|
أي معنى للأخلاق خارج مصلحة النوع في البقاء؟ |
|
|
|
حبيب معلوف
|
|
2006-04-28 |
|
صفحة 2 من 2 القيمة الذاتية ليست القيمة هي لكل ما هو بشري فقط، ولم يعد مقبولا اعتبار ان قيمة كل ما هو غير انساني هي قيمة اداتية فقط (لمصلحة الانسان). كل شيء له قيمة وجودية وحياتية، وان ازدهار ما هو حي على الارض، له قيمة جوهرية وذاتية، وان قيمة الاشكال غير البشرية للحياة مستقلة عن النفع الذي تقدمه للاغراض البشرية الضيقة. لا يحق للنوع الانساني اذاً (ضمن مفهوم الحق الطبيعي المستند الى مصلحة الحياة للبقاء والتجدد)، كونه كائنا يقيم ويقوم، ان تكون له قيمه الخاصة على حساب باقي الكائنات. اما حول ادعاء الانسان انه يتميز عن غيره من الكائنات المعروفة بأنه كائن "عاقل" وانه كائن اخلاقي "يقيم"، اي لديه سلم قيمي... فهذا يجعله "مسؤولا" اكثر من غيره، وعن غيره ربما. ولعل نسبية القيم بين المجموعات البشرية عبر التاريخ وفي التاريخ، التي توحي بانها غير مطلقة، هي مدعاة للتواضع الانساني ايضا. والمسؤولية في القضية البيئية، هي مسؤولية متعددة الاوجه. مسؤولية اي فرد تجاه نفسه وتجاه باقي الافراد. ومسؤوليته تجاه باقي الكائنات التي يشترك معها في وحدة الوجود والمصير، وعليه ان يحافظ على بقائها. ومسؤوليته تجاه الاجيال القادمة حيث لا يستطيع ان يلزمها بقراراته ويحملها (في المستقبل) مسؤولية تصرفاته (الحالية). نحو تعزيز حب الامتلاء لا الامتلاك ان الكرة الارضية ومواردها كافة، من معدنية ونباتية وحيوانية، تشكل ميراثا (بمعنى الوديعة) مشتركا يخص البشرية جمعاء وليست ملكا لأحد في الوقت نفسه. انها بمثابة ميراث لا يمكن التصرف به. وتسعى الاخلاق البيئية الجديدة الى تعزيز حب الامتلاء الداخلي الذي يعتمد على الغذاء الروحي عند الانسان، والتخفيف من وهم حب الامتلاك المادي. حب الامتلاء الفكري وليس حب الاستهلاك المادي... لان في ذلك سعادة اعمق. فالزيادة المادية في الاستهلاك لا تعني بالضرورة تحسيناً لنوعية الحياة، لا بل قد تعني تهديداً جدياً لشروط ومقومات هذه الحياة. ثم إن وهم السعادة وحب التملك والاستهلاك لا يقتصران على الأغنياء فقط. الفقراء أيضاً متوهمون، ويساهمون في دفع العالم إلى حافة الهاوية. فلا وجود لفقراء لا يملكون شيئاً، ولا بد من أن تكون لديهم ملكيات صغيرة. ومهما كانت صغيرة، فهم يحرصون عليها ويتعلقون بها كالأغنياء وأكثر. وهم كالأغنياء أيضاً، لديهم رغبة شديدة في المحافظة على ما يملكون وزيادة ممتلكاتهم. وربما تكون لديهم متعة أكبر في امتلاك الأشخاص لا امتلاك الأشياء المادية فقط. وهذا ما يفسر زيادة الولادات في المجتمعات الفقيرة، ربما. وبفتح موضوعنا على مشكلة جديدة لن ندخل فيها في هذه العجالة. وقد تتوسع دائرة حب الملكية وأوهامه لتشمل بالإضافة إلى المقتنيات والأدوات، الأحبة والأصدقاء والصحة والعقيدة والفكرة... وقد تصل إلى الأسماء والمواقع الاجتماعية والألقاب والمهنة والمركز والصورة التي لدينا عن أنفسنا أو التي نحب أن يرانا بها الآخر... وإلى كل ما من شأنه أن يملكنا بدلا من أن نملكه، وأن يضللنا ويسلبنا ذاتنا الحقيقية فلا نعود "نحن" ككائنات تتوق إلى التحرر. على أي حال، ليست السعادة عند البيئيين، في الغنى الذي يعني الزيادة في الملكية أو في الاستهلاك. فليس الغني هو الذي يملك كل شيء، لأن لا أحد يستطيع أن يملك كل شيء، ولا هو الذي يستطيع أن يستهلك الكثير، فلا بدَّ من أن يظل الشعور بالنقص وعدم الاكتفاء يلازمه إذا كان الاستهلاك هدفه. الغني هو الإنسان المستغني، هو الكائن الحر المتحرر من سيطرة الأشياء الخارجية ومن أوهام الحاجات الكاذبة. إنه المستغني عن كل ما هو غير ضروري للحياة. من هنا، فقد أضحى مطلب المساواة مطلباً بالغ الخطورة اليوم إذا كان على قاعدة تحقيق الثراء لكل الناس والوصول إلى مجتمع الرفاهية والبحبوحة التي تعني القدرة المتعاظمة على الاستهلاك. ويكمن وجه الخطورة في طبيعة المجتمع الاستهلاكي واقتصاد السوق وفي كل ما من شأنه أن يقوم على تعاظم قوى الإنتاج والاستغلال حتى الاستنزاف، وعلى التنمية اللانهائية التي لا تتناسب مع كوكب محدد بموارده المحدودة. من هنا ضرورة إعادة النظر في علم الاقتصاد اليوم الذي يجب أن يستند إلى علم البيئة ونتائجه وإعادة النظر في طريقة الاستهلاك التي يجب أن تلبي الحاجات الضرورية فقط. والأسئلة الإضافية التي يفترض ان نطرحها على انفسنا: لماذا أصبح الاقتصاد هو الهمّ الأساسي في الحياة؟ ومتى أصبح كذلك؟ لماذا لا نعطي لأنفسنا الوقت الكافي، للتأمل، في ما نحن لا في ما نملك، والتفكير في وجودنا لا في الموجودات؟ نشأة الأخلاق وحب البقاء من الطبيعي ان تتبنى الايديولوجيا الايكولوجية التفسير الطبيعي لنشأة الاخلاق اكثر من التفسير الغيبي. مع ان الداروينية قد اعترفت بوجود فرق جوهري بين النوع الانساني والنوع الحيواني في مسألة الاخلاق، وذلك في ما يتعلق بوجود ما اسماه ب"الضمير"، الذي تميز به النوع الانساني، الا ان داروين لم يبحث عن نشأة هذه الفروقات خارج المعايير التطورية. وهذا يعني ان داروين اعتبر ان الاخلاق تطورت بشكل تدريجي وليس عبر قفزات نوعية. وبقي السؤال لماذا حصل هذا التطور عند النوع الانساني وحده؟ الإشكالية الاخلاقية الثانية التي واجهتها النظرية التطورية هي التالية: لو اقتصر دور "الانتقاء الطبيعي" على تحقيق المنفعة الفردية، وحيث لا يهم كل فرد الا نفسه في صراعه مع الآخرين من اجل البقاء... لما وجدت "الاخلاق"! لأن قوام وقمة الفضائل الاخلاقية هما "حب الغير" او "الايثار"، كما يسميها البعض. وقوام هذه الفضيلة هو الاحساس بالمسؤولية تجاه تحقيق الصالح العام، صالح النوع، او صالح الحياة، والقيام بأعمال تحقق نفعا للغير على حساب القائم بها (بمعنى التضحية بالنفس من اجل الآخر او الغير). ويعرف المتابعون للعلوم البيئية معنى تلك الصيحات التي يطلقها قائد مجموعات بعض الحيوانات عندما يشعر بخطر اقتراب احد المفترسات (ما يسمى بالعدو الطبيعي) للفت انتباه المجموعة، ولكنه في الوقت نفسه، يكون اول من يتعرض لخطر الافتراس... يرى البعض في "الإيثار الانساني"، المعبر عنه بحب وتضحية الاهل (لا سيما الام) تجاه الاولاد، والعواطف العائلية، والعواطف بين الاحبة... نوعا من الملذات الذاتية ايضا، نوعا من تحقيق الذات، وتأمين خلود النفس عبر استمرار الذرية... الخ. ويرى فرويد ان "الضمير الاخلاقي" قد تشكل، حين شعر الاولاد بالاثم والندم من جراء قتل الاب بهدف الحصول على الام وكل ما كان يملكه الاب لوحده، اي الندم على القتل لغير دافع البقاء. كما رد البعض الاخلاق في نشأتها، و"القوانين" الاولى مثل "تحريم سفاح القربى"، الى اسباب طبيعية بحتة، اكثر منها اخلاقية، اذ تم ملاحظة وجود تشوهات في الولادات من جراء زواج ذوي القربى... الخ، مما انعكس خوفا على الحياة والبقاء. إلا ان النتيجة على المستوى الاجتماعي واحدة. هناك نوع من التضحية والخروج من الذات للالتقاء بالذات الجماعية، او اعتبار الذات جزءا من الذات العامة والكلية، وجزءا من شبكة الحياة ودورتها. ويبدو ان الاخلاق في نشأتها وجوهرها، هي غريزة الدفاع عن بقاء النوع، وهي اخلاق بيئية. على المستوى الفردي، ان نكون بيئيين، يعني ان نسعى الى بناء وتحقيق الذات وتثقيفها كأولوية على اي نشاط خارجي، الاهتمام بحب المعرفة لذاتها والسعي للفهم العميق والجوهري، بدلا من حب مجرد تداول المعلومات، واعتبار المعرفة هي في معرفة الذات اولا وليست اداة للسيطرة. الترشيد ليس شكلاً من أشكال الفقر، أو إنكار الذات، أو حرمان النفس، كما يعتقد البعض، بل هو قيمة إيجابية: هو القيام بالمزيد بأقل ما يمكن، الأمر الذي تقوم به الحياة دوماً على نحو بديع. ففي الطبيعة توازنات دقيقة واساسية تقوم عليها جميع العمليات الحية. فالنباتات تنبذ الاوكسيجين وتمتص غاز الكربون طوال فترات تعرضها للشمس، فتغني الجو بالاوكسيجين. والحيوانات والنباتات تمتص الاوكسيجين وتطلق غاز الكربون اثناء تنفسها ليلا. وكل عملية تخمير في الطبيعة تنتج غاز الكربون. وتتوازن كل هذه الظواهر الثلاثة. وهنا تأتي عملية "اعادة الاستخدام" التي لا غنى عنها لإدامة التوازنات الايكولوجية الكبرى ولاستمرار التوازنات الاقتصادية ايضا.8/54/2005
|