|
هل يستطيع التعليم العالي السوري استعادة عافيته ومركزه المميز على الصعيدين العربي والدولي |
|
|
|
د. فادية المليح حلواني
|
|
2006-04-28 |
تمتع التعليم العالي في سورية بميزتين اساسيتين: الأولى: هي ديمقراطية التعليم... والثانية: هي الانصهار العام لطلبة الجامعات والمعاهد في اطار خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة السورية ففي الميزة الاولى شكلت سياسة الاستيعاب في التعليم الجامعي والعالي ومجانيته مجالا واسعا الديمقراطية التعليم. وشكل افتتاح الكليات والاقسام المتخصصة المختلفة بالاضافة الى المعاهد العليا والمتوسطة مجالا واسعا لهذه الديمقراطية التعليمية. اما الميزة الثانية؛ وهي مسؤولية الدولة عن تأمين فرص عمل لجميع الخريجين في مختلف الاختصاصات بغض النظر عن أنظمة الالتزام كما كان الحال مع خريجي كليات الهندسة فقد شكلت ميزة ايجابية من جهة وحالة سلبية في مستوى الدراسة والخريجين من جهة ثانية بمعنى ان اطمئنان الطلبة الى مسؤولية الدولة في ايجاد فرص عمل للخريجين شكل حالة خمول في التنافس نحو التفوق من جهة اخرى. وفي الوقت نفسه كانت مناهج الجامعات السورية قلقة في ماهيتها ومهامها بين العلم ام الثقافة ام المهارات لسد حاجات خطط التنمية مشوبة بدرجة الالتزام العقائدي ،وبقيت المناهج هجينا والهدف مبهما. ومع قانون الالتزام بالكتاب الجامعي دخل خليط آخر شكل في حالات كثيرة نكوصا في المستوى وانفصالا عن الابتكارات والتطور والتحديث، لابل جمودا في مفهوم التعليم الجامعي وبالتالي البحث العلمي. دون التقليل من تميز بعض الحالات الخاصة والتي شكلت معالم مميزة بدواعي الاخلاص للعلم ومحبة العطاء، وارتبط كلّ ذلك بقانون التنظيم الجامعي الذي احتوى على نظام التفرغ ونظام الترفيع وربط ذلك كله نظريا بمفهوم البحث العلمي. في حين بقي البحث العلمي بمفهومه الواسع وفق معنى المصطلح متقهقراً لم تستطع كل الخضات والشعارات والبيانات عن المنجزات واصدار المجلات المتخصصة تحفيزه او احياءه من غفوته الكبيرة. وتحمل ارتفاع تكاليف مستوى المعيشة مقابل تدني الرواتب والتحكم البيروقراطي في ادارات مؤسسات التعليم العالي، وحجب الحرية عن مسؤوليها بدواعي ضبط النفقات ومنع الفساد ادى الى جمود اوصل بطبيعة الحال الى تراجع في المستوى والاداء عمّا كان عليه الحال في بدايات التعليم العالي السوري ظهر جليا في المخرجات سواء من حيث مستوى الخريجين او تشكيل المجتمع المعرفي العام وفي الابحاث والدراسات وعدم وجود الحاضنات القادرة على التطوير والابتكار والابداع وقد اكد ذلك بشفافية متناهية الاستاذ الدكتور هاني مرتضى وزير التعليم العالي من خلال حديثه مع جريدة تشرين في عدد الخميس 23/12/2004. هذا الحديث المستند الى خبرة ومعرفة دقيقة في واقع التعليم العالي بيّن اهمية ايلاء هذا الميدان حقّه من الاهتمام لاسيما بعد التطورات الكبيرة التي اصابت قطاع التعليم العالي مع تطور وسائل الاتصالات واستخدام التكنولوجيا في التعليم والتعلم الالكتروني والتقدم الهائل في مختلف المجالات العلمية، والذي يستدعي كله مراجعة شاملة تشمل جميع محاوره فتصوب مايمكن تصويبه، وتعيد تأهيل ما يتوجب اعادة تأهيله، وتغلق ما انتهى دوره، وتفتح ما يستلزم التطور افتتاحه، وتصل كل ذلك عبر مواقع الانترنت لتوظف برامج التعليم المفتوح والالكتروني والارتباط بمراكز البحث العلمي والجامعات العربية والعالمية عبر اتفاقات وتعاون علمي كبير يتجاوز بشجاعة الواقع المصلحي والروتيني . ان استراتيجية جديدة يحتاجها التعليم العالي والبحث العلمي تشمل: 1 نوعية التعليم العالي وجودته.. 2 تشريعاته وطرق ادارته الحديثة على ضوء الخبرات والنظريات الحديثة. 3 علاقة التعليم العالي ومخرجاته بسوق العمل المحلي والعربي وحاجاته. 4 علاقةالتعليم العالي بالبحث العلمي ومجالات تدعيمه. 5 التعليم المفتوح والتعلم عن بعد ووسائل التكنولوجيا الحديثة ولاسيما في مجال الاتصالات. 6 التعليم العالي ومجتمع المعرفة على الصعد السورية والعربية والدولية. 7 مستقبل ديمقراطية التعليم وتطور مفهومه. 8 طرق التمويل وعلاقاته مع المؤسسات والمنظمات الحكومية والاهلية. لقد بينا اكثر من مرة ان التعليم العالي في سورية حقق منذ بداياته مركز مميزا بين اقرانه في الوطن العربي وشكل نقطة جذب للكثيرمن الطلبة العرب للدراسة في سورية. لكن تطور واقع التعليم العالي في غالبية الدول العربية ومواجهة التعليم العالي السوري لمشكلات الكم والتوسع والتطور الكبير الحاصل ولاسيما في العقدين الأخيرين في مجال تكنولوجيا المعلومات والتعليم، اصبح يحتم ضرورة التسارع في اعداد دراسة استراتيجية لهذا الميدان تستعيد فيه سورية موقعها المتقدم حيث تكون سورية المركز التعليمي المتميز سواء في الدراسات الجامعية الاولى او في مجال الدراسات العليا، او في مراكز البحوث والدراسات. وإذا كنا في مرحلة استعادة دراسة قانون تنظيم الجامعات الذي لابد ان يكون مجالا لدعم هذا الميدان وافساح المجال امام تطوره. فإن امورا اساسية لابد من التوقف عندها استطيع استخلاصها من خلال حديث الاستاذ وزير التعليم العالي الآنف الذكر، او من خلال الدراسات والافكار المطروحة بشأن قانون تنظيم الجامعات الجديد. وانفتاحاته خارج اطار العقل الروتيني الذي لايزال مهيمنا في كثيرمن عقول المسؤولين الحكوميين. الأمر الاول: يتعلق بتمويل هذا الميدان من خلال المحافظة على مفهوم ديمقراطية التعليم ومن خلال اعطاء اعضاء الهيئات التدريسية حقهم في رواتب وتعويضات مجزية تجعلهم متحفزين لاعطاء افضل ما لديهم وتطويرها وتأمين كفايتهم من الحاجة المادية الحياتية اوالعلمية التي تتضمن تأمين المراجع والابحاث الجديدة وفرص الدراسات والتواصل العلمي باوسع مجالاتها، وتسد عنهم الحاجة الى عرض خدماتهم وخبراتهم وعلمهم لمن يستحق ولايستحق. فتجعل من امكانية التعاون العلمي الندي بطرق رسمية تعطي للجامعات ووزارة التعليم العالي السورية الامكانية والمكانة اللائقة. الامر الثاني: هوالحرية الاكاديمية ووضع اليات تكفل سبل تفعيل الحريات الاكاديمية لمنع اية اعاقة في مجال الدراسات والنشاط العلمي والبحثي وهوما يعد ركنااساسيا من اركان تطور الدراسات الجامعية والابحاث العلمية. الامر الثالث: يتعلق في ادارة ميدان التعليم العالي وإعادة النظر في هيكليته وهيئاته بما فيه انشاء هيئات متخصصة في شؤون البحث العلمي حيث يمكن ان تنشأ وزارة للبحث العلمي تدمج في وزارة التعليم العالي او ترتبط بها وكذلك انشاء هيئة عامة لضبط معايير الجودة. واخرى للاعتماد بشريطة تأمين استقلاليتهما الادارية والعلمية مع التأكيد على أهمية استقلال الجامعات واعادة النظربطرق القبول والامتحانات مع اعطاء مجالات لتميّز كل جامعة بسياسات وبرامج مستقلة ضمن المعايير العامة المعتمدة. وهو ما يمكن وضع اليات له تزيل الوضع البيروقراطي الذي فرضته سياسات ومبادىء مرحلة سابقة قد تكون ضرورية في وقتها وتفرض المتغيرات الحالية ضرورة تغييرها حيث تعطى كل جامعة ضمن مجلس امنائها مع حضور مندوب عن مجلس التعليم العالي حرية وضع سياساتها وبرامجها بما يراعي خصوصيتها ويبرز مميزاتها. وهوما يمكن الحديث عنه بشكل اكثر تفصيلا فيما بعد مع تبيان آلياته التفصيلية وفضائله في مرحلة التعليم العالي السوري المتطور مستقبلاً . وذلك ضمن خطة تعزيز مكانة التعليم العالي والتوسع في مجالاته المتطورة ولاسيما في بناء مؤسسات تعليمية تقوم على أساس الكفاءة العلمية والتميز والجودة. ان استعادة مكانة سورية في ميدان التعليم العالي هوامر لايحتمل التأجيل من اجل مجتمع سورية المعرفي والتعليمي ومن اجل ان تأخذ زمام المبادرة في التطوير والتواصل وتحمل المهام القومية والحضارية والانسانية كماكانت دائما، مستفيدين من الخبرات المتراكمة والتجارب التي مربها وتحملها التعليم العالي السوري في مختلف الظروف بما فيها الظروف الصعبة التي رافقت سنوات عجافا في جانبها الاقتصادي. ان الخبرات السورية في مجال التعليم العالي وادارته هي خبرات كبيرة يعرف الجميع ان الكثير من المؤسسات الدولية والجامعات المختلفة تستفيد منها ، لابل ان بعض الجهات تقدم الكثير من المحفزات لها، ومجتمعنا وبلدنا هو صاحب الحق الاول في هذا المجال. والمنتظر في اطار الشفافية التي بينها الاستاذ الدكتور وزير التعليم العالي في احاديثه ان نبحث عن اليات للاستفادة من خبراتنا وتجاربنا ضمن اليات لانعدم الوصول اليها اذا ماتخلصنا من بعض الفكر البيروقراطي والذاتية الشخصية والمجال مفتوح وواسع بفضاءاته المتنوعة وآفاقه الكبيرة وسيسجل الوطن للمبادرين اقدامهم في ميادين التطويركما سجل للرواد الاوائل. د.فادية المليح حلواني - جامعة دمشق كلية الآداب والعلوم الانسانية 6/1/2005 |