تلقائيا أنه لن يعلم أولاده ما يجهله أو ما ليس من اللائحة الأساسية لمنظومته القيمية. فإذا كان المجتمع كله يحتفل بالخرافة فلن يكون من الممكن لأطنان من المعلومات العلمية أن تنتج طلابا مغايرين. وإذا كان المجتمع ممسوسا بالتطرف الديني فسوف تجد هذه المشاعر طريقها للنفاد إلى قلب المؤسسة التعليمية بمئات من الطرق, هكذا. وقد يكون من السهل علينا أن نصرح بأن التعليم هو أيضا أداة للتغير الاجتماعي ولكن وضع هذه الأطروحة موضع التطبيق في الممارسة العملية قد يكون أصعب الأشياء. فإذا كانت بنية القوة في المجتمع تتركز حول فئات معينة مثل رجال الدولة والماليين الكبار وأصحاب المشروعات أو شركات الأعمال التي تقوم بالتوظيف والجيوش الكبيرة وقوات البوليس فضلا عن المؤسسات الدينية والحركات الاجتماعية والسياسية التي تتمتع بنفوذ كبير على العقول والضمائر دون أن تكون مؤهلة لمناقشة أي من الأمور التي تدافع عنها بصورة عقلانية أو نقدية فان هذه الهيئات ذاتها ستتمتع بسلطة القرار التعليمي مثلما تتمتع بسلطة الحياة والموت على المواطنين سواء كانوا داخل أو خارج النظام التعليمي. وسوف يتابع هؤلاء التأثير بعقلياتهم ومصالحهم على نظم التعليم الوطنية مثلها في ذلك مثل كل النظم الأخرى. ويضاعف من تلك الحقيقة أن نظم التعليم الحديث أثبتت فعاليتها في إنتاج الجيوش الضرورية للحروب وللإنتاج العلمي والتكنولوجي والاقتصادي الذي أتاح الثروات المذهلة وغير المسبوقة المرتبطة بمعنى الحداثة نفسه لدى المؤسسات المهيمنة. ومع ذلك كله فان هناك قدر كاف من الغضب على نمط المجتمعات الحديثة سواء كانت أصيلة في إنتاج الحداثة الزائفة التي نعايشها الآن أو كانت مجرد تقليد هزيل وغير متقن للأولى كما هو شائع في العالم الثالث وبالذات البلاد الأقل نموا. كما أن هناك قدر كاف من المعارف التي تؤكد استحالة مواصلة العيش بالطريقة التي تأسست في القرن الثامن عشر وازدهرت بصورة غير مسبوقة في القرن العشرين. ويهدد انتشار الحروب وثقافة الكراهية والنطرف الديني والميول الاثنية والقومية المتطرفة وغيرها من مظاهر السياسة المعاصرة بتدهور شامل لا للأخلاق الإنسانية فحسب بل وللحياة ذاتها. ولهذا السبب فان تطلعنا إلى تعليم مختلف قد يتمتع بقدر معقول من التأييد لدى أوساط اجتماعية وثقافية عديدة. كما لا يمكن التقليل من نفوذ الأفكار الإيجابية والبناءة حتى لو لم تكن تتمتع بتأييد أو سلطة مادية في السياقات الوطنية والعالمية الراهنة. إن الغالبية الساحقة من المفكرين وذوى الضمائر تتطلع إلى تأسيس حضارة إنسانية جديدة وهو ما يجعل التفكير بشجاعة في مستقبل التعليم مشروعا ممكنا وقد يحظى باهتمام كبير من دوائر متعددة. ولكن السؤال يتعلق بطبيعة التعليم المستقبلي الذي نصبو إليه. وهنا قد لا يكون لدينا تصور كامل. وينبغى مناقشة الأمر بصورة جماعية وعلى أصعدة اجتماعية شتى حتى نصل إلى أفكار وملامح تطمئننا على أن ما قد نؤسسه ليس ردة إلى الماضي وليست مخاطرة بما نملك من أجل أحلام ضبابية. وجل ما نستطيعه هنا هو التفكير بصوت عال في بعض هذه الملامح المطلوبة. وعلينا أن نلفت النظر بالذات إلى تلك الملامح لتعليم مستقبلي بناء تعالج المشكلات الخطيرة التي أشرنا إلى بعضها في الفقرات السابقة. ومن ثم فإننا ندعو للتفكير في الاطروحات التالية. 1) استرداد الوظيفة الأخلاقية والتربوية للتعليم على كافة المستويات. وإذا كنا نفكر في التعليم كأداة لبناء حضارة إنسانية جديدة في سياقات تعدية ثقافيا واجتماعيا ودينيا فان علينا التركيز على أخلاقيات الحياة المدنية المأمولة وهو ما يعنى التركيز على التربية المدنية. ويثير هذا التوجه قضايا لا حصر لها تكمن في صميم فكرتنا عن مجتمعاتنا وهوياتنا المتعددة. وقد أثيرت بالفعل مناظرات ذات صلة بهذا التوجه أثناء المفاوضات حول كثرة من التشريعات الدولية وخاصة تلك المتصلة بحقوق الطفل. وعلى سبيل المثال لابد من طرح أسئلة حول تربية الطفل على الأسس والموروثات ذات الصلة بهوية آباءه. ولكن ذلك قد ينطوي على ما يعد تربية غير مناسبة على بعض الأفكار والنوعات الكارهة للأخر أو التي تزرع عقدة تفوق في نفوس النشء. كما أثريت مناظرات أخرى تتعلق بمفهوم معين للحق في التعليم تحول دون قيام الأطفال بأي نوع من الأعمال. وبالمقابل قد لا يكون ذلك أمرا ضارا بنهاية المطاف برفاهية الأسر الفقيرة في المجتمعات المحرومة فحسب, بل قد تكون تلك الفكرة ضارة بتربية الأطفال من حيث أنها تعزلهم عن بعض أهم خصائص العملية التربوية السليمة بالمعنى الواسع للكلمة لأن التعليم والتربية المعزولة عن العمل قد لا تنتج غير تكوين تجريدي وقليل الحساسية للحياة الاجتماعية. غير أن أهم تلك المناظرات هي تلك التي تتعلق بتوجهات المؤسسات العائلية والدينية والمؤسسات والحركات الأخرى مسيسة الصلة بالتربية الأخلاقية مثل المؤسسات الدينية والتي قد تكون منغمسة كلية في توجهات تغذى الكراهية أو الاحتقار والرفض للأخر الديني أو الثقافي. وتثير مثل تلك الإشكاليات قضايا لا حصر لها بخصوص الاختيارات الممكنة للسياسة التربوية والثقافية, حيث لا يمكن حرمان أي شخص من التزود بعناصر أساسية من ثقافته ولكن هذا التزود لا يجب أن يقوده إلى العنف والكراهية والعقل المغلق ونزعات الانتقام أو التعلق بتلك النزعات كحقائق مطلقة. كما أن تعدد وضمان الحريات الدينية والسياسية يطرح إشكالية الكيفية التي يمكن بها مباشرة التربية الأخلاقية المدنية في سياقات قد تغذى نزعات مضادة. وأخيرا فان هناك إشكالية الكيفية التي يمكن بها استرداد الوظيفة التربوية لتعليم تباشره هيئات بيروقراطية قد لا تكون مخلصة للمسئولية والرسالة الأخلاقية المدنية التي نتحدث عنها. 2) استرداد الصلة العضوية بين التعليم والحياة الاجتماعية. وقد أسلفنا أن العزلة التي تعيشها غالبية أنظمة التعليم المعاصرة قد تنطوي على إطلاق للنزعات غير الاجتماعية أو العنيفة أو تلك التي تتضمن تشيؤا واضحا في رؤى العالم والصور الشائعة عن الحياة. ومع ذلك فان استرجاع تلك الصلة لا يجب أن يعنى حصر رؤية العالم في هيئات محددة أو التعلق بما قد ثبثه من معتقدات ونزعات قد لا تكون مواتية للمشروع الحضاري الجديد الذي نتحدث عنه. ومن هنا يجب أن نعرف تعريفا دقيقا ما نعنيه باستعادة الصلة بين التعليم والحياة الاجتماعية والكيفية التي تضمن أن يكون مرود هذه الاستعادة إيجابيا والمؤسسات القادرة والراغبة في الاضطلاع بهذه المهمة. وعلى سبيل المثال قد نفكر بمنظور ثوري في تحويل المجتمع كله إلى ورشة تعليمية ونشر مهمة التعليم والتربية على عدد كبير من المؤسسات بما فيها مؤسسة المدرسة. ويعنى ذلك أن يتعلم الطلاب في المصانع والمكاتب والمؤسسات الأخرى للمجتمع جوانب معينة من الحياة ليفهم الطلاب كيف انعكست ووظفت طائفة واسعة للغاية من المعارف عن الطبيعة والمجتمع على السواء في الممارسة. وفى نفس الوقت يجب تخصيص أوقات معينة لتعلم الأصول العلمية التجريدية وهى التي نسميها العلوم الأساسية سواء داخل مقرات مخصصة لهذا الغرض في هذه المؤسسات أو في مؤسسات مخصصة للتعليم الأساسي وهى ما نسميه حاليا بالمدرسة أو الفصول التعليمية. ويمكن لمثل هذا التصور أن يحقق ما نريده من تعليم مستمر ومتواصل مدى الحياة. كما يمكن أن يكون التعليم ذاته أمرا أكثر مرونة وحرية مما هو متاح حاليا حيث يمكن أن يداوم المرء على الدراسة وحدها طوال فترة التعليم أو يتوقف قليلا لكي يقوم بأعمال ووظائف يتلقى فيها تعليما تجريبيا وحقليا ثم يعود لمقاعد الدراسة المتخصصة. وقد يمكن أيضا أن يغرف المرء طوال حياته من نمط التعليم الذي توفره مؤسسات العمل والإنتاج دون جاجة للذهاب إلى مدرسة أو جامعة أصلا لأنه يحصل على المعارف التي يحتاج لها في الميدان وان بصورة أرقى كثيرا جدا من المفهوم البسيط للتدريب في الموقع. 3) التأكيد على التكامل المعرفي. وربما يكون هذا المبدأ هو أكثر الطرق فعالية في الدفع نحو التطور الأخلاقي وضمان غرس المسئولية الاجتماعية والإنسانية والمدنية للتعليم. فلابد من تجاوز ونفى الفكرة التي تقول بأن هدف العلم والمعرفة هي السيطرة على الطبيعة وهو ما يعنى في الواقع تخريبها وإشاعة الفوضى في نظامها الحيوي. كما لابد من إنهاء العزلة بين المعرفة الاجتماعية وتلك المتعلقة بالطبيعة ، لأن الإنسان هو جزء لا يتجزأ من الطبيعة أو الخلية العاقلة في منظومتها الحيوية. وكذلك لابد من نفى وتجاوز الفكرة التي تقول بأن المعارف الخاصة بالطبيعة بما في ذلك قوانين الكيمياء ومبادئ الرياضيات وغيرها من المعارف التامة والتطبيقية تمكن استخدامها على أي نحو دون تكلفة. فتفضيل التوظيف التدميري للطاقة النووية بمجرد تطبيق علوم الطبيعة ليست قرارا معرفيا بل قرار سلطوي معاد للمعرفة والعقل ويؤدى إلى ضريبة فادحة لا بالنسبة لأعداء بعينهم بل بالنسبة للجميع. وتوجيه تكنولوجيا الدمار الشامل أو الجزئي إلى أعداء مفترضين ليس قرارا يتفق مع المعرفة السليمة لأن القاتل يخسر على نحو لا يقل أثرا عن المقتول بغض النظر عن ذرائع القتل, وهكذا. إن الفكرة التي يجب أن نتطلع إليها هي أن إعادة التكامل بين أوجه وميادين المعرفة هو أمر يعيد الحساسية الإنسانية التي نضحى بها من خلال تشظيتها وتجزئتها على النحو المعروف في النظم المدرسة الحالية. إننا لا نناقش هنا قضية أكاديمية ولا نطلب مجرد العمل وفق ما صار معروفا باسم تكامل نظم المعرفة. فالأهم هو أن يدرك الطلاب أن ما يعرفونه من اكتشافات وتكنولوجيات هي جميعا جوانب لنفس الشيء. فالمعارف الفلكية عن الأجرام السماوية ليست منفصلة عن الإبداع الشعري حولها وليست منفصلة عن قوانين الرياضيات التي نسخرها لفهم هذه الأجرام ولا عن المركبات الكيماوية التي نتعرف على خصائصها ولا عن التراث الطويل من الاسترشاد بها في الحركة والملاحة وأن المعلومات السوسيولوجية ليست منبته الصلة بالنمط المحدد من التطور التكنولوجي أو خصائص السلطة في مختلف المراحل والحقب التاريخية أو أنماط التنظيم والإدارة التي ترسخها تلك السلطات. ولا توجد أدنى إمكانية للفصل بين الاقتصاد وسبل المعيشة والتنظيم الاجتماعي. ويجب أن نطرح تكامل العملية المعرفية ومن ثم التعليمية على نحو يثير الدهشة أو حتى السخرية من ضيق الأفق الذي فرض أنماطا محددة من التوظيف والمعارف التي أخذنا بها بينما كان يمكن أن تكون اختياراتنا أكثر رشدا وإنسانية. والمهم في ذلك كله أن نفهم أن العلم والتكنولوجيا ليست أشياء منفصلة عن إنسانيتنا ولا يجب أبدا أن نتوافق مع الادعاء بأنها هي التي تحدد حياتنا بينما من يحددها هي سلطات اجتماعية وبشرية ضيقة وليست سلطة التكنولوجيا بذاتها أو سلطة الجميع الناتجة عن الاختيار العاقل والحر. ويمكن في هذا السياق التفكير في القوالب التعليمية التي تحقق هذا الغرض. فينبغي مثلا أن نبدأ برواية واحدة ومستمرة ومتغيرة هي رواية الحياة الإنسانية كما وقعت في التاريخ لكي نشرح كيف تتم المعارف وما هي الاكتشافات التي حققناها وتلك التي يمكن تحقيقها عبر مستقبل مختلف, وبذلك تعود الرياضيات للاندماج مع الكيمياء والطبيعة وتعود هذه الهموم المعرفية للاندماج مع المعرفة بالمجتمع والسياسة, وهكذا. 4) تنوع وتضافر وتوزان المؤسسات القائمة على التعليم: ويعنى ذلك أن نفكر في تعليم ما بعد المدرسة أو ما بعد التعليم الجماهيري والنمطي والمعزول في أبنية مدرسية ونظم بيروقراطية صارمة. وإذا قبلنا بمبدأ نشر المهمة التعليمية على عدد كبير من المؤسسات التي تشغى بها الحياة يجب أن ننهى نفوذ وسلطة الشهادات على الأقل بالمعنى الذي ساد طويلا في أيديولوجيا التعليم والأيديولوجيات البيروقراطية والطبقية السائدة. فالشهادات ليست مدخلا للانتماءات الطبقية المتراتبة رأسيا. وثنائية المتعلم –الجاهل أو صاحب الشهادة- الأمي ليست فقط زائفة ولا علاقة لها بالحقيقة بل هي أيضا ضارة بالجميع. فالعلم ليس القدرة على استرجاع معلومات ما صحيحة أو زائفة وانما هو امتلاك ناصية الحكمة والتطلع للأفكار المؤسسة على دليل وخبرة حقيقية من أجل التصرف بصورة سليمة مع أسئلة الحياة بما فيها الإنتاج الاقتصادي. ومن هذا المنظر فالمستقبل يجب أن يكون تعليما يعنى بالتنوع الأفقي للمهارات والمواهب وليس الترتيب الرأسي للمكانات ومن ثم الثروات والسلطات. والتعليم الحقيقي هو القدرة على الذهاب إلى ما هو ابعد من الخبرة الحسية بالتكراريات الظاهرية للظواهر والتعرف على الإمكانيات الكامنة في احتمالات متعددة لفكها وتركيبها وهو ما يعنى أيضا التعرف على القوانين التجريدية لحركة الأشياء. وإذا كان التعليم هو الذهاب في المعرفة إلى ما هو أبعد من الخبرة فان التعليم الذي لا يستند على الخبرة ليس تعليما وذلك الذي لا يمكن الناس من التعرف على الطرق المتعددة لفك وتركيب وتوظيف الأشياء والظواهر من أجل تعزيز وتحسين الحياة ليس تعليما. ولهذا السبب يجب أن تتوزع عملية التعليم على كافة مؤسسات وطاقات المجتمع ويجب ألا يسمح باحتكار أية جهة أو مؤسسة للمهام التعليمية. ويدفع هذا المنظور للتعليم إلى إعادة صياغة المؤسسات ذاتها بما يتفق مع المعرفة بالاحتمالات المتعددة لتنظيمها وتخصيصها في الإنتاج والإدارة. إن هذه المعنى ليست ترياقا أو علاجا كافيا للأمراض والعلل التي تحيطنا من كل جانب سواء في التعليم أو المجتمع الأوسع. فالتجاوز الحقيقي لهذه العلل لا يتم إلا بمناقشة الموضوع على أوسع نطاق وبما يسمح بتدفق حر للإبداع والعبقرية الجماعية. وربما تكون مجرد بداية لمناقشة أعمق, وهذا هو جل ما نطمع فيه. الصوت: نشرة غير دورية إخبارية وإلكترونية تصدرها لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا (ل.د.ح) بالتعاون مع موقعها على الإنترنت: http://www.cdf-syria.com6/2005
|