|
الآخر في كتب تدريس "التيار الحكومي الديني في إسرائيل": عقلية مانوية |
|
|
|
أحمد أشقر
|
|
2006-04-28 |
|
صفحة 1 من 3
المقدمة تهدف العملية التعليمية- التربوية في كافة مراحل ومدارس ومعاهد التعليم والتربية من مرحلة الروضة إلى مرحلة الدراسة الجامعية العليا إلى: 1- تفكيك ما هو قائم (قديم- حاضر) من أدوات معرفية: تقنية، مهنية، أخلاقية وفلسفية، وإنتاج وبناء أدوات معرفية قائمة جديدة (حاضرة- مستقبلية). 2- يعمد القائمون على العملية التربوية إلى استخدام هذه الأدوات، من أجل تثبيت مصالحهم المجموعاتية: القبلية، والطائفية، والعرقية، والقومية، والطبقية... وكل مجموعة استثنائية أخرى، من خلال التفكيك والبناء- سواء من خلال تسوية مع مجموعة أو مجموعات أخرى، أو بصراع تناحري معها. كلنا يعرف أن الأطر والمجموعات التعليمية- التربوية المختلفة، الفاعلة في "إسرائيل"، تعمل بتنسيق معلن وغير معلن من أجل تثبيت دولة الاحتلال وتقوية المجموعات الدينية اليهودية المختلفة فيها وكافة أماكن تواجدها في الخارج، على حساب المشروع الوطني- القومي الفلسطيني ومصالح كافة الفلسطينيين (والعرب) في الوطن والمنافي. و تستمد شرعيتها في احتلال وطننا وقمع شعبنا من: الوعد الذي وعده "يهوه" لـ "أبرَم/ أبرَهَم" التوراتي، والقوة العسكرية والمقدرات الاقتصادية والثقافية التي راكمتها في "إسرائيل"، والقوانين التي سنتها "الكنيست" منذ الاحتلال عام 1948، والدعم الدولي الاستعماري، وتهاون غالبية الأنظمة العربية... وعدم قدرة الشعب الفلسطيني والأمة العربية من تنظيم مقدراتها في أطر فاعلية قادرة على التحرير والاستقلال. وما تشويه صورة الآخر- العربي وسلبه إنسانيته، سواء في كتب التعليم أو في كافة مجالات الحياة والثقافة المختلفة، إلا أداة تحشيد من أجل أن يشترك الجميع في قمعه. يعتبر الجهاز التعليمي- التربوي بكافة مراحله ومستوياته وأقسامه، أحد ثلاثة أجهزة: الجيش وكافة الأجهزة "الأمنية" المختلفة، والنظام والقدرات الاقتصادية الهائلة وجهاز التربية والتعليم، في تثبيت الدولة وقمع واحتجاز تطور الفلسطينيين. حيث أن أهدافه (التربوية- التعليمية) تتمفصل مع الجهازين الأخريين، وما يفرزه يؤثر تأثيرا مباشرا على قدرتهما. إذن: هو الوسادة التي يتوسدها المجتمع والدولة والتراث. من الأهداف التعليمية- التربوية "الإسرائيلية"، السعي دائما سعيا حثيثا إلى إعلاء شأن ومكانة الشخصية والهوية الفردية والجمعية للأفراد\ المجموعات\ القوى المسيطرة، بأساليب وأشكال غير عقلانية، على حساب الفرد\ المجموعة\ القوى التي لا تنتمي إلى منظومة الأهداف ومصالح اليهود و"الإسرائيليين- مقابل الفلسطينيين والعرب. أما في المنظومة المعرفية الدينية اليهودية، إن الذين لا ينتمون إلى منظومة مصالحها هم كُثْر، وعادة ما يسمون "جوي" و "جوييم" (آخر\ آخرين\ أغيار\ غرباء)، غير اليهودي وغير اليهود... وأبرز الـ"جوييم" في الفكر الديني اليهودي- "الإسرائيلي" المعاصر، هم العرب الفلسطينيين، لأنهم أحفاد الكنعانيين، وإسماعيل ويسوع المسيح، والمسلمين- الفلسطينيين الرافضين، في مستويات الشعور والأحاسيس دولة اليهود "إسرائيل" وكل ما ينبثق عنها. وسبب الهدف واضح: إعطاء شرعية دينية- أخلاقية- سياسية للمجموعات اليهودية- "الإسرائيلية" الاستمرار بالسيطرة على وطن الفلسطينيين وقمعهم واحتجاز تطورهم. وزرع في ذهنية وتفكير اليهود- "الإسرائيليين"- تربية الأخر- أن العرب الفلسطينيين- أنهم أقل شأنا من حيث المكانة والحضارة والقدرات مقارنة باليهود- "الإسرائيليين"، كي تسهل عملية قمعهم والسيطرة عليهم من خلال منظومة معرفية وأخلاقية دونية ينتجها الآخر ويذوتها عن نفسه. تهدف هذه الدراسة إلى رسم صورة الآخر، كما تظهر\ أو لا تظهر عندما يتوجب ذلك في كتب تدريس العلوم الإنسانية والاجتماعية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية للتيار الحكومي الديني في إسرائيل". تعتمد هذه الدراسة إلى إيراد النصوص التي تتحدث عن الآخر، والواردة في كتب التدريس المذكورة وتحليلها ورسم صورة الآخر، كمحصلة إجمالية. وستستند إلى الكتب التي تتحدث عن موضوع معين، وستغفل الكتب التي تعيد تكرار الموضوع ونفس الصورة. وبما أن الدين والتاريخ والتراث والاجتماعيات يرفد الواحد الآخر، سأعتمد تقسيم قراءة وتحليل الكتب بحسب عدة مواضيع، مثل الآخر في: كتب الدين والتاريخ والأدب الشعبي. فقد استثنيت الكتب التي تتحدث عن الصراع الحالي، لأنها كتب سياسية وبحاجة إلى باب وأدوات أخرى في البحث. ولكثرة الكتب، يتجاوز عددها 200 كتابا، التي يسمح بتدريسها في هذه المدارس، اخترت مدرسة واحدة " المدرسة الشاملة المشتركة" في المستوطنة الزراعية، "سدِيه إلياهو- حقل إلياهو بالعربية"، القائمة على أراضي غور الأردن في الأرض المحتلة منذ العام 1948. وهي مدرسة مشتركة لخمس مستوطنات محسوبة على التيار الرسمي الديني. ويفد إليها كلّ يوم عشرات الطلبة من المستوطنات القريبة. قسم من كتب هذه المدرسة يدرس أيضا في مدارس علمانية ودينية مختلفة. والهدف من اختيار هذه المدرسة وهذه الطريقة، هو تصوير الآخر، على ارض الواقع، كما يبدو في الكتب المدرسية المستعملة في مدارس هذا التيار. والكتب قديمة وحديثة وما تزال تستعمل للتدريس إلى يومنا. وستعمد هذه الدراسة إلى عدم تكرار الأدبيات السابقة وإن تقاطعت معها. لذا اخترت مواضيع محددة جدا لتصوير الآخر، وثم رسم صورة كلية له وتحليلها. انشغلت الدراسات السابقة في البحث عن صورة الفلسطيني- العربي- المسلم في أعين "الإسرائيليين"، وذلك لسببين اثنين: الأول- ويعتقد أن سبب هذه الصورة هو الصراع العربي- "الإسرائيلي"، وأتباع هذا الرأي قلّة هم. والثاني- الذي يعتقد أن الأسباب هي جزء من الثقافة العربية الإسلامية، وما الصراع الكولونيالي إلا تعبيرا عن هذا (مصالحة: 2001). وقد تغيرت صورة العربي من الغريب المثير الذي لا يمكن إدراكه وموضوعا للتقليد، إلى الغريب اللا- إنساني. وسلب الصفات الإنسانية من العربي، حولته من غريب إلى غريب- مثير (أهروني: 1999). كانت نافا زوهر أول من بحثت صورة العربي في كتب التدريس الرسمية(العلمانية والدينية) في العام 1972، وقد خلصت إلى أن صورة العربي سلبية في جميع الكتب. وأما ما يخصّ كتب التيار الرسمي الديني، فقد وجدت أن الحرب ضد العرب هي حرب مطلقة ويجب إبادتهم (زوهر: 1972). أما هرصل بنيامين الذي كتب عن علاقة العرب واليهود في سياق الصراع الكولونيالي، فقد وجد هو الآخر، أن صورة العربي سلبية، وفي بعض النصوص أعتبر العربي مجموعة شاذّة (بنيمين: 1987). وبحثت روت فيرر موضوع التربية من أجل الديموقراطية في 25 كتابا مدرسيا، فوجدت في خمسة كتب فقط، إن المعلومات والقيم معقولة تجاه العرب (فيرر: 1988). كما بحث كل من دانييل بارطال وشموئيل زولطاك صورة العربي في كتب تدريس اللغة العبرية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، فخلصا إلى أن صورة العربي تظهر في سياق الصراع الكولونيالي، وهي سلبية (بار طال وزولطاك: 1989). وبحث أيضا يورام بار- جال صورة العربي في كتب الجغرافية التعليمية في القرن العشرين، فخلص إلى أن صورته تنوعت من الصورة الإثنية والعاطفية... والأنثروبولوجية Bar-Gal: 1994).) وكذلك بحثت حيزي بروش صورة العربي في كتب تدريس اللغة العربية التي تدرس في بعض المدارس اليهودية، فخلص إلى أن صورة العربي جزئية، وغير موضوعية وغير متوازنة (Brosh:1997). أما عاموس يوفال الذي بحث عن صورة العربي والإسلام في 360 كتابا مدرسيا في السنة الدراسية 1999- 2000، لم يجد أية صورة سلبية للإسلام والأمة العربية، إلا أنه لم يجد أية رغبة فيها لإنهاء الصراع وإحلال السلام معهم (يوبال: 2000). ترى راحل هيلر دجاني أن مسؤولية تصوير الآخر بصورة سلبية في كتب التدريس المختلفة، تقع على عاتق جهاز التربية والتعليم: "كل من هو ليس "منّا" هو آخر ولذا فهو خطير، عدو، ويجب تدبر أمره- إما تغييره أو طرده" (دجني: 1998). من هنا ومما تقدم أيضا، نفهم أن سلب صورة الآخر الإنسانية ما هي إلا جوهرا ليس فقط في جهاز التعليم، وإنما في كافة الأجهزة المختلفة... والمشرّع الذي لا يفعل شيئا من أجل ضمان تغيير هذه الصورة وإعادة إنسانيتها لها. تتوزع هذه الدراسة على ستة محاور وخاتمة: 1- أهداف منهاج التعليم 2- جذور العداء للآخر 3- الآخر في كتب الدين 4- العداء المقلوب للسامية 5- الموقف من العرب المسلمين 6- الأخر في القصص الشعبي - الخاتمة\ اليهودية- المانوية1- أهداف منهاج التعليم الديني يهدف التعليم الرسمي الديني إلى: 1- التربية الدينية الإيمانية- "[...] مبنية على رؤية عالم دينية شاملة التي تشمل كل مظاهر الحياة [...] ويعتبر نفسه جهاز تعليم رسمي الذي يرعى خصوصيته الدينية ويدمج التعليم والمسؤولية من أجل إقامة الفرائض والإيمان بالله. [...] ويسعى إلى تشكيل السلوك الديني للتلاميذ حسب الشريعة ويعطيهم الأدوات من أجل التعامل الديني القيمي. [...] يخاف الله ومؤمن، وينفذ الشريعة في حياته اليومية". 2- التربية الاجتماعية- [...] يربي على قيم التي بين الإنسان وتجمعه وشعبة وبلاده" 3- التربية السياسية- [...] تربي على احترام الصلاحيات الدستورية الحكومية، من أجل الحفاظ على قوانين الدولة وعلاقة احترام مع الرموز الوطنية" (www.education.gov.il). بكلمات أخرى: لا حضور للآخر، الكائن الإنساني بالمرّة. وجهاز التربية والتعليم الذي يتجاهل الآخر وكل ما يخصّه، لهو جهاز تعليم مغلق يفضل طرفا على آخر كمقدمة لإقصائه من كافة ميادين الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية... ويجوز طرده كما فعل اليهود مع الفلسطينيين ويخططون لذلك أيضا.2- جذور العداء للآخر عندما يقف العريس اليهودي بين يدي الكاهن من أجل أن يتم عقد قرانه على عروسه ويباركهما، يردد صلاة: "مبارك أدونَي1 الذي لم يخلقني جوي/ goy (آخر) مبارك أدونَي الذي لم يخلقني امرأة مبارك أدونَي الذي لم يخلقني عبدا". والزواج هو من أجل تشكيل العائلة والتكاثر- وكما ورد في كتاب يتحدث عن الأحوال الشخصية للمرحلة الابتدائية: "اليهودية ترى العائلة نواة قوية يجب الحفاظ عليها بشدة" (آيزنبرغ؛ 1999: 5). والكتاب يتحدث عن تشكيل العائلة وتكاثر اليهود دون أن يأخذ بعين الاعتبار أهمية الزواج وتشكيل العائلة عند الآخرين. وتردد هذه الصلاة في صلوات أخرى أثناء اليوم. يمكن فهم لماذا يكره الرجل اليهودي المرأة- لأنها مصدر الخطيئة في العهد القديم (والجديد أيضا). ولماذا يكره العبودية: لأن اليهود كانوا عبيدا في مصر قبل غزوهم لأرض كِنَعَن- بحسب النصّ التوراتي. أما لماذا يكره اليهودُ الغرباء، رغم كونهم غرباء- بحسب العهد القديم- في كل مكان وزمان، فهذا بحاجة إلى شرح: أعتقد أن مكانة الغريب في العصور الغابرة (وإلى مدى معين في حاضرنا) كانت في أسفل السلم الاجتماعي في تلك المجتمعات، لأنهم لجأوا لحاجة طلب الغذاء والماء، أو هربوا من عدو نتيجة هزيمة ما، أو طردوا لعدة أسباب. بالطبع ما من أحد يتوق إلى وضع كهذا. لذا نظرت القبائل والشعوب الأصلية إلى الغرباء- اللاجئين بنظرة علوية- دونية. فأسندت إليهم الأعمال الوضيعة في سوق العمل والتي لا تدر أرباحا كافية لمعيشتهم وتطورهم واستقرارهم. بعض اللاجئين- الغرباء قبلوا ويقبلون هذا الواقع وينتجون منظومة معرفية تعتمد إلى إرث قديم لهم، إما لتثبيته أو تجاوزه بصورة وهمية.- هذا فعلا ما حصل مع اليهود. لذا وبما أن اليهود أبقوا على علاقات معينة فيما بينهم، وامتهنوا مهنا ميزتهم (شاحر؛ 1990: 10- 11)، الأمر الذي منع السكان الأصليين من الاتصال بهم في سبيل بناء مجتمع موحد. فقد بنوا الجيتو، بالطبع لم يرض اليهود بواقع اللجوء- الغربة، لأنهم بقوا غرباء وفي أسفل السلم الاجتماعي- السياسي- لذا عملوا على إسقاط واقعهم السيئ على السكان الأصليين وحملّوهم مسؤولية الواقع. لذا نرى في كافة مركبات الثقافة اليهودية أن غير اليهودي\ الآخر يتحمل مسؤولية واقع اليهود السيئ، وأنهم أرقى منه خلقا ومعرفة وأنهم مصدر التوحيد، رغم أن العهد القديم ينفي هذا بشدة. بكلمات أخرى: إن صورة الآخر في الثقافة اليهودية سلبية للغاية. لكن المثير هو تحوّل اليهود الغرباء والوضعاء فعلا إلى "شعب الله المختار". فقد اتخذوا من هذا الخلفية أيديولوجية مقدسة. في كتاب "شعب يسرَءل- شعب الله المختار" والذي يمتد إلى 160 صفحة، محشو بالاقتباسات من المصادر الدينية المختلفة أقوال تعزز وتدعم هذا الادعاء. أما أكثر الأقوال إثارة هو قول للرابي مهرال من براغ، الذي يقول فيه: "آل يسرَءل يدعون: "أبناء" الله، لكي يُعَبَر عن العلاقة المباشرة والخاصة بين الله سبحانه وتعالى وشعب يسرَءل" ويضيف: "[...] إن اختيار الله سبحانه وتعالى شعب يسرَءل تنبع من الله ذاته ولذلك أعمال بني آل يسرَءل السيئة لا تبطل هذا الاختيار" (عمونئل؛ 1995: 68 و70). أي أن، هذا الاختيار جوهره ثابت ومقدس، ويخص اليهود فقط دون بقية الشعوب والأمم. كل ما تقدّم يتجلى في ميزة أساسية تميز الديانة اليهودية عن المسيحية والإسلام، ألا وهي أن اليهودية ديانة غير تبشيرية، وتثقل ،إلى حدّ التعجيز، على كل من يريد اعتناقها. ويصل الحدّ إلى رفض التيارات الأرثوذكسية الأصولية أن يكون أتباع التيارات الإصلاحية يهودا. أما الأرض التي يقطنها آل يسرءيل، فهي الأخرى تصبح مقدسة لسببين: ذاتية- لخصال فيها- ولأن آل يسرءل يسببون لها هذه القداسة. هذه القداسة ثابتة هي الأخرى ولا تتبدل مهما يحدث ويجري معهم: "لها قداسة أبدية، لم تتغير ولن تتغير" (آيزنبرغ وآخرون؛ 1994: 5). لذا التنازل عنها، أو تقاسمها مع الآخرين يعتبر حراما.
|