|
بهيج وردة
|
|
2006-04-28 |
أبدأ مقالتي هذه من حيث انتهت مقالة "الزواج المدني.. رأي الكنيسة والجامع"، إن لم تغير الحكومات قوانين الأحوال الشخصية المتبعة منذ عقود، فعلى أقل تقدير أن تغير المرأة الواعية والشاب الواعي قدر مؤسسة الزواج التي يقدمون على الانتساب إليها من الفشل إلى النجاح والتساوي في اختيار البقاء مع الآخر وإمكانية الانفصال عنه. من وجهة نظر شاب، هو أنا، دون أن أطلق على نفسي صفة الواعي التي أترك لقارئ المقال حكمه في النهاية، أناقش هذا الموضوع المهم، المغيّب في الأدراج، والبعيد عن حلقات البحث، حتى الجامعية منها. فقبل الحديث عن الزواج وتكوين هذه المؤسسة الاجتماعية اللبنة الأولى للمؤسسة الأكبر(المجتمع)، المكونة من اجتماع هذه اللبنات، لا بد من الحديث عن أساسات هذا البناء قبل بناءه. ولا بد من النظر إلى مثل "رجل عاقل بنى بيته على الصخر. فنزل المطر وفاضت السيول وهبت الرياح على ذلك البيت فما سقط لأن أساساته على الصخر" (*)، وأساس الزواج أفراد المجتمع الصالح المبني على تراكمات صحية صحيحة، تقتضي الاعتراف بالآخر وقبول الاختلاف والمحاورة وقبول النقاش والمساءلة، وكل هذه الأمور برسم التربية الصحيحة، سأحاول أن أنبش في ذاكرة تلميذ تراكمات هذه الأفكار وبذورها الأولى في مرحلة الطفولة وبالتحديد مرحلة التعليم الأساسي منها، خاصة انه درس في مدرسة تابعة لإحدى الإرساليات المسيحية وانتقاله فيما بعد إلى مدرسة كان فيها احد الطلاب المسيحيين المعدودين على أصابع يد واحدة لدجاجة. فلاش 1 (النشيد الوطني) كانت الصلاة الربانية "أبانا الذي في السموات" في الصباح نوعاً من النشيد الوطني لطلاب تلك المدرسة، فالاصطفاف يتبعه بعض الاستراحة والاستعداد في تهيئة عسكرية للنشيد الصلاة، يليه الدخول إلى الصفوف، وبداية يوم طبيعي يشبه أيام الدراسة في كثير من أنحاء الوطن دون اختلاف أو تمايز، فدرس الرياضة هو حصة الفارغ والاستراحة داخل الصف، وحصة الموسيقى حصة استراحة المعلمة مع استمرار تهديد عصاها، أما حصة الرسم فمواضيع حرة على الدوام، ولا بأس إن كانت صفحات الدفتر بيضاء بالكامل في نهاية العام، فالعلامات تقدر تقديراً في هذه المواد، والنجاح أوتوماتيكي في مراحل التعليم الأولى. فلاش 2 (وحدة الصف) تتشابه أيام الأسبوع في المدرسة كثيراً، ما عدا يوم واحد، من المؤكد انه ليس يوم العطلة، بل يوم من أيام الدراسة أثناء الأسبوع، لكن فيه اختلافاً في مادة واحدة فقط، ففي هذا اليوم تأتي حصة الديانة الأسبوعية، فينقسم الصف للمرة الأولى بين مسيحيين ومسلمين، تفترق الشعبة الواحدة، يغادر احد الفريقين، ويدخل فريق مماثل في الدين، منافس على صعيد الشعبة، والمراتب الأولى على مستوى المدرسة تتنافسها الشعبتان. وكل يحاول احتكار هذه المراتب لصالحه، فالحماسة التي تستثيرها المعلمات للتغلب على المنافس، تستثير الهمم في كل شعبة على حدى للتفوق على منافستها، بعد هذا الانتقال يبدأ الدرس، وينتهي كما كل الدروس. لا بل أقصر، لاستهلاك بعض من وقته في الانتقال والعودة إلى القواعد بسلام؟ فلاش 3 (عن دور العبادة) مع التقدم في السنوات الدراسية تزداد العلاقة بين التلاميذ ومعلميهم أبوة وأمومة، وتصبح تلقائية الحديث بديلاً عن التلقينية والعصا الجاهزة كل وقت والوقوف على الحائط كعقوبات لعدم الحفظ أو الاستيعاب، وتصبح سياسة العصا والجزرة أفضل من العقاب، ويصبح الحديث عن الرضا الأبوي أو الأمومي، مرتبطاً بالكلام عن الرضا الإلهي والعلاقة مع الخالق، ويستفيض الكلام عن دَور دُور العبادة والحصول عل علاقة مميزة، فيتم الاستفاضة عنها في دروس الديانة، ويصبح التشجيع للعبادة نوعاً من الواجب المفروض يومياً، والمقبول بكل رضىً، لوجود قدوة مشجع، يطنب في مديح الملتزمين بالصلاة، فكيف بالخدمة؟! وغالباً ما اختلط جرس بدء الدوام ببداية نهاية القداس، لكن لا بأس من التأخير فهذه وصايا القدوة، والحصة الأولى له، فلا بأس من بعض المديح على الريق، بعد قربانة نهاية الصلاة. فلاش 4 (نظرة من الداخل) يصل كثير من الطلاب مبكرين عن وقت الدوام، لأن وسائل النقل تصل مبكرة. وتكون فرصة طيبة للعب قبل بداية اليوم الدراسي، بينما يتوجه البعض إلى الكنيسة المتاخمة لباحة المدرسة.. والتي يفصلهما باب مفتوح على الدوام! لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، ولا فرق بين إنسان وآخر. فالجميع يزور الكنيسة، إما فضولاً أو رغبة بالتعرف، أو سعياً نحو دفء المكان وجماليات الطقوس، أو واجباً إيمانياً. يتكلم الجميع عن التناول ولذة القربان، دون معرفة سوى القليل عن رمزية هذا الطقس. أحد الخدام المقيم بشكل دائم في الكنيسة يتأفف من هذا الجمع. ويحار في المنع أو السماح. لكن قدسية المكان تبقي تأففاته حبيسة الهيكل. تنتهي الصلاة، يتخاطف الجميع القربان في فعل جماعي مشترك، لكن الإجماع يبقى ليتحدث عن لذة الطعم فقط. فلاش 5 (مصطلحات) عبد الستار يقف بجانب عبد الله في الطابور الصباحي، يرددان معاً الصلاة الربانية (النشيد الوطني)، سامر صامت دوماً في الصباح رغم حفظه الغيبي لكلمات النشيد. لكنه علمنا أيضاً "باسم الآب والابن نط ّ الخوري عالتبن"، رامية عندما تفزع تستنجد بالعدرا(**)، وعندما تصلي تصلي للعدرا. زينب يلهج لسانها بالدعاء إلى الله. تيريز لا تكف عن الحلفان برسمة الصليب التي تخربشها على صدرها بمناسبة أو بدون مناسبة. فادي يصر على تحليف رامي، ورامي مصر على أن الحلفان حرام. كل هذه الأشياء لم تكن تلحظ إلا بعد درس ديانة. فلاش 6 (الدين والأسطورة) رغم وجود الكثير من التقاليد الموروثة عن شعوب المناطق التي خرجت منها الأديان، إلا أن مجرد استخدامها في الأديان طهرها من رجس ما قبلها. وفعلها في كينونته فقط. نسمع عن الهرطقات والارتدادات، نكبر ونقرأ كتباً في التاريخ بعيدة عن مناهجنا المدرسية السابقة. نتشوش ونضيع، ونستمع إلى نقاشات وحوارات.. لكننا نظل حبيسي المرجعية المدرسية التي فيها عشنا مرحلة طويلة ولا نستطيع الإفلات منها، لقوتها في غرس ما أرادت في عقل قابل للتصديق دون شك بالمطلق. خاتمة هل يكون إلغاء تدريس الدين في مرحلة التعليم الأساسي جيداً، حتى تتم التربية بعيداً عن الدين أقرب إلى العلمانية، تاركين للمنزل خيار التعليم الديني إن شاء؟! دون نسيان حجة المدافعين عن تدريس الدين بأنه تحصين مبكر وتمتين للأخلاق، وإملاء لفراغ موجود. على أن يتم استبدال هذه المناهج المفرّقة، بمنهاج موحد يعلم الأخلاق والحكمة والخير والجمال والحب، مستوحىً من جميع الأديان، حتى غير السماوية منها، والتي يدين بها عدد غير قليل من الناس. (*) متى ( 7 : 24- 26 ). (**) المقصود هنا العذراء مريم. بهيج وردة: طالب جامعي سوري. عن مجلة عشتروت العدد 12-13-14. 22/6/2005 |