|
الثقافة.. والرؤية المعرفية الإسلامية |
|
|
|
فائز البرازي
|
|
2006-04-28 |
الثقافة عمومآ ذات طبيعة يصعب تعريفها كظاهرة معقدة. إذ ظل مفهوم الثقافة عبر التاريخ الإنساني متعدد التعريفات حسب زوايا النظر إن كانت سياسية أو إجتماعية أو فلسفية أو لغوية أو دينية. على أن أهم ثلاثة تعاريف مطروقة ومتبناه أكثر من غيرها في علميّ الإجتماع والأنثروبولوجيا هي: 1- التعريف الذي طرحه / إدوار تيلور / عالم الأنثروبولوجيا البريطاني في نهاية القرن التاسع عشر والذي يقول: (هي ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعرفة والعقيدة والفن والتقاليد، وأي قدرات وعادات أ خرى يتعلمها الإنسان كعضو في المجتمع). 2- التعريف الذي طرحه / لسلي وايت / عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي والذي يقول: (أن الثقافة هي القدرة الرموزية عند الإنسان). فهو يربط مفهوم الثقافة عند الإنسان، بقدرة الإنسان على إعطاء " معاني " للأشياء ويخلقها ويستعملها، وبالتالي فبرأيه (أنه لا يوجد إنسان بدون ثقافة، ولا توجد ثقافة بدون إنسان). 3- التعريف الذي طرحه / ألفريد كوبر / عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي، فقد أبقى النقاش حولها مفتوحآ دون حسم، خاصة في ظل المفاهيم المختلفة لها، مثل: (ان ليس للثقافة حضور مادي، بل لها حضور مجرد، وبالتالي لا يمكن أن يوجد علم حول شيئ لايمكن رؤيته)، برأي / رادكليف براون /. ثم للوصول إلى تعريف، تساءل البعض أين توجد الثقافة؟ حيث قال البعض بأنها توجد في العقل، وآخرين قالوا أن الثقافة هي سلوك، والبعض قال أن الثقافة هي ملمح مجرد عن السلوك ويوجد حتى لدى من أنكر وجود الثقافة نفسها. ويرى / ليسلي وايت / أن الثقافة توجد على ثلاثة مستويات: توجد في الأعضاء البشرية كالأفكار والمشاعر وغيرها - وتوجد في السلوكيات بين الأفراد - وتوجد في الأشياء بإعتبار الثقافة عنده تتكون من اشياء وأحداث حقيقية قابلة للملاحظة. أما علماء الإجتماع فقد ضيقوا من معنى مصطلح الثقافة، فأصبحت في المجمل عندهم تعني ما أطلقوا عليه: (الأفكار الرئيسية للمجتمع والتي تشمل عقائد ورموز وقيم وأعراف). وبالتالي فإن مفهوم الثقافة وخاصة في علم الأنثروبولوجيا يبقى صامتآ عما يمكن تسميته (الجوانب الميتافيزيقية) للعناصر الثقافية أة الرموز الثقافية مثل: اللغة والفكر والعقيدة والمعرفة والقيم والأعراف الثقافية والأساطير. وإن صمت العلوم الإجتماعية الغربية عن الرؤى الميتافيزيقية للرموز الثقافية، ينسف زعم هذه العلوم عن تبنيها للموضوعية. فحضور المعالم الميتافيزيقية، حقيقة ذاتية في صلب هذه الرموز. وعمومآ فالثقافة هي كبرى ميزات الجنس البشري الذي منحته - الثقافة - السيادة في هذا الكون. على أن أهم من كتب عن الثقافة في الوقت الراهن ونحن في بدايات القرن الواحد والعشرين - في رأيي - هو المفكر والفيلسوف / تيري إيجلتون / مؤلف كتاب: (فكرة الثقافة) والذي أهداه إلى مفكر عربي هو: / إدوارد سعيد /. ويرى " إيجلتون ": أن هناك علاقة جدلية بين الطبيعة والثقافة، يتجلى فيها البعد التكويني الإنساني، أو الفعالية الإنسانية. فالثقافة وليدة الطبيعة، وهي أداتها لتغيير ذاتها وإعادة تغييرها مجددآ. ويرى أن الطبيعة أداة فاعلة، لكن الثقافة: والتراث الإنساني، أداتان فاعلتان. والعمل الإنساني هو الذي يهيئ الفرصة للتأثير. وبدون الطبيعة لا ثقافة، ودون الثقافة لا تغيير للطبيعة. والعمل الإنساني لحمة وسدى هذه العلاقة الجدلية. ويرى أن الثقافة في مبتدئها تعني تهذيب النفس، وهو معنى يحمل وجهين. فهنا توحي بإنقسام " داخل الذات "، بين كيان يشذب، وآخر أشبه بمادة خام تظل موضوعآ للصقل والتشذيب. وبذلك تكون الثقافة إنتصارآ على النفس، بقدر ماهي تحقيق للذات حيث يتحد الفعل الناشط بالإنفعالية. ويؤكد " إيجلتون ": على تداخل مفهوم التعددية والتنوع، مع مفهوم الهوية الذاتية والتهجين الثقافي. ويبرز في هذه النقطة، نظرة / إدوارد سعيد / إذ يقول: (جميع الثقافات متداخلة في بعضها بعضآ. لا ثقافة فريدة ونقية، الكل هجين متغاير الخواص، متباين على نحو إستثنائي، ولا يمثل بنية متجانسة أحادية التكوين). ويطرح " إيجلتون " مفهوم الثقافة عند / تي. إس. إليوت / محورآ لرؤيته التحليلية النقدية في مفهوم (الثقافة المشتركة). أي الجامعة بين ثقافة النخبة / العليا، وثقافة العامة. إن " إليوت " يتبنى رؤية خاصة بشأن مشكلة الثقافة / العليا. ويرى أن نشوء ثقافة مشتركة بين النخبة والجماهير، لا يعني على الإطلاق ثقافة مساواتية، ذلك لإختلاف مستويات الوعي بين الأقلية والجماهير. ففي رأيه أن: الثقافة هيكل عمل فني وفكري حكر خاص للنخبة. بينما الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي تنتمي للعامة. ويمكن لهذين الشكلين للثقافة أن يتهاجنان. وعلى عكسه، يرى / رايموند وليامز / من اليسار السياسي أن: أي ثقافة لا يمكن أن تكون ماثلة بالكامل ومكتملة في الوعي. إنها منفتحة النهاية. الثقافة عنده هي شبكة من المعاني والأنشطة المشتركة، ونامية بإطراد في إتجاه تقدم الوعي. ومن ثم إلى إلى إنسانية كاملة لمجتمع كامل. والمشاركة هنا كاملة من جانب جميع أبنائها نخبة وعامة. إنها صياغة جمعية. ولهذا فإن الشيئ الأهم: (ليس السياسة الثقافية، بل سياسة الثقافة). و هنا جوهر الإختلاف بين" وليامز " و "إليوت ". ويعقب " إيجلتون " فيقول: (في مواجهة هذا التطور الثقافي، يتعين أن نتذكر حقيقة واقعية ومعقولة. إن المشكلات الأساسية التي نواجهها خلال الألفية الجديدة: الحرب والمجاعة والفقر والمرض والديون والعقاقير المخدرة والتلوث البيئي وإستعباد الشعوب، ليست ثقافية على الإطلاق. إنها ليست أبدآ مسائل خاصة بالقيمة أو الرمزية أو اللغة أو التقليد أو الإنتماء أو الهوية فضلآ عن الفنون). ويرى أن(الثقافة ليست فقط ما نعيش به، إنها أيضآ وإلى حد كبير، ما نحيا لأجله: الوجدان، العلاقة، الذاكرة، القراية، المكان، المجتمع المحلي، الإشباع العاطفي، البهجة الفكرية، الإحساس بمعنى أساسي وجوهري. فهذه أقرب إلى النفوس من مواثيق حقوق الإنسان أو المعاهدات التجارية). ومفهوم الثقافة في البحث المتعمق في جوهر الأشياء وأسسها، ينظر إليه من خلال منظور (الرؤية المعرفية) - الإيبستيمولوجيا - ويجب أن نميز تمامآ بين مفهوم مصطلحات: الثقافة - المعرفة - الرؤية المعرفية. ولا بد أن نبين أن مفهوم " الثقافة " من خلال منظور إسلامي، يختلف في " رؤيته المعرفية " عن نظرائه في العلوم الإجتماعية الغربية، التي تغيب (الموضوعية) التي لاتشوبها عواطف أو قيم أو مفاهيم أو رغبات مسبقة. فالموضوعية هي سمة للفكر الذي يكون متفقآ مع الواقع ومع الحقيقة. الرؤية المعرفية الإسلامية: إن حق المعرفة هو جزء أساسي من حرية الرأي، التي هي دعامة حقوق الإنسان. إذ لا يمكن ممارسة (حرية التعبير) دون التمتع بالحق في (تلقي المعلومات الصحيحة). أي أن إطلاق حرية التعبير مع حجب المعلومات والمعرفة، هو تفريغ لذلك الحق من مضمونه. والخطاب الإسلامي كله بدأ بكلمة (إقرأ) أي: اعرف وافهم. وهذا ينسجم مع النهي عن الإنقياد وراء المجهول: (ولا تقف ما ليس لك به علم) الإسراء 36. فالمعرفة حق للناس ليس قابلآ للمساومة أو الحجب. والقرآن الكريم هو المصدر الأول للإسلام في شتى المستويات، وبالتالي فإن " الرؤية المعرفية الإسلامية " الأصح عن طبيعة الثقافة هي في إكتشاف " الرموز الثقافية " وطبيعتها في النص القرآني الذي يمكن للباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي من وجهة الرؤية المعرفية الإسلامية، في بناء مفهوم للثقافة ذي مصداقية أكبر. وفي دراسة نشرتها " وجهات نظر " للأستاذ / محمود الذوادي / يقول فيها-بتصرف-: أن منهجية إستكشاف الرموز الثقافية وطبيعتها في النص القرآني تتكون من التالي: 1- ان النص القرآني يحفل بالآيات التي تعطي مكانة خاصة ومتميزة للإنسان من بين كل المخلوقات الأخرى كافة، سواء كانت روحية كالملائكة أو كائنات أخرى تعيش على الأرض. فالإنسان في القرآن هو الكائن الفريد الذي يحتل المرتبة الأولى من حيث الأهمية بعد الله في الكون. وهو خليفة الله في الأرض بمفهوم أخذ مقاليد " السيادة " بعد الله: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة). وغصطفاء الله لآدم قد بني على " المعرفة والعلم " أكثر من غيره الذي منحه الله لآدم: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال إنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ماعلمتنا..). ومن ذلك فالتمييز هو في " المعرفة والعلم: (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما تكتمون). من هذه الميزة للإنسان، جاء أمر الله للملائكة بالسجود لآدم دون غيره كتكريم وتمييز له: (وإذ قلنا للملائكة إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى وإستكبر وكان من الكافرين). كذلك فإن كلمات قرآنية مثل " كرم " و " فضل " تميز سمتيّ تمييز بني آدم عن غيرهم من المخلوقات. وهذه الرؤية القرآنية للجنس البشري تمثل (قطيعة معرفية كاملة) مع نظرية التطور عند / داروين / وغيره، وهذه من النتائج المعرفية الأساسية في النص القرآني. وهذا التمييز والتكريم ناشئ من (الهبة المعرفية / العلم) التي أعطاها الله لآدم دون سواه. 2- والسجود قد تم بعد (نفخ الروح)، روح الله في آدم: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين). فهناك علاقة قوية بل وسببية بين نفخ الروح الإلهية في آدم، ودعوة الله الملائكة للسجود له. وحيث قد أتت كلمة (الروح) في النص القرآني بمعاني مختلفة، فقد إختلف المفسرون على معنى كلمة (روحي) في الآية. وإنه من الأسلم عدم الخوض في تفصيلات تعريف كلمة الروح لقوله تعالى: (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). لكن ومع إختلاف المفسرين لمعنى كلكة الروح " كبث الحياة "، ومع المنطق، ومع معاني العلوم الحديثة، فالإعتقاد أن (الروح) ليست بمعنى " بث الحياة ". فالحياة مبثوثة في كل الكائنات الحية، وبالتالي لايمكن لمجرد عملية بث الحياة أن تعطي للإنسان هذا التمييز عن باقي الكائنات وليؤهله بأن يكون خليفة الله على الأرض. ويمكن أن أقول - والعلم عند الله - أن هناك مصطلحين يمكن إستخدامهما هما: (النفس) و (الروح). فالنفس " بفتح النون والفاء " هي الحالة المشتركة بين كل الكائنات الحية ويجب أن تكون أيضآ غير النفس " بتسكين الفاء ". أما الروح فهي الخاصية الفريدة في الإنسان فقط الغير معروف كنهها. وعلوم الأنثروبولوجيا والإجتماع والنفس، تجمع على أن الإنسان يتميز ويتفوق على غيره من الكائنات الأخرى بما تسميه تلك العلوم (بالثقافة) التي تعني " الرموز الثقافية ": اللغة، الفكر، المعرفة / العلم، الدين، القيم، الأعراف الثقافية... فالجنس البشري ينفرد بتلك المنظومة من الرموز الثقافية التي تؤهله للدور الموكل له. وكأن معنى (نفخت فيه من روحي) - والله أعلم - يصبح دليلآ على أن (النفخة الإلهية) هي نفخة " ثقافية "، نفخة الرموز الثقافية في آدم وحده التي أعطته هذا التمييز. من هنا يمكن الإعتقاد أن للقرآن " رؤية معرفية " بخصوص " الرموز الثقافية " كمعلم مميز للجنس البشري. وهذه (النفخة) ذات جذور وطبيعة متعالية / ميتافيزيقية حسب الرؤية القرآنية، حيث مصدرها عالم السماء وليس عالم الأرض. وما يميز الرؤية الإسلامية " للرموز الثقافية " عن الرؤية الغربية لها، أن الرؤية الغربية يغلب عليها الوصف الوضعي المستند إلى عالم الحس والكم. بينما في الرؤية الإسلامية فإن (جوهر) هذه الرموز الثقافية يتسم بلمسات متعالية / ميتافيزيقية تجعلها تختلف عن صفات مكونات الجسم البشري وعالم المادة فقط. فهوية الإنسان هي هوية ثنائية: منظومة الرموز الثقافية من جهة، والعناصر العضوية البيولوجية والفيزيولوجية من جهة أخرى. واللمسات المتعالية / الميتافيزيقية للرموز الثقافية يمكن تبيان بعضها كالتالي: 1- ان ليس للرموز الثقافية " وزن وحجم " كما هو الأمر في المكونات البيولوجية والفيزيائية للكائنات الحية وعالم المادة. وهذا يبدو الأساس في تأهل الرموز الثقافية للإتصاف بالأبعاد المتعالية. 2- تتمتع الرموز الثقافية " بسهولة سرعة إنتقالها " عبر المكان والزمان بسبب ما ورد سابقآ، كحلول الفكس بدل البريد العادي. فالفاكس ألغى صفتيّ الحجم والوزن والزمن والمكان من الشيئ المرسل. وكذلك في الكلمة المنطوقة وأجهزة الإتصال الحديثة والإنترنيت. 3- لا تتأثر الرموز الثقافية بعملية " النقصان " عندما نعطي منها للآخرين، كما يحدث في عناصر عالم المادة. فإذا أعطينا ونقلنا ومنحنا وعلمنا الآخرين شيئآ فلا ينقص هذا من معرفتنا وعلمنا وفكرنا وقيمنا الثقافية شيئ. 4- للرموز الثقافية " قوة هائلة " تشحن الأفراد والمجتمعات بطاقات كبيرة تمكن أصحابها من الإنتصار على أكبر التحديات بكل أصنافها المتعددة. فمثلآ أثبتت قيم الحرية والعدالة والمساواة عبر التاريخ البشري الطويل، على أنها رموز ثقافية قادرة على شحن الأفراد والمجموعات بطاقات جبارة تشبه إلى حد ما القوى الماورائية الصاعقة التي لا يستطيع أحد إعتراض سبيلها. إن حكايا الناس عن المعجزات في بعض الأحداث الفردية أو الجماعية التي تدخل سجل التاريخ بالرغم من عدم توفر المعطيات المادية لذلك، هي في الواقع الغالب تجليات لأثر الرموز الثقافية الحاسم في ميلاد وتفعيل حركية السلوكيات البشرية في المجتمعات والحضارات الإنسانية على مر العصور. وأخيرآ. فإن الثقافة في الرؤية المعرفية الإسلامية تستحث وتطالب المفسرون المحدثون بالإفادة من الرصيد المعرفي العلمي لمجمل العلوم وخاصة للعلوم الإجتماعية المعاصرة فيما له علاقة بفهم سلوك الأفراد والجماعات وحركية المجتمعات. 4/5/2005 |