|
صفحة 3 من 3 ولم تبح التفسيرات والتشريعات الجديدة الضغط على النساء في حال إيتاء الفاحشة فقط, بل استنبطت تشريعات جديدة جعلت من حق الرجل ضرب زوجته متى شاء وكيف شاء, بحجة تأديبها, بل أصبحت حياتها ملكا للرجل يتحكم فيها كيفما شاء, ولعل تبرئة مرتكبي جرائم الشرف لخير دليل على ذلك. ولإتمام السيطرة على المرأة, ألزمت بالحجاب, والذي حار علماء الدين في وصفه, فقد قال بعضهمإنه تغطية الجسد كله بلباس فضفاض عدا الوجه والكفين, في حين دعا أحد شيوخنا المعروفين اليوم إلى تغطية الوجه كله في الشارع, لأن الشارع فتنة, وأجاز بعضهم إبراز العينين فقط, مع تغطية الكفين, وآخرون أجازوا تقصير الثوب لما فوق الكاحلين, ولسنا نعترض على شكل اللباس, فكل إنسان حر فيما يلبس,ولكننا نعترض أن تسود حتى أيامنا هذه فكرة اعتبار المرأة فتنة متنقلة, لا إنسانا يقيم بمواصفاته الإنسانية والعقلية والذهنية كما يجدربنا أن نفعل في مطلع القرن الحادي والعشرين, كذلك نعترض على إجبار النساء على ارتداء ملابس تمنع عنهن الضوء والهواء والطعام. أما من ناحية الزواج, فقد أفتى ابن عباس أن لا نكاح إلا بولي وفسر معنى قول النبي ( ص ) الأيم أحق بنفسها من وليها عند أكثر أهل العلم أن الولي لا يزوجها إلا برضاها ! وبإبقاء المرأة داخل المنزل حرمت من التعليم والعمل, وزوجت النساء غصبا, من دون أخذ رأيهن, وقبض الأهل مهورهن, وعاد المهر ثمناللمرأة, لا نحلة كما أقر لها القرآن ذلك, وحرمت النساء من الإرث جريا على ما كان سائدا في الجاهلية, وتحول الدين الجديد الذي كان يحمل في طياته الخلاص للفئات المحرومة المضطهدة, إلى سلاح في وجه المرأة استخدمه الرجل دون رحمة أو مودة, كما أوصى بذلك القرآن الكريم. واستخدمت بعض الأحاديث التي لا يعرف مدى صحتها وخاصة أنها تخالف روح الإسلام الواضحة في الآيات القرآنية : " النساء ناقصات عقل ودين " وذلك يخالف أكثر من ستين آية واضحة في القرآن الكريم. " لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته " وذلك طبعا يناقض رؤية وأقوال الرسول الكريم والتي تتضح في أكثر من حديث ومناسبة. " لو كنت آمر أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن " " استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع و إن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج " علما بأنه لم يرد في أية آية في القرآن الكريم أن المرأة خلقت من ضلع آدم, بل ورد ذلك في التراث اليهودي, فمن أين أتى أبو هريرة راوي الحديث بذلك ؟ " تصدقن, فإن أكثركن حطب جهنم " " إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان " وكانت بعض المناسبات السياسية كمعركة الجمل مناسبات لترديد أحاديث تخدم أحد الطرفين ومنها الحديث الشهير : " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " والذي أفردت له الباحثة فاطمة المرنيسي جزءا مهما من كتابها الإسلام السياسي كي تثبت الشك بصحته, ورغم ذلك استخدم اليوم كسيف مسلط فوق رأس أي امرأة تبيح لنفسها الحلم باستلام السلطة, وهذا ما جعل ميغاواتي سوكارنو تفقد حقها في منصب رئيس الجمهورية رغم أنها حصلت في الانتخابات على أصوات أكثر من عبد الرحمن واحد في أندونيسيا, ولكن سوء حظه أو حسن حظها, فضح تورطه باختلاسات مالية وصفقات مشبوهة, مما أدى إلى تنحيته عن السلطة واستلامها, مثبتة أن الآخر ليس بالضرورة أكفا منها لأنه رجل فقط. وقد ظهر الشرخ واضحا بين تعاليم الإسلام بما تحمله من إنسانية, والتشريعات التي كانت مطبقة, في بداية عصر النهضة, عندما هبت رياح الحضارة الغربية على المجتمع الإسلامي,الذي أوصله جموده وتناقض تشريعاته ـ التي وضعت خدمة لحكامه ـ مع تعاليمه الإنسانية العامة إلى مرحلة من الانحطاط والجمود, وكان لابد لهذه المجتمعات التي كانت تعاني من بؤسها وتخلفها من أن تتأثر بالأفكار الجديدة التي حملت في طياتها الحرية والعدالة والمساواةوالتطور والتقدم, وبات لزاما على علماء الدين النهضويينإعادة الاجتهاد في تعاليم الدين الإسلامي, لاستنباط رؤاه الإنسانية, وتخليصه من الشوائب الطحلبية التي علقت به على مر السنين, وبذلك حاولوا العودة إلى الأصول, فجوبهوا دائما بالقوى السلفية الظلامية التي أصرت على إبقاء الدين محصورا بتفسيرات المجتهدين الأوائل والذين أصبح لنصوصهم قدسية تضاهي قدسية القرآن الكريم, في معركة لا تزال تدور رحاها حتى اليوم. لاشك أن المرأة المعاصرة تدين بالكثير لعلماء الدين النهضويين المتنورين الذين كان لهم أكبر الأثر في الثورة الاجتماعية الحقيقة التي أخرجت النساء خارج مجتمعات الحريم وفتحت الطريق أمامهن كي يتعلمن ويعملن, ويكسرن جدر القمقم الذي حبسن به قرونا طويلة مظلمة. ولكن هل حقا زال العسف وتقلص العنف ضد المرأة في عصرنا الحاضر ؟ الجواب الواضح والذي يعرفه الجميع ويحاول آخرون التستر عليه لأسباب مختلفة هو : ليس إلى حد كبير. فما هو العنف الذي لا زال يطبق اليومعلى المرأة سواء كان عنفا جسديا أم معنويا أم نفسيا. إن أكبر عنف معنوي يطبق على المرأة في يومنا هذا هو قانون الأحوال الشخصية, والذي يتعارض بمجمله مع الدستور الذي أقر للمرأة كامل الحقوق كفرد فعال في المجتمع, ففي هذا القانون : 1 ـ لا تعتبر المرأة إنسانا عاقلا راشدا كامل الأهلية, فلا بد لها من ولي لعقد زواجهاوالقاضي ولي من لا ولي لها, ولا تعطى حق الولاية أو الوصاية على أولادها, حتى لو كانت تربيهم بمفردها, وحتى لو كانت قاضية, ولية من لا ولي له, لكنها ليست ولية نفسها أو أولادها. 2 ـ اشترط على الزوجة التي ترفع دعوى تفريق أن ترد للزوج المهر, أي أعيد للمهر صفته التي كانت سائدة قبل الإسلام كثمن للمرأة لا كهدية تقدم لها. 3 ـأباح الطلاق التعسفي للرجل دون شروط, وقيده للمرأة. 4 ـ لا تنال المرأة بعد طلاقها ولو جزءا بسيطا من الثروة التي بنتها الأسرة في سنوات الزواج حتى لو كانت عاملة وأسهمت في تكوين هذه الثروة. 5 ـتحرم المطلقة من حضانة أولادها بعد سن التاسعة للابن والحادية عشرةللبنت حتى لو كانت أكثر أهلية من الأب لحضانتهما, وذلك مناقض لأكثر من حادثة واضحة وصريحة في السنة النبوية " فقد خير النبي ( ص ) رجلا وامرأة وابنا لهما فقال رسول الله يا غلام هذا أبوك وهذه أمك اختر " " إن امرأة جاءت الرسول ( ص ) فقالت فداك أمي وأبي إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة فجاء زوجها وقال من يخاصمني في ابني فقال يا غلام هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به " 6 ـ يحق للزوج أن يمنع زوجته من السفر حتى لو كانت وزيرة, أو قاضية. 7 ـ يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفؤا للمرأة. مادة 26 وإذا زوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي فإن كان الزوج كفؤا لزم العقد وإلا فللولي طلب فسخ النكاح. مادة 27. و العبرة في الكفاءة لعرف البلد. مادة 28. 8 ـلا توجد مواد تحمي الزوجة من اضطهاد الزوج إلا فيما يتعلق بالإنفاق. 9 ـ بقي الإرث مطبقا كما كان في السابق برغم عمل المرأة اليوم ومسؤوليتها عن نفسها وعدم مسؤولية الإخوة في الإنفاق عليها في حال طلاقها أو ترملها. 10 ـ في المادة 16 من القانون تكمل أهلية الزواج في الفتى بتمام الثامنة عشرة وفي الفتاة بتمام السابعة عشرة من العمر, وفي المادة 18 : إذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكمال الخامسة عشرة والمراهقة البلوغ بعد إكمالها الثالثة عشرة وطلبا الزواج يأذن به القاضي إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسديهما وفي المادة 19 إذا كان الخاطبان غير متناسبين سنا ولم يكن مصلحة في هذا الزواج فللقاضي ألا يأذن به, وعلى كل الأحوال يبيح القضاء زواج صغيرة السن مهما كان عمرها في حال الزواج العرفي وإثبات الحمل دون مؤيد جزائي لمخالفة القانون. 11 ـفي المادة 17 للقاضي أن لا يأذن للمتزوج بأن يتزوج على امرأته إلا إذا كان لديه مسوغ شرعي وكان الزوج قادرا على نفقتهما. وهنا أيضا يمكن تثبيت الزواج العرفي بسهولة دون أي مؤيد جزائي. أما فيما يتعلق بالعنف الجسدي الذي يقع على المرأة من قبل الأب أو الأخ أو الزوج, بل حتى الابن, فهنالك قانون العقوبات الذي يطبق في هذه الحالات كما في أي حالة يقع فيها ضرب مواطن لآخر, ولكن من الناحية العملية كيف تجرؤ المرأة التي تتعرض للإيذاء الجسدي من قبل الأب أو الزوج على تقديم شكوى بحق أي منهما مادامت واقعة تحت سلطته وسيطرته, وهنا أذكر حادثة كانت تروى كطرفة, في بدايات عمل الاتحاد النسائي, فقد أقنعت إحدى العاملات فيهامرأة اعرفها على أن تشكو زوجها الذي ضربها للشرطة وعندما قامت المسكينة بذلك وتم استدعاء الزوج إلى المخفر, عاد إلى المنزل بعد أن تعهد بعدم ضرب زوجته, ليذيقها في الليل علقة ساخنة, ويستدعي أهلها الذين قبلوا قدميه كي لا يطلقها, وشاركوا في تعنيفها على جرأتها ووقاحتها. إن عدد النساء اللاتي يتعرضن للعنف الجسدي من قبل الآباء والأخوة, و الأزواج خاصة في مجتمعاتنا أكثر بكثير مما نتصور, إذهناك الكثير من النساء العاملات من طبيبات ومهندسات ومحاميات وغيرهن يتعرضن للضرب المبرح من قبل أزواجهن, ولا يصرحن بذلك حفاظا على مكانتهن وكرامتهن أمام المجتمع وحفاظا بالتالي على بيوتهن, وكم أدهش أحيانا عندما تسر إلي إحدى الصديقات التي أرى زوجها مثال التحضر والتقدم بأنه سبق أن ضربها في أكثر من مناسبة, ناهيك عن نساء الفئات المتدنية اجتماعيا ونساء الريف اللاتي يعتبر الضرب خبزهن اليومي, والسعيدة منهن من لا تضرب يوميا وإنما في المناسبات فقط, بل إن هؤلاء النسوة يعتبرن ضرب الرجال لهن حقا سماويا لا يحق لهن الاعتراض عليه, وقد حكت لي زوجة ناطور بنايتنا مرة أن زوجها يضربها ضربا مبرحا, ولما قلت لها أن ليس عليها تحمل ذلك خاصة أنها تكسب ماديا أضعاف ما يكسب من عملها اليومي في خدمة المنازل وهي التي تعيله, إضافة إلى أنها ضخمة قوية الساعد وهو ضئيل الجسم, ويمكنها أن تفعسه تحت إبطها, قالت لي : ولكنه الرجل. هذا عدا عن أننا لا نزال نقرأ في جرائدنا اليوم عن أب أو أخ أو حتى عم أو ابن عم قتل قريبته لمجرد الشبهة في تصرفاتها, وآخر حادثة قرأناها في جريدة تشرين أن أخا وابن عم أقدما على قتل قريبتهما المتزوجة لأنهما شكا في تصرفاتها حين بدأت تتزين وتسمع أغاني أم كلثوم, مع أن الزوج كان يبكي ويحلف ببراءتها بعد موتها. والكل يعرف جيدا أن جزاء مثل هذه الجرائم لا يتعدى السجن بضعة أشهر. أما حوادث الاغتصاب فمن المعروف أيضا أن التعتيم يجري عليها من قبل الأهل درءا للفضيحة, وحتى لو وصلت إلى المحاكم تسقط العقوبة بزواج المغتصب للمغتصبة, وتصوروا هذا الحل الرائع لمثل هذه الجريمة, وكيف هو شكل العلاقة الزوجية التي يمكن أن تقوم بين هذا المجرم وضحيته, والتي وصلت في كثير من الأحيان إلى تشغيلها من قبل المجرم نفسه في البغاء وقبض أتعابها. أما سفاح المحارم وهو أكثر الجرائم البشرية إثارة للتقزز والاشمئزاز, خاصة أنها تقع على طفلات في عمر الزهور, فغالبا ما تكتم ويتستر عليها حتى من قبل الأم, وتعيش الطفلة بعقدتها مدى الحياة أو تنحرف غالبا في مثل هذه الأجواء غير الصحية وتزيد عدد البغايا واحدة. هذا عدا عن استغلال النساء بل حتى الطفلات في البغاء, في بيوت منتشرة في أحياء المدن كلها, دون رقيب أو حسيب, ودون أي حماية لهؤلاء البائسات. أما الأطفال الذين ينتجون عن هذه الحوادث المؤلمة فمصيرهم القتل أو ناصية شارع, وليس لدينا للأسف حتى اليوم أسوةببعض الدول العربية مؤسسات اجتماعية للأمهات العازبات, اللاتي لا ينتظرهن سوى مصير أسود ومستقبل لا أفق له. ولا يقتصر العسف الذي يطال المرأة على تقصير نصوص القانون في حمايتها, بل عجز هذا القانون عن الوقوف في وجه العادات الاجتماعية والأعراف التي تحتل مرتبة أعلى من القانون في كثير من الأحيان : 1 ـ ما زالت النساء في بعض أوساطناالاجتماعية وخاصة في الريف لا ترث. 2 ـ ما زالت النسوة يزوجن بدون موافقتهن و ما زال الآباء يقبضون مهورهن، في صفقات يكون المستفيد منها الأب والزوج, والضحية الوحيدة لها هي المرأة, ويحدث هذا خاصة في الريف السوري. وقد استغربت رأي أحد المحامين المشهورين بدراسة موضوع الأحوال الشخصية, عندما قال في محاضرة له, أن بإمكان الفتاة في الريف أن تلجأ إلى القاضي ليمنع زواجها ممن لا ترغب, و هي في الواقع لا تدري أساسا إن كان هناك قانون أو قاض أصلا يمكن أن يحميها. 3 ـ ما زالت المرأة وبخاصة في الريف تعمل ليل نهار في البيت أو في الأرض ولا تحصل على قرش من أجور عملها خصوصا إن كانت تعمل في أرض الأهل أو الزوج أو في مشغله أو دكانه. بل إن بعض الرجال في المدينة يضغطون على زوجاتهن العاملات, حتى حدود الضرب ليحصلوا على أجورهن كاملة, وتبقى المرأة تعمل في المنزل وخارجه ساعات عمل مضاعفة, بلا أجر. 4 ـ ما زالت المرأة تتعرض للعسف والظلم في المنزل الزوجي دون اعتراض خشية أن تطلق, فوضع المطلقة قبل الإسلاموفيصدر الإسلامكان أرحم, إذ لم يكن الطلاق كأيامنا هذه مهينا للمرأة وكانتلا تجد أي صعوبة في الزواج ثانية وبدء حياة جديدة. هذا عدا عن أن المرأة اليومتعرف أنها بطلاقها تخرج من المؤسسة الزوجية بعد سنوات خاوية اليدين غير قادرة على بدء حياة مستقلة وحدها. 5 ـ ما زالت المرأة تحرم من التعليم إذا لم يرغب وليها في تعليمها بعد المرحلة الابتدائية. 6ـ يمكن للأب أن يمنع ابنته من العمل, و الزوج كذلك, كما يمكن أن يمنعاها من ممارسة أي نشاط اجتماعي حتى لو كان مؤسساتيا نافعا. 7 ـ ولعل أكبر اضطهاد اجتماعي يمارس على المرأة وبخاصة العاملةهو تحميلها وحدها عبء العمل المنزلي وتربية الأطفال دون أي مقابل أو تقدير لهذه الأعمال التي لا تحظى بتقدير اجتماعي و تستهلك عمر المرأة, حتى لو كان عملها نفس عمل الزوج خارج المنزل, علما أنني كطبيبة أعتبر العمل في المشفى أو العيادة نزهة قياسا للعمل المنزلي المرهق, كما تربى البنت في مجتمعاتنا منذ الصغر على خدمة الأسرة في حين يقبع الصبي دون عمل آمرا ناهيا في المنزل, حتى لو كانت البنت تدرس مثله في المدرسة أو الجامعة, بل إنها تطالب من قبل أسرتها بأن تكون على المستوى نفسه من النجاح والتفوق, كما تطالب المرأة في عملها أن تكون على القدر نفسه من الأهلية والكفاءة وهي المرهقة بأعمالها المنزلية وتقضي وقتها في الوظيفة تفكر في كيفية جلب الأولاد من المدرسة وإنجاز طبخة الغداء في موعدها, كي لا يثور الزوج إذا لم يكنغداؤه جاهزا. 8 ـ تلقى على المرأة اليوم أيضا حتى لو كانت عاملة ، مسؤولية العاجزين والمسنين من أفراد الأسرة سواء كانوا من ذويها أوذوي زوجها, فيضاف إلى أعبائها اللامتناهية, عبئا تقوم به في دول أخرى مؤسسات أو موظفون متخصصون. 9 ـ ما زالت الفتاة تستقبل في أول لحظة تطل بها على الدنيا بالفتور إن كانت مولودا أول, وبإحساس الفجيعة إن سبقتها أخت أو عدة أخوات, وذلك تماما ما وصفت به الآية الكريمة الهمج من العرب قبل الإسلام " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم " النحل 58. 10 ـولعل هناك عسفا يحدث يوميا, لا ينتبه إليه الباحثون, بل لا يعتبر حتى عنفا ضد المرأة, ففي الشعور الجمعي تعتبر أي امرأة تمشي في الشارع مستباحة من قبل الذكور الذين لا يجدون حرجا في ملاحقتها وإسماعها فاحش الكلام, والوقوف بسياراتهم أمام أي سيدة تقف في الشارع في انتظار وسيلة مواصلات في دعوة صريحة لها إلى الركوب, و اعتبارها بطريقة غير مباشرة عاهرة مادامت تقف في عرض الطريق, بل لا يتورع بعض الرجال عن استخدام أيديهم في التحرش بامرأة تصادف سوء حظها أن تمشي في شارع مقفر أو مظلم أو مزدحم, وفي كثير من النقاشات التي تدور بين مثقفين, ومهتمين, تتكرر دائما فكرة أن مجتمعنا آمن بما لا يقاس مقارنة بالمجتمعات الغربية التي تكثر فيها الاعتداءات الجنسية على النساء, من دون أن يفكر أحدبأن هذا التحرش هو شكل من أشكال التحرش الجنسي المهين للمرأة, ودون تمييز أن من يقوم بالاعتداءات هناك الشواذ من الرجال, في حين يقوم بها هنا الطبيعيون في عرف المجتمع. وهنالك حادثة ربما تكون جديرة بالذكر هنا هي أن فتاة أوروبيةأتت إلى دمشق لدراسة اللغة العربية تلقيت توصية بها, فدعوتها إلى منزلي مرات واهتممت بها, وفي نهاية مدة دراستها شكرتني كما شكرت عدة أصدقاء على حسن استضافتهاواصفة شعبنا بالكريم والمضياف, وعندما سألناها إن كانت ستعود إلى سورية ثانية, أجابت بالنفي القاطع ورددت أنها لن تعود إلى سورية أبدا, وقد استغربت موقفها هذا وطلبت منها تفسيرا, ففاجأتني أنها تعرضت لإهانات شديدة في الشوارع, من بينها تحرشات بالأيدي من قبل الرجال وذلك ما لا يمكنها تحمله أبدا, وكانت تحكي عن الموضوع وكأنها تحكي عن تعرضها لحادثة اغتصاب, عندها خطر ببالي, كم من المهانة والذل تتعرض له نساؤنا, ومن النادر أن تنجو منه واحدة منا, ما دامت كسرت المحرم في ضميرنا الجمعي وخرجت خارج منزلها, ودون أن تجرؤ على الاعتراض, لأن الجواب جاهز, الحق عليك بما أنك خرجت من البيت, ولم تغطي كامل جسدك, فمن الطبيعي أن تتعرضي لما تعرضت له. من ناحية ثانية يتستر المجتمع كله بما فيه الأسر والمقربون, كما تتستر وسائل الإعلام, على حوادث العنف والاعتداء والاغتصاب مما يغطي على هذه المشكلات ويسهم في استفحالها,فالاعترافبالمشكلة وعرضها ودراستهاهو أساس حلها والقضاء عليها. إذا هذا جزء من العسف الذي تتعرض له النساء في بلادنا بغض النظر عن التفاصيل اليومية التي تعيشها المرأة في كل لحظة منذ أن تفتح عيونها على الدنيا وحتى نهاية عمرها. والسؤال الآن هل مارست الحكومات المتعاقبة والمنظمات الشعبية دورها بما يتناسب مع ما دعا إليه الدستور من المساواة والحرية والعدالة لكل مواطن مهما كان جنسه ؟ إننا في احسن الأحوال لا يمكننا إلا أن نتحدث عن تقصيرالدولة والمنظمات الشعبية في دعم المرأة وحقوقها, سواء بتعديل القانون أو إنشاء المؤسسات التي تخدم قضية المرأة وأوضاع النساء, أو إصلاح مناهج التعليم بما يتناسب ونظرة عصرية للمرأة, أو ممارسة الإعلام دوره في التوعية والتعريف بقضايا المرأة وحقوقها, أو تشجيع المنظمات الأهلية والسماح لها بممارسة دورها في خدمة قضايا المرأة, كما يتبدى تقصير الدولة في عدم مصادقتها على اتفاقيات التمييز ضد المرأة, وعدم التعاون الكافي مع المنظمات والمؤتمرات الدولية بغية منح المرأة حقوقها الكاملة. أخيرا ألا يعوزنا الكثير الكثير كي نزيل الحيف الواقع على المرأة, علما بأن مطالبالحركات النسائية العربية لا تزال في حدها الأدنى فكل ما تطلبه القليل من العدل والإتصاف, فكيف إذا وصلت المطالب إلى حد قانون أحوال شخصية مدني يطبق فيه الزواج المدني والإرث المتساوي, ونصف ثروة الأسرة عند الطلاق, وحضانة الطفل لمن هو أهل لها من الوالدين أو لمن يختار الطفل, ورفع سن التعليم الإلزامي, ورفع سن الزواج للمرأة بعقوبات جزائية شديدة لمن يخالف ذلك, ومنع تعدد الزوجات, وإنشاء قانون للأسرة يقوم المجتمع فيه بسلطة مشروعة في التبليغ ومنع أي عنف يمارس على الزوج أو الزوجة أو الأولاد من قبل أي فرد في الأسرة, وإنشاء مؤسسات اجتماعية ترعى المسنين والعاجزين والأيتام والأمهات الوحيدات,أليس ذلك حلما رائعا ؟ 11/ 2001 محاضرة ألقيت في منتدى المرأة الثقافي في جرمانا – دمشق "نساء سورية"
|