إذا أراد احدهم تسيير سفينة في البحر, فسيختار لها حتما قبطانا مؤهلا قادرا على إيصالها إلى بر الأمان. والفرق بين قبطان السفينة ومدير المدرسة أن نتائج الأول واضحة تراها العين المجردة, فلا مجال للحديث عن النجاح والفشل, فإما أن تصل السفينة المرفأ, أو تغرق بمن فيها, أما الثاني فيصعب تلمس نتائج قيادته على المدى القريب دون تقويم حقيقي, لأن السقوط أرضا, يمينا أو يسارا, لا يسبب الغرق المباشر بل تتوالى الصدمات والكدمات مخلفة جراحا لا تندمل ودمامل لا تشفى وكسورا لا تجبر, وهكذا يصبح الجسم عليلاً, معرضاً لكل أنواع الفيروسات والجراثيم, والضحية في هذا المجال هم أطفالنا الأبرياء جيل المستقبل. فإذا حاولت إجراء استفتاء عام بين أوساط المعلمين, فلا بد انك ستجد أن (الإدارة )هي معاناة حقيقية لدى شريحة واسعة منهم, وذلك لما عرف عن علاقة الإدارة مع المعلمين, وكأن المدرسة مزرعة شخصية يصول ويجول فيها المدير على هواه, ملوحا دائما بالنظام الداخلي الذي يحفظ بنوده غيبا, لأن كل فقراته تبدأ بـ يجب على المعلم حتى في الفقرات التي تخص حقوق المعلم؟! يحاسِب ولا يُحاسَب يَسأل ولا يُسأل, أما الاجتماعات التي يعقدها السادة مدراء المدارس ومنذ أول تجربة لي في التعليم فهي مناسبة يصبون فيها جام غضبهم وعقدهم على معلميهم بالتقريع واللوم والتأنيب, حتى بات معلمينا يصمون أذانهم طوال الاجتماع لأنهم يحفظون هذا الدرس غيبا ولا يريدون إطالة مدة التوبيخ, ويتذرعون دائما بأننا جميعاً في خدمة الطفل الحاضر الغائب في العملية التربوية,(ويا ليتهم يعقدون اجتماعا واحدا مخصصا لمناقشة مستوى تلاميذهم) ليس لهم من هم سوى البقاء على كراسيهم وآخر ما يفكرون فيه هو توفير المناخ الملائم لسير العملية التربوية, ومتابعة تحصيل التلاميذ, متمسكين بالقشور وزخارف الأمور التي يهتم بها المسؤولين عند زيارتهم لمدارسهم, وكفى الله المؤمنين شر القتال. فأين الخلل؟ ولماذا تغيب معايير المحاسبة والمساءلة؟ وهل يكفي أن يتقيد التلاميذ والمعلمون بأوقات الدوام المدرسي وإنجاز الدفاتر والسجلات والتقديرات وتزيين الصفوف ..الخ لسير العملية التربوية بالشكل الصحيح. لكي نفهم مكمن الخلل في الموضوع فيجب أن نعرف من هي الجهة المخولة بتعين هؤلاء المدراء, وما هي الآلية التي يتم من خلالها تعيين هذا المدير أو ذاك, وما هي المعايير الموضوعية والشخصية والمعطيات العلمية التي تستند إليها هذه الجهة لكي تضمن قيادة العملية التربوية بالاتجاه الصحيح لما فيه مصلحة الوطن وأبنائه. يعرف جميع العاملين في مجال التربية بأن فروع الحزب في المحافظات هي التي تقر تلك التعيينات, مستمدة هذا الحق من الدستور السوري الذي ينص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع, فكيف تعامل الرفاق مع هذه المادة, وإلى أين قادوا المجتمع, وخاصة في مجال التربية والتعليم, هل كان المعيار لتعيين المدراء هو الكفاءة, النزاهة, حسن السيرة والسلوك, القدم الوظيفي,...الخ من المعايير المنطقية, هل خضع هؤلاء المدراء لدورات تدريبية, هل كان لـ (مصلحة التلاميذ) اعتبار في هذه التعيينات. لا أبالغ إذ قلت بأن كل ما ذكرت لم يخطر ببال أحد المسؤولين عن صنع القرار, لأن ما نراه على أرض الواقع لا يدع مجال للشك بأن سيطرة القيم والعلاقات العشائرية والمحسوبية و.. وتداخلات أخرى هي القانون السائد, فيمكن أن يعين موجها تربويا من لم يدخل إلى الصف منذ عشرات السنيين, فأحد هؤلاء قضى سنيين خدمته مفرغا في فرع الطلائع وآخر تنقل من أمين سر إلى مفرغ في النقابة وفجأة أصبح موجها تربويا, وعين زميل لي مديرا بعد سنة واحدة من التخرج, وعين مديرا لمدرسة من خريجي 1993 وذلك في عام 1999, فنفش ريشه وأمسك بالقلم الأحمر ليصحح هدفا سلوكيا لزميل لنا خريج 1975, وشطب على عبارة (أن يسمي التلميذ..) وكتب بالقلم الأحمر(أن يسمِ التلميذ.) أما بالنسبة لموجهي صفوف الحلقة الثانية وبعد أن بدأ بعض المعلمين يطالبون بحقهم بالتنقلات حسب القدم فكان الحل بتعيين الخريجين الجدد من (المدعومين) موجهين وبقرار سياسي تجنبا للقال والقيل, وهذا جزء بسيط من الصورة فإلى متى؟! وهل يجوز أن يعين مديرا أو نائبا أو أمينا لمخبر أو.. الخ من أعمال إدارية, من تخرج في عام 2003و2002 و2001, من أبناء, وإخوة, وابن عم, وابن خالة, وزوجة (.....)؟!, ويكدح من بلغ من العمر عتيا في الصف الأول يجر معاناته أينما حل ينتظر التقاعد أو القبر يرحمه من معاناته. المشكلة هنا بعقلية ونمط تفكير من يتولى التعيين فماذا يمكن أن تنتج عقلية (شيخ العشيرة, كبير العائلة, صاحب المزرعة ...) إضافة لعدم وجود أنظمة يستند إليها وتلزمه التقيد بها ويحاسب عليها إن أساء أو اخطأ. كنت أتمنى بل وأحلم بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة أن تتم بعض التغييرات الحقيقية والتي تمس جوهر العملية التربوية, وخاصة بعد صدور القرار الشهير المتعلق بفصل الحزب الدولة. والسؤال هنا هل حدثت تغييرات حقيقية وجوهرية على أرض الواقع؟ من يعيش الواقع يدرك تماما بأن الأمر لم يتجاوز الحالة الإعلامية. وإذا أردنا فعلا أن نبدأ بخطوات حقيقية, فلا بد من تغليب المصلحة العامة بدلا من العلاقات ما قبل الوطنية (عشائرية, عائلية, محسوبية ...الخ). لو أن أحدهم يمتلك بقرة وفجأة تناقص إنتاج حليبها, فإنه سيبحث في الأسباب محاولا تدارك المشكلة, فكيف بالإنسان؟! 15/12/2004 |