|
قوة المعرفة ودورها في التنمية البشرية المستدامة |
|
|
|
د. كريم أبو حلاوة
|
|
2006-04-28 |
مجتمع المعرفة مرحلة جديدة من مراحل التطور أعقبت المرحلة الصناعية وهي التي يطلق عليها (ألفين توقلر) السيسولوجي الأمريكي الشهير اسم (الموجة الثالثة)، باعتبار أن البشرية قد عرفت في تاريخها موجيتين حضاريتين سابقتين هما: موجة عصر الزراعة، وموجة عصر الصناعة، وها هي ذي اليوم تدخل عصر المعرفة. نجم مجتمع المعرفة عن ولادة وتكامل ثورة المعلوماتية المركبة، إذ أصبح الانتقال من المعرفة العلمية إلى تطبيقاتها التكنولوجية أمراً أكثر سهولة بزمن أقل وبمردودية اقتصادية أعلى من جهة، فضلاً عن الاندماج بين تكنولوجيا معالجة المعلومات (الكومبيوتر وتطبيقاته) وبين ثورة الاتصالات الرقمية وتطبيقاتها (الشبكات ـ الإنترنت) من جهة ثانية. وإذا كان المجتمع الصناعي يعتمد على البخار والفحم والميكانيك ثم على النفط والكهرباء والطاقة النووية مثلما يعتمد على الرأسمال الذي يستعين بقوة الدولة لتأمين المواد الخام وفتح الأسواق، فإن مجتمع المعرفة/ المعلومات يعتمد أساساً على العقل البشري وكشوفاته في الإلكترونيات الدقيقة والهندسة الحيوية والذكاء الصناعي والاتصالات والكومبيوتر، علاوة على إمكان توليد المعارف والمعلومات حول شؤون الأفراد والمجتمعات، واختزان هذه المعلومات مع إمكان استردادها وتوصيلها بسرعة الضوء إلى أي بقعة في العالم. وقد بات واضحاً اليوم أننا إزاء شكل جديد من التطور المجتمعي يعتمد في نمط سيطرته ونفوذه على المعرفة عموماً، والعلمية منها خصوصاً. مثلما يعتمد على كفاءة إنتاج المعلومات واستخدامها في جميع مناشط الحياة ومجالاتها، حيث تتعاظم مكانة صناعة المعلومات وأهميتها بوصفها الركيزة الأساسية في بناء الاقتصادات الحديثة، وتتعزز قوة الأنشطة المعرفية لتتبوأ أكثر المفاصل حساسية وتأثيراً في منظومة الإنتاج الاجتماعي. وغالباً ما يطلق على هذا التحول خطأً (عصر ثورة المعلومات)، ذلك لأن المعلومات لا تشكل إلا جزءاً من الثورة المعرفية التي تقوم على العلم والتقدم التكنولوجي في مجالات البيولوجيا ونظريات الكم/ الكوانتا وميادين الاتصالات والمعلوماتية، وعلى التفاعل المستمر بين هذه الحقول المعرفية الثلاثة. ولأول مرة منذ أن كتب (فرنسيس بيكون) قبل ما يقارب أربعة قرون، أن (المعرفة قوة) يتوقع علماء (المستقبليات) أن تكون المعرفة وتطبيقاتها إحدى أهم مظاهر القوة في عالم الغد. ولعل التطور الأبرز في هذا المشهد ظهور المقدمات اللازمة لولادة (اقتصاد المعرفة)، وهو ميدان اقتصادي جديد يقوم على فهم أكثر عمقاً لدور المعرفة في إعداد الرأسمال البشري المتعلم والمدرس وحسن الاستفادة منه في عملية التنمية البشرية المستدامة، إذ الإنسان بطاقاته ومواهبه منطلق التنمية وأداتها، مثلما هو هدفها النهائي وغايتها. وما لم نُعد النظر في استراتيجياتنا التنموية بحيث نجعل من الاستثمار في مناجم العقول أولوية ثابتة، لأنه الاستثمار الأمثل على المدى المتوسط والبعيد، فإننا نفوِّت دون مبرر، إحدى الفرص الهامة للانخراط في ميادين السبق التي ستفرز بالنتيجة الأمم والشعوب التي ستساهم في صياغة ملامح الغد عن تلك التي ستكتفي بأخذ موقع المنفعل السلبي والمتفرج على ما يحدث. لقد أصبحت المعرفة مورداً اقتصادياً يفوق بمردوديته وكفاءته الموارد الاقتصادية الطبيعية. فالقيمة المضافة الناتجة عن العمل في القطاعات الكثيفة المعرفة تفوق بعشرات المرات وربما بمئاتها القيمة المضافة الناتجة عن العمل في القطاعات الاقتصادية التقليدية. لم تعد الثروة مجرد مواد خام وطاقة، ولا حتى صناعة وزراعة تقليديتين. الثروة الفعلية التي لا تنضب هي ثروة المعرفة. ويكفي إلقاء نظرة على مساهمة القطاعات الاقتصادية والشركات التي تعمل في مجال الذكاء الصناعي والبرمجيات والتقانات الحيوية إضافة إلى الاتصالات وأنظمة التسلح للتأكد من أن المعرفة المتقدمة قد أدخلت المجتمعات التي تحاول احتكار الإنتاج في هذه القطاعات الحساسة المرحلة الما بعد الصناعية. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد زاد حجم السوق العالمية للخدمات المعلوماتية عن تريليون دولار منذ عام الألفين. ولعل أكثر ما يعنينا في البلدان النامية والعالم العربي إدراك مدى وعمق ما تحمله هذه التحولات من نتائج وآثار مباشرة وبعيدة المدى. فمن منظور التنمية البشرية، لم يعد مجدياً بالنسبة للمجتمعات التي تحاول تنمية مواردها وحفز اقتصاداتها واللحاق بركب التقدم العلمي تجاهل هذه التأثيرات أو التأخر في أخذها بالحسبان، بصيغة أخرى تقتضي النظرة النقدية لحالة التنمية في البلاد العربية، العمل على إجراء زيادات حاسمة في الإنفاق المخصص لتعزيز إنتاج المعرفة ونشرها عموماً، مع إيلاء اهتمام خاص للتعليم في مراحله المختلفة والبحث العلمي بمختلف ميادينه، مع إعطاء أفضلية لبعض القطاعات التي تعدّ استراتيجية ويشكل النجاح فيها قاطرة ودافعاً لمزيد من النجاحات التنموية، على ما تشهد بعض التجارب الآسيوية في التحديث. فاستراتيجية بناء القدرات البشرية وما تستلزمه من تجويد نوعية التعليم وخلق البيئة المناسبة لتشجيع البحث العلمي وتوفير الحريات الأكاديمية لإعداد الخبراء والباحثين وتشجيع الابتكار وحماية حقوق الملكية الفكرية ودعم أصحاب براءات الاختراع، يمكن أن تخلق الأرضية الضرورية لحفز صحوة معرفية أصبحت أكثر من مطلوبة، نظراً لما يمكن أن توفره من ميكانيزمات ونتائج ستنعكس بالضرورة ليس على رفع مؤشرات النمو الاقتصادي فحسب، بل وعلى (نوعية الحياة) بوصفها استحقاقاً تنموياً أصيلاً يستحق الجهد والمتابعة. فمؤشرات الرفاه الإنساني وتحسين نوعية الحياة أمر يتعدى النتائج الاقتصادية الإيجابية للنمو، ويتطلب مشاركة جميع المعنيين بالشأن التنموي، أي الدولة والقطاع الخاص والمنظمات الأهلية NGO ، بعد أن أثبتت التجارب أن العزوف عن المشاركة في الشأن العام قد شكل في الماضي أحد أهم أسباب فشل التجارب التنموية في بلداننا في جيلها الأول على الأقل. 25/5/2005 |