|
العنف المنزلي.. بعض عناصر التعريف والتشخيص |
|
|
|
نجاة الرازي
|
|
2006/ 03/ 03 |
|
صفحة 2 من 3 ** العنف ضد النساء من خلال بعض أدبيات حقوق الإنسان تعد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان إنتاجا ثقافيا يكتسي صبغة قانونية، أفرزه المجتمع الدولي في العصر الحديث, كخلاصة لكل ما أنتجته الحضارة الإنسانية من قيم تمجد الإنسان وتحرص على كرامته وتقوم على صيانة حقوق الفرد بغض النظر عن أي تمييز يمكن أن يرتبط بالجنس أو الأصل أو اللون أو الدين، إذ يعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جميع الناس متساويين وأحراراً، ولكل واحد منهم "الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه" يعرف العنف في الفكر الإنساني الحقوقي كمفهوم مضاد للحرية، وكنفي لحق المواطن في الأمن والسلامة الجسدية والنفسية، وكعائق للمجتمع في تحقيق المساواة والسلم والتنمية، لكن يمكن الإشارة إلى أن مفهوم العنف لا يتحدد من خلال الأدبيات المتعلقة بحقوق الإنسان إلا بالسلب، فهو خرق للحرية ومس بالكرامة الإنسانية وبالاحترام الواجب لشخص الإنسان وانتهاك للحق في الأمن والسلامة، إنه سلوك يقوم على التمييز العنصري أو الجنسي أو الإثني أو الديني, يبرز من خلال بعض الممارسات والسلوكات والوضعيات التي تشير إليه، كالمعاملة القاسية، أو سوء المعاملة أو الحرمان من الحرية أو التعذيب. إنطلاقاً من هذه المرجعية الكونية المساواتية في عمقها، والهادفة إلى حماية الفرد وضمان حقوقه، يمكننا أن نبحث عن تعريف للعنف، باعتباره حسب تجارب النساء المعنفات، يشكل انتهاكا صارخا لحقهن الإنساني في الاحترام والكرامة والأمن والسلامة . أ- التمييز ضد المرأة كشكل من أشكال العنف خصصت الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة مادتها الأولى لتعريف التمييز الذي ينبني على الجنس، ويلحق ظلما بالمرأة فاعتبرته" أي استبعاد أو تقييد أو تفرقة على أساس الجنس يكون من نتائجه تهوين أو إحباط الاعتراف أو تمتع المرأة بحقوق الإنسان المدنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية". وإذا كانت هذه الاتفاقية لم تتطرق بشكل مباشر لمفهوم العنف، فإنها اعتبرت أنه تعبير عن اللامساواة بين الجنسين, ووضحت مختلف مجالات التمييز التي تشكل مظهراً ونتيجة لتلك اللامساواة، ملزمة الدول الأعضاء في المنتظم الدولي، والمصادقة على الاتفاقية، باتخاذ إجراءات كفيلة بمناهضة التمييز، وبالتالي مناهضة العنف ضد النساء. لعب تطور الحركات الحقوقية والنسائية عبر العالم دورا حاسما في تنامي الاهتمام بواقع العنف الذي تعيشه النساء في كل المجتمعات، والكشف عن شروط إنتاجه وإعادة إنتاجه، مما جعل لجنة وضع المرأة – ضمن هيئة الأمم المتحدة - تبذل مجهوداً في مسايرة تطور حركة حقوق الإنسان ، وتبلور مشروع وثيقة تتطرق مباشرة لموضوع العنف ضدهن، أضيفت إلى الأدبيات الأممية حول حقوق الإنسان، وصدرت تحت اسم "الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد النساء". يمكن اعتماد هذا الإعلان كمرجع معاصر كوني يعكس تطور الفكر الإنساني الفلسفي في بعده الأخلاقي المرتبط بحقوق الإنسان والمناهض للعنف. ب - الضرر كمعيار لقياس العنف يعرف الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد النساء في مادته الأولى العنف كالتالي: "يقصد بالعنف ضد النساء أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل، أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء أوقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة ". كما نص الإعلان في المادة الثانية منه على وجوب أن يشمل العنف ضد المرأة (دون أن يقتصر على ذلك) الجوانب التالية : - أعمال العنف الجسدي والجنسي والنفسي الذي يقع في إطار الأسرة، بما في ذلك الضرب والاعتداءات الجنسية ضد الأطفال الإناث في الأسرة، والعنف المتصل بالمهر ،(استعمال الصداق كثمن للزوجة)، والاغتصاب في إطار العلاقة الزوجية، وبتر الأعضاء التناسلية للإناث (الختان), وغيره من الممارسات التقليدية المؤذية للمرأة، داخل أو خارج العلاقة الزوجية. - أعمال العنف الجسدي والنفسي والجنسي التي تقع داخل المجتمع بشكل عام، كالاغتصاب، الاعتداءات الجنسية، التحرش الجنسي في أماكن العمل وفي المؤسسات التعليمية وفي أماكن أخرى، والاتجار بالنساء والإكراه على البغاء. - أعمال العنف البدني والجنسي والنفسي التي تقترفها أو تتغاضى عنها الدولة حيثما وقعت. إن التعريف الدولي الحقوقي للعنف ضد النساء, يعكس تصورا للعلاقة الزوجية مبنيا على الإيمان بحرية الزوجة كشخص مستقل و مساو للزوج، وما يثير الاهتمام أن هذا التعريف يتصور العنف الزوجي ( والعنف الأسري عموما) كظاهرة تعني الأفراد, لكنها تعني أيضا المجتمع والدولة, إذا كان يحدث داخل البيت, إلا أن آلياته وامتداداته تتجاوز البيت لتظهر في ما يصنفه الإعلان العالمي " العنف الذي تتغاضى عنه الدولة", والذي يمارس عبر المؤسسات الثقافية والاجتماعية والقانونية التي تكرس قيم احتقار المرأة وتبرر العنف ضدها . إن العنف الذي يحدث داخل البيت يكتسب حسب المنظور العالمي الحقوقي طابعاً عاماً, نظرا لآثاره التي تتجاوز الحدود الجغرافية والاجتماعية للعلاقة الزوجية, لتنعكس في الحياة الاقتصادية والصحية لكل أفراد المجتمع, فيكلف تدبيرها الدولة مجهودات بشرية ومالية مهمة. إن العنف الزوجي, حسب هذا المنظور, يعد شأنا عاما رغم أن مناسبة حدوثه هو علاقة خاصة. وإذا كانت هذه الوثيقة قد أشارت إلى العنف المنزلي من خلال تحديدها لمجال حدوثه (الأسرة)، فإن المنظمة العالمية للصحة التي تتبنى مرجعية حقوق الإنسان قد تطرقت بشكل مباشر لتعريف العنف المنزلي، إذ تمكنت في تقريرها الأخير حول العنف والصحة لسنة 2002, من تجميع معطيات حول ظاهرة العنف عبر العالم, اعتمادا على 84 تقرير, وعلى دراسات علمية متعددة الاختصاصات فخلصت إلى تعريف العنف المنزلي كالتالي: يقصد بالعنف المنزلي "كل سلوك يصدر في إطار علاقة حميمة, يسبب ضررا أو آلاما جسمية أو نفسية أو جنسية لأطراف تلك العلاقة، ويتعلق الأمر مثلا بالتصرفات التالية: - أعمال الاعتداء الجسدي كاللكمات والصفعات والضرب بالأرجل. -أعمال العنف النفسي كاللجوء إلى الإهانة والحط من قيمة الشريك, وإشعاره بالخجل, ودفعه إلى الانطواء وفقدان الثقة بالنفس. -أعمال العنف الجنسي ويشمل كل أشكال الاتصال الجنسي المفروضة تحت الإكراه, وضد رغبة الآخر, وكذا مختلف الممارسات الجنسية التي تحدث الضرر لطرف العلاقة. -العنف الذي يشمل مختلف التصرفات السلطوية المستبدة والجائرة, كعزلة الشريك عن محيطه العائلي و أصدقائه, و مراقبة حركاته و أفعاله, والحد من أية إمكانية لحصوله على مساعدة أو على معلومات من مصدر خارجي." نلاحظ أن هذا التعريف, المستند على خلفية حقوقية تؤمن بالمساواة بين طرفي العلاقة الزوجية, قد حاول، من خلال المعطيات الميدانية المتنوعة التي اعتمد عليها، أن يلم بمختلف مظاهر العنف المسلط على الزوجات، لكنه اعتمد في توضيح طبيعته على معيار الضرر الذي يلحق بضحية العنف، مما يثير تساؤلنا حول دقة هذا المعيار في تعريف العنف الزوجي، فهل يمكن الاعتماد على مشاعر الألم الناتجة عن أعمال العنف لقياسه ؟ و هل يمكن القيام برصد ه انطلاقا من تصريحات المرأة المعنفة، أم من إقرار المختص في مجال الطب والقانون مثلا؟ أم اعتمادا على ملاحظة الباحثين؟ إن الصعوبة التي تفرض نفسها في محاولات تعريف العنف الزوجي وتصنيفه تبرز أكثر إذا استحضرنا أن الظاهرة تحمل بعدا ذاتيا، قد لا يدركه الباحث الذي يسعى إلى رصد السلوك، حيث تعجز اللغة غالبا عن اختزال معاناة متشعبة ومؤلمة ضمن خطاب موضوعي وتصنيفات منهجية دقيقة، فمن خلال ملاحظتنا للعنف الزوجي عبر بعض التجارب الخاصة, تتبين لنا صعوبة وصف وضعية العنف التي تعيشها زوجة معينة، بالاعتماد على الآثار الخارجية, أو على تصريحات الضحية، كما يتبين للباحثين والممارسين في مجال العنف ضد النساء أنه من الصعب مثلا الفصل بين الجانب النفسي والجسدي والجنسي والثقافي في وضعية العنف التي قد تتعرض لها المرأة. هذه الملاحظات تدعونا إلى البحث في تعريف العنف الزوجي، اعتمادا على بعض التجارب الواقعية للعنف الزوجي وانطلاقا من تصريحات النساء المعنفات زائرات مراكز الاستماع بمدينة الدار البيضاء. ** العنف الزوجي من منظور الزوجات المعنفات إعتماداً على ملاحظة حالات العنف الزوجي المعروضة على مراكز استقبال النساء ضحايا العنف التي تأسست في مدينة الدار البيضاء منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي، يمكن الكشف عن بعض مظاهر العنف، كما تعيشها وتعبر عنها النساء الوافدات على تلك المراكز، فالشهادات المستقاة من هذه المراكز، تساعدنا في تأسيس عناصر لتعريف إجرائي " واقعي" مرتبط بتجارب خاصة، في واقع اجتماعي معين، ننطلق منه لتعميق التفكير في مسألة تعريف العنف. ** شهادات 1-"تأخرت خارج البيت لقضاء بعض الحاجيات، عندما عدت وجدته بالمنزل، أمسكني من شعري وجرني إلى غرفة النوم وهو يصرخ في وجهي بالسب والشتم، يتهمني بالخيانة، عندما واجهته بالإنكار كبل يدي ورجلي بسلك كهربائي، وربطني مع السرير، ثم بدأ يضربني عل جميع أنحاء جسمي.. أحضر السكين وبدأ " يخزني " على مستوى عنقي، ويهددني بالقتل إذا لم أعترف له بأنني على علاقة " بفلان"، بدأت الصغيرة تبكي، رماها لأمه كي تعتني بها ثم أحضر جهاز التسجيل وبدأ يرغمني على ترديد ما يقوله، وعندما رفضت وضع سطلا به الماء واستعمل سلكا كهربائيا ثم أخذ يصعقني بالكهرباء…عندما اضطررت لترديد ما يريد، أحضر الماء البارد من الثلاجة وسكبه على رأسي، أرغمني على شرب ماء ملوث " الجفاف" كل ذلك وأنا مربوطة اليدين والرجلين، بعد ذلك وضع عصا بين يدي ورجلي وفك رباطي من السرير ثم بدأ يدحرجني كالكرة وأنا أصرخ. قطع ملابسي بالسكين إلى أن عراني كليا، وأحضر آلة حديدية Tourne-Vis)) وأدخلها في جهازي التناسلي…)) بعد أن تعب حملني مكبلة ووضعني بجانب أمه وطلب منها أن تراقبني، بقيت محتجزة بالمنزل مدة 5 أيام قبل أن أتمكن من الهرب… "34 سنة، خياطة، متزوجة بصانع تقليدي. 2-" متزوجة منذ 16 سنة وأنجبت 3 أطفال، أشتغل بالبيت وخارج البيت ولا أبخل بشيء من أجل توفير حياة أسرية " هانية" لكن علاقة زوجي " بالفلوس" وتدبيره للمال أي لمدخوله ومدخولي فجر النزاعات بيننا فأصبح شرسا معي عندما رفضت تسليمه أجرتي. بعد الضرب والخنق والجر انتقل إلى أساليب أخرى لتعذيبي، يأتي مثلا بعد منتصف الليل ويوقظني من النوم لأعد له " طاجينا " ويفرض علي بالقوة أن أظل مستيقظة إلى أن ينام .. إذا غفوت يضربني بأي شيء أمامه، ويكون علي أن أكون باكرا في عملي، وأن أوقظ أطفالي وأهيئهم للمدرسة وأوصلهم، طرد الخادمة التي كنت أدفع لها أجرة لتساعدني في أشغال البيت لأنه يريدني أن أقوم أنا بكل شيء ورفض أن نشتري آلة للغسيل مرددا " لم تصلح يداك؟ … عندما يدخل إلى البيت ننكمش من الخوف، لا أدري ماذا تخبئ لي الليلة.. أصبحت أعيش رعبا. أخيرا أخذت قراري ، هربت إلى منزل عائلتي كي لا أجن وكي لا أقتله، فقد رفعت في وجهه مرة سكينا ليترك طفلتي بسلام . طاردني، أهانني، فضحني في مقر عملي، طلبني لبيت " الطاعة" لكنني واجهته أمام القاضي، قلت إنه أب غير صالح و لن أرجع إليه، أفضل السجن، في السجن لن يوقظني أحد ليلا لأطبخ له " تحت العصا" قلت للقاضي، إذا كان علي أن أختار بينه وبين السجن فسأختار السجن " 46 سنة، موظفة، متزوجة بإطار عال. 3-" أشكو إليكم الحالة المأساوية التي أعيشها مع هذا الزوج الذي يفرض علي أساليب عيش أشبه ما تكون بعهد الجاهلية، فهو يمتنع عن إعطائي المصاريف ولا يريد مراقبة حتى ابنه الذي يعاني من مجموعة من الأمراض، وهذا هو سبب نشوب صراع بيني وبينه حيث طلبت منه أن يأخذ الطفل إلى المستشفى عندما عاد يوما إلى البيت في وقت متأخر ورائحة الخمر تنبعث منه فانهال علي ضربا كأي شيء لا دم فيه ولا روح. وهذا هو حالي مع هذا الزوج الذي لا رحمة في قلبه ولا شفقة، هذا الزوج الذي يطلب مني "الخروج إلى الشارع" لكي أوفر له وللولد مصاريف العيش… والآن طردني من البيت ويقول بأنني لن أدخله إلا بعد أن أقرر الوسيلة التي أصرف بها على نفسي"خادمة، 43 سنة، متزوجة بشخص عاطل. تندرج مثل هذه الشهادات الواقعية التي تصرخ العنف وتعلنه ضمن الآلاف من الشهادات التي تضمها ملفات المحاكم ومراكز استقبال النساء ضحايا العنف ببلادنا، وتبين أن هناك تجليات للعنف تفرزها دينامية العلاقات بين أفراد تربطهم علاقة حميمة، داخل فضاء يتم تصوره وتعريفه ثقافيا وقانونيا، كفضاء للاستقرار والطمأنينة والمودة، لكنه يشكل ضمن وضعية الصراع مجالا لتوترات تنتج سلوكات عنيفة، تكتسي أحيانا طابعا عدوانيا يهدف إلى تدمير الآخر والقضاء عليه. عندما تتحدث النساء عن وضعية عنف وتسبب لهن آلاما، فإن حديثهن يتميز بتنوع وكثافة يصعب اختزالها في تعريف أكاديمي جاهز، حيث يصعب تنظيم وضعيات العنف المتأججة في أبعادها المعقدة والمتشابكة ضمن نص لغوي موضوعي ومحايد. في حديثهن عن الضرر الناتج عن العنف الذي تعرضن له، تسهب النساء في غور أعماق جراحهن, وعرض آثار إهاناتهن المتراكمة عبر فترات طويلة, قد تتجاوز زمن ومكان حدوث الفعل العنيف، ورغم هذه الصعوبة، يمكن رصد بعض المؤشرات التي تقربنا من وصف سلوكات العنف الموجهة ضد النساء والتي أدركنها كسلوكات سببت لهن معاناة، وذلك من خلال تجارب ذاتية، منحت فيها للمرأة فرصة الحديث عن عنفها، وتجدر الإشارة هنا أن الحديث عن العنف ضمن جلسات الإنصات التي يوفرها فضاء المركز للنساء المعنفات يعد تعبيرا عن الوعي به كوضعية تم الإحساس بها واستدعت نوعا من المواجهة أو من " العنف المضاد".
|