|
قراءة معاصرة في التنزيل الحكيم حول المجتمع الإنساني والمساواة |
|
|
|
د. محمد شحرور
|
|
2006-04-28 |
|
صفحة 2 من 2 2- أو أن لا ينفي مصالح الفئات والأحزاب الأخرى، ولا ينفي نشاطها السياسي، وهذه هي الديمقراطية القائمة على التعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، والانتخابات، وحرية الرأي والرأي الآخر، وحرية الصحافة والكلمة والفكر، ضمن مجتمع مدني تتجسد فيه الثقافة الحقيقية للشعب بكل متنوعاتها، ويكون صاحب الحق بالتشريع فيه هو إجماع الأكثرية، شرط عدم نفي الأقلية مهما كان نوعها مهنياً أو دينياً أو قومياً، وعدم نفي حقها بالوجود والحرية والتعبير والممارسة السياسية. لكن هذا الاحتمال الثاني لا يتحقق إلا في مجتمع ناشط اقتصادياً، ومتقدم علمياً وتكنولوجياً، وواعِ لمسؤولية مواطنيه أمام المجتمع ولأهمية الانتخابات والرأي العام، وإلى أن الدولة ليست سلطة مفارقة عن الشعب فلا يوجد شيء أسمه مصلحة الدولة ومصلحة الشعب، فهناك مصلحة واحدة هي مصلحة المجتمع الذي يوجّه الدولة من خلال مؤسساته المدنية التي يمكن أن تعد بالمئات. فالحاكم في مجتمع مدني من هذا النوع يهاب المحكومين ويخافهم لأنهم هم الذين يوجهونه، على عكس الأنظمة الديكتاتورية. والسياسة في دولة مجتمعها من هذا النوع، تقوم من أجل التعايش بين الفئات على مبدأ التنازلات المتبادلة من كل مجموعة لصالح المجموعات الأخرى. والبرلمان باعتباره الممثل الوحيد لكل مجموعات وفئات المجتمع لا لبعضها هو المكان الوحيد الذي تدور فيه نقاشات المصالح واقرار التنازلات المتبادلة، وهذا هو جوهر الديمقراطية. فالديمقراطية تؤتي أكلها عندما يكون الاقتصاد والسياسة الاقتصادية هي العصب الأول المحرك للقرار السياسي، لأن الهم الاقتصادي (مستوى المعيشة/ مستوى الدخل/التأمين الصحي والاجتماعي..الخ) هو الهم المشترك بين جميع فئات المجتمع بمستوياته ومجموعاته دون استثناء، الذي يستحيل قهره أو إغفاله أو إهماله. فإذا حصل وأغفله القرار السياسي والبرنامج السياسي عن جهل أو عن عمد أو قام بقهره وقمعه، تراه يعبر عن ذاته في صور مشوهة يتجسد فيها الفساد الإداري والأخلاقي بأبشع أشكاله (دعارة/رشوة/غنى غير مشروع). وفي ظل دولة ديمقراطية ومجتمع مدني تظهر السمات والثقافة الحقيقية للمجتمع بكل فئاته صغيرة كانت أم كبيرة. أما لو حاولنا تطبيق الديمقراطية على مجتمع منقسم إلى مجموعات، لا تعتبر المصالح الاقتصادية والمعاشية والإنتاج والخدمات أساسية ومسيطرة فيه، نتج عندنا ديموقراطية ممسوخة. وهذا مانراه واضحاً في الدولة القبلية العشائرية وفي الدولة الدينية، حين يتم تقسيم المجتمع إلى مجموعات ذات طبيعة قبلية، أو إلى مجموعات ذات طبيعة دينية، بدلاً من تقسيمه إلى مجموعات ذات طبيعة اقتصادية ومصالح مشتركة في المجموعة الواحدة متنازعة في المجموعات المختلفة. فحين طبعت الأسرة والعشيرة والقبيلة التقسيمات المجتمعية بطابعها ظهر المجتمع الذكوري (المجتمع البطركي)، وهذا ما كان سائداً عند العرب في زمن البعثة النبوية. حين كان يجري حل الأمور السياسية على أساس (القبيلة - العشيرة - العائلة)، مما نفهم معه لماذا كانت المرأة عندهم عنصراً ثانوياً لاحقاً، مرتبطاً بمجتمع الأبوة، تدور معه أينما دار، ولماذا ظلت هذه الصيغة الاجتماعية سائدة في عصر التدوين وتطور الفقه الإسلامي تاريخياً، ولماذا مازلنا نعيشها حتى بعد مرور أربعة عشر قرناً كاملة. ومن هنا نفهم أخيراً سبب الذكورية الأبوية التي سيطرت على الفقه الإسلامي في زمن التدوين والتأصيل، والتي مازالت تسيطر على فكرنا الفقهي حتى اليوم.. وإذا عرف السبب بطل العجب. هذا كله يفسر لنا ما حدث في السقيفة والجمل وصفين، والتي انعكست على علم المواريث بشكل واضح جلي بتفضيل الذكور على الإناث وتبرير ذلك بأن الذكر هو المسؤول من أخ وعم، وبالتالي يأخذ حصة أكبر، وهذه إحدى إشكاليات الإرث التاريخي. وما حدث في الفتنة الكبرى، يوم كان قرار تعيين الحاكم ينطلق من أساس قبلي عشائري أسري مسيطر على المجتمع (المهاجرين- الأنصار - الأوس - الخزرج - الأئمة من قريش)، وكان العامل الاقتصادي ثانوياً في الأهمية عندما كانت العقيدة أقوى من الغنيمة، حتى عهد عثمان بن عفان، حيث بدأ العامل الاقتصادي يحتل مكانته ويمشي جنباً إلى جنب مع العامل القبلي العشائري الأسري. مما يدل على أن الأمور السياسية التي حدثت في عهد البعثة وفي عهد الراشدين هي قرارات سياسية لا تخضع للأسلمة وغير قابلة لأن يقاس عليها، ووضع هذه الأحداث في سياقها التاريخي يسمح لنا أن لا نستحي مما حدث في الفتنة الكبرى ويعفينا من مهمة الدفاع أو الهجوم على بعض الصحابة وإقامة محكمة لهم. أما حين تم تقسيم المجتمع إلى مجموعات على أساس ديني، أي إلى مسلمين مؤمنين ونصارى ويهود وبوذيين وبراهمة وعبدة نار، ثم تم تقسيم المؤمنين إلى سنة وشيعة، والنصارى إلى أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، ثم تم تقسيم السنة مثلاً إلى شافعية ومالكية وحنابلة وأحناف، ومثلها باقي الطوائف الأخرى، أصبحت الدولة دولة دينية، وتراجع العامل الاقتصادي ومعاش الناس ورفاهيتهم إلى المرتبة الثالثة أو الرابعة، وساد الاستبداد والقمع. وفي دولة من هذا النوع لا يمكن تحقيق الديموقراطية، سواء وجدت فيها انتخابات أم لم توجد. ذلك لأنه إما أن تقع الدولة بالقوة تحت سلطان طائفة معينة تنفي الآخر وتسيطر على القرار السياسي والتشريعي، تارة خلف شعار حاكمية الله وتارة تحت شعار هكذا أجمع العلماء. أو أن تقع الدولة تحت سلطان طائفة تشكل الأكثرية، فتصبح الانتخابات مبرراً شرعياً لنفي الآخر والسيطرة على القرار السياسي والتشريعي وفرض ديكتاتورية الأكثرية خلف شعارات مختلفة. وفي كل الأحوال نجد المال والنفوذ والأنشطة الاقتصادية محصورة بيد هذه الفئة أو تلك، مما يؤكد ما قلناه عن العلاقة المباشرة بين الاقتصاد والسياسة، فهما لا ينفصلان حتى لو أردنا لهما ذلك. أخيراً، حين يجري تقسيم المجتمع على أساس قومي اثني شوفيني، وتسيطر فيه إحدى هذه القوميات وتنفرد بالسيادة لنفسها، وتقوم الدولة بنفي القوميات الأخرى، تظهر ديكتاتورية الأكثرية القومية. والمشكلة هي أن القومية لها وجود موضوعي، والدولة القومية موجودة فعلاً وحقاً. فالقومية هي حاملة الثقافة، حيث تحدد لغة القوم آلية التفكير عند المتكلمين بها. ومن هنا فنحن نقول "الثقافة العربية"، أي الثقافة المكتوبة باللغة العربية بغض النظر عن قومية كاتبها. وبما أن القومية وجود والإسلام عقيدة وسلوك، فإننا نقول "الثقافة العربية الإسلامية". ج - المجتمع المدني هو الحل: بعد هذا كله قد يخطر لسائل أن يسأل: فما الحل والطوائف موجودة والقوميات موجودة والمشاكل الخارجية موجودة وتناقض المصالح الداخلي موجود بمختلف أشكاله القومية والطائفية والاقتصادية؟ نقول: الحل هو في المجتمع المدني والدولة المدنية. إذا كان المجتمع بالأساس الفعلي الواقعي يتألف على صعيد الدين من مجموعات، وعلى صعيد القومية من مجموعات، وكذلك على صعيد العمل والمهنة والدخل والوضع الاجتماعي، فيجب أن يكون هناك قاسم مشترك يجمع هذه المجموعات ويوحدها في مجموعة واحدة، هذا القاسم المشترك هو المواطنة. وبوجود هذا القاسم الذي يربط أفراد كل المجموعات بعضهم ببعض يظهر مفهوم المساواة بين أفراد كل المجموعات، ويندمج الجميع في مجموعة واحدة هي مجموعة مواطنين، تمثل مفهوم الشعب، وتتجسد فيها العلاقة الجدلية بين "أنا" المواطن الفرد، وبين "نحن" المواطنين في المجموعة. هذا الرابط المشترك الجامع الموحد، يجب أن يكون معروفاً ومعرفاً، فالمساواة بين أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات يوجب وجود قانون مدني يتساوى فيه وأمامه الجميع بدون استثناءات، ويخضعون للمساءلة. كما يوجب وجود معايير أخلاقية Code Ethics ومثل عليا يخضع لها وبما أن المعايير الأخلاقية هي أركان الإسلام فبهذا المفهوم لا يمكن فصل الإسلام عن المجتمع وعن الدولة فبدون هذه المعايير يتحول المجتمع إلى مجتمع غابة وتتحول الدولة إلى وحش مرعب. إن للإسلام أركاناً شرحها وفصلها التنزيل الحكيم ، تعتبر المثل العليا والوصايا الأخلاقية ركناً هاماً منها، تمثل ما أسميه ميثاق الإسلام فهي مثل عليا أخلاقية إنسانية عامة، تفقد الدولة بغيابها المبرر الأخلاقي لوجودها، لا يستطيع الفرد ولا الجماعة في كل أنحاء الأرض الخروج عنها. وهذا هو الجانب العالمي للإسلام، وهذا هو مصداق قوله تعالى (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الأعراف 158. لقد قلنا، ونقول دائماً، إن الإسلام كما نراه في التنـزيل الحكيم هو الدين الوحيد عند الله، والذي لا يرتضي بديلاً عنه من عباده. وقلنا ونقول دائماً إن الإسلام بدأ بنوح واختتم بمحمد مروراً بجميع المذكورين في التنـزيل من أنبياء ورسل، وقلنا ونقول دائماً إن أركان هذا الإسلام تضم مُثُلاً عُليا أخلاقية إنسانية، جاءت في رسالات الرسل على شكل وصايا، ترسم للإنسان أينما كان خط السلوك القويم (الصراط المستقيم) وتبين له ما يفعل وما لا يفعل. والمتأمل في آيات الوحي العظيم يرى أن ثمة وصايا لنوح جاءت ضمن ما أوحاه تعالى إلى خاتم أنبياءه محمد (ص)، وهي ذاتها وصايا إبراهيم وموسى وعيسى، وذلك في قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) الشورى 13. لقد كانت المثل العليا والقوانين الأخلاقية الإنسانية عند نوح وابراهيم وموسى وعيسى مجرد وصايا، كما في قوله تعالى:) ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) في سورة الأنعام 151 و 152، ثم ارتفعت درجتها في الرسالة المحمدية لتصبح محرمات، كما في قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ) الأنعام 151، والمحرمات في التنزيل الحكيم إثنا عشر محرماً، تسعة منها في سورة الأنعام سمّاها تعالى الصراط المستقيم، أما العاشرة فهي محارم النكاح في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُــمْ وَأَخَوَاتُكُمْ….) النساء 23. وأما الحادية عشرة فهي تحريم الربا في قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا..) البقرة 275، وأما الثانية عشرة والأخيرة فهي تحريم المحرم من المآكل والذبائح وغيرها في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) المائدة 3. وتفصيل هذه المحرمات هو الذي عناه تعالى بقوله: (وَمَا لَكُمْ إلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) الأنعام 119. يضاف إلى هذا كله عدد آخر من المحرمات وردت في الرسالة المحمدية ولم ترد فيما قبلها من الرسالات السماوية نخص منها بالذكر: الأشهر الحرم (التوبة 136) و المسجد الحرام (النمل 91) وصيد البر في حال الإحرام (المائدة 96). ونتوقف عند قوله تعالى في سورة الأنعام 153، وهي الآية التي تلت المحرمات التسع الواردة بشكل وصايا في الكتب السالفة: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). ونفهم أن صراط الله المستقيم هو الأخذ بالوصايا الواردة في الآيتين السابقتين 151،152، ولهذا قال (فاتبعوه) بصيغة المفرد، أما الخروج عنها فقد جاء بصيغة الجمع في قوله (ولا تتبعوا السبل). ذلك لأن الوصايا لا تصير صراطاً مستقيماً إلا بإتباعها دفعة واحدة ككل لا يتجزأ. أما الخروج عنها فلا يمكن أن يكون دفعة واحدة، إذ يستحيل أن نرى إنساناً يقتل ويعق والديه ويحنث باليمين ويخون العهد ويشهد الزور ويأكل حق اليتيم ويمارس الفواحش ظاهرها وباطنها. وعلى رأس ذلك كله يشرك بالله، ويخرج عن صراط الله المستقيم بكل سبله جملة واحدة. قد نجد في الواقع إنساناً يشرك بالله ويبر والديه، أو يغش بالمواصفات ولا يشهد الزور، أو يحسن رعاية اليتيم ويطفف في المكاييل، وقد نجد إنساناً يرتكب الفواحش وآخر لا يشهد بالحق وثالثاً يشرب الخمر ورابعاً يلعب الميسر، لكن من الاستحالة بمكان أن نجد إنساناً واحداً خرج على كل هذه الوصايا دفعة واحدة، وهذا معنى صيغة الجمع في قوله تعالى: (ولا تتبعوا السبل). نعود لنتأمل هذه الوصايا التي سماها تعالى الصراط المستقيم، وسميناها نحن القانون الأخلاقي الناظم للعمل الصالح، فنجدها مقبولة ومتفقاً عليها عند أهل الأرض قاطبةً بغض النظر عن الدين والمذهب والعرق واللسان، ونجد أن المجتمعات لا تقوم بدونها محرمةً كانت أم غير محرمة، أي أن الملحد لا يستطيع أن يشهد الزور ويقتل بغير الحق ويحنث اليمين ويطفف المكاييل بحجة أنه ملحد، وأن هذه الأمور غير محرمة عنده. ونجد أخيراً أن هذه الوصايا فطرية، تنسجم مع إنسانية الإنسان التي فطره الخالق عليها، ومن هنا ننطلق إلى القول بأن المجتمع الإنساني كما يرسمه التنـزيل الحكيم مجتمع إنساني مدني أساسه القانون الأخلاقي والصراط المستقيم، وأن مقولة الدولة الدينية التي يطلقها البعض مقولة غريبة تماماً لا تنبع من التنـزيل الحكيم الذي نزل كتاباً للإنسانية جمعاء، وليس لطائفة أو فئة أو عشيرة بعينها. قد يسأل سائل: فماذا عن أولي الأمر، وطاعتهم واجبة مقرونة في التنـزيل الحكيم بطاعة الله ورسوله؟ نقول: إن وجود أولي الأمر بداية أمر مفروغ منه، إذ لا بد من اولي أمر في المجتمع، وإلا تحول هذا المجتمع بعدم وجودهم إلى قطيع. لكن الله في التنـزيل الحكيم لم يأخذ على عاتقه أمر تعيين أولي الأمر هؤلاء (الدولة/السلطة)، لأنه عبارة عن حالة تعاقدية بين الناس من جهة، وبين من يقبل بهم هؤلاء الناس كأولي أمر من جهة أخرى، ومن هنا نشأ مفهوم الدولة التي تخرج من الشعب وتعمل من أجل الشعب وتحكم باسم الشعب. ومن هنا أيضاً انقسمت السلطة إلى ثلاث سلطات: تشريعية/قضائية/تنفيذية. فإذا تحقق ذلك، فهذا لا يعني أبداً أن الدولة بلا مثل عليا، أو أن الشعب بلا دين، أو أن خرقاً حصل لصراط الله المستقيم في تنـزيله الحكيم. وباختصار نقول: إن مؤسسات الدولة مؤسسات حيادية تعكس بشكل عفوي الثقافة الحقيقية للشعب، ولا علاقة لها بدين أو تنـزيل. ولكن ماذا عن الشعائر من صلاة وزكاة وصوم وحج، وما علاقتها بالدولة المدنية؟ نقول: إن المثل العليا الإنسانية التي تحكم الدولة المدنية، وجدت من قديم الأزمان، وخضعت للتطور التراكمي عبر مسيرة التاريخ. أما الشعائر فقد خضعت للتنوع بعيداً عن مسار التاريخ. فالصوم عندنا هو ذات الصوم عند أقوام آخرين لكن له شكلاً آخر. فالبعض يصوم عن الكلام، ونحن نصوم عن الطعام والشراب، والبعض لا يتقيد بصيامه بنهار أو ليل، ونحن نصوم في النهار، والبعض لا يلتزم في صيامه بشهر معين، ونحن نصوم في رمضان، والبعض يصوم امتناعاً عن بعض الأطعمة، ونحن نمتنع عنها كلها، والبعض يفهم الصوم هجراً لكل اللذائذ والطيبات هجراً لا رجعة فيه، ونحن نصوم عن اللذائذ نهاراً ونأتي ما حل منها ليلاً، وهناك أخيراً بعض لا يصوم على الإطلاق. وكذلك الصلاة والحج. لقد خضع الجانب الشعائري (العبادات كما يسمونها) إلى التنوع من ملة إلى أخرى، وأخذ شكله على يد رسولنا الكريم (ص)، فنحن اليوم نصوم ونصلي ونحج تماماً كما صام وصلى وحج رسولنا الكريم، وفي هذا تظهر هويتنا، ونعرف بأننا من أتباع محمد (ص) والمؤمنين برسالته. وفي هذا أيضاً تتحقق الاستمرارية الإيمانية لهويتنا التي أخذناها من سنة الرسول الفعلية حصراً، حين فصل بنفسه الجانب الشعائري عن الدولة وسلطاتها، ووضع منذ ذلك العصر أهم أساس من أسس المجتمع المدني، وهو عدم تدخل الدولة بأجهزتها في أمور الصلاة والصوم والحج، لأن الدولة تعني السلطة، والسلطة تعني القمع والإكراه والعقوبة للمخالفين. والنبي لم يستعمل سلطة الدولة في الشعائر بأي وجه من الوجوه، وفصلها عن السلطة فصلاً كاملاً عدا الزكاة، التي كانت في عصره مصدر الدخل الوحيد لميزانية الدولة، ثم انفصلت بدورها عن الدولة بعد أن انفتحت أمامها أبواب جديدة للدخل. ثمة من يروج مقولة تزعم أن الدولة المدنية دولة بلا دين، وهذا غير صحيح. فالدولة أولاً وآخراً فئة من الشعب، وحين يكون الشعب بلا دين تأتي دولته أيضاً بلا دين، لكن الواقع حولنا يقول غير ذلك، لأن المتأمل لا يجد في الدنيا كلها شعباً بلا دين، ولو في حدوده الدنيا. والحد الأدنى من الدين هو المثل العليا، فهل رأيتم شعباً قديماً أو معاصراً دون مثل عليا ؟ الدولة المدنية لا تنظر إلى الناس ولا تقومهم بميزان الشعائر، لكنها في الوقت نفسه لا تمنعهم منها ولا تكرههم عليها. ومع ذلك فنحن حين ننظر إلى العالم، نجد الناس يصلون ويصومون ويتصدقون، كل بحسب الشكل الذي ترسمه له ملته، ونجد المساجد والكنائس والكنس ملأى بالناس، وهذا مصداق ما نقوله عن الجانب الشعائري في الدين.ويعود السائل ليسأل: إذا كان الدين مثلاً عليا إنسانية يقبلها أهل الأرض بفطرتهم، وإذا كانت الشعائر لا علاقة لها بالدولة، والمرء حر في اختيار الشكل الذي يؤدي عليه شعائره، فأين هي المشكلة إذاً؟ أقول: المشكلة هي في التشريع. والتشريع هو الأحكام. والأحكام هي الآيات التي ترسم للإنسان ما يفعل وما لا يفعل في مجال البيع والشراء والزواج والطلاق والإرث والعقوبات، التي لا يمكن فصلها عن الدولة مدنية كانت أم دينية، ملكية أم جمهورية، ديمقراطية أم ديكتاتورية، قومية أم أممية. إن للدين كما أسلفنا جوانب ثلاثة: جانب المثل العليا الذي لا يمكن فصله عن الدولة ولا عن المجتمع، وجانب الشعائر الذي فصله رسولنا الكريم عن الدولة منذ العصر النبوي، وجانب التشريع والأحكام الذي يرسم حدود الله في حياة الفرد والدولة والمجتمع، والمشكلة هي في هذا الجانب الثالث. لقد خضعت التشريعات السماوية للتطور، منذ عهد نوح إلى عهد محمد (ص)، فتم إلغاء بعضها وتعديل بعضها. وهذا ما أسميه النسخ بين الشرائع السماوية (14) ، والنسخ بهذا المعنى ليس أكثر من تطور على محوري السيرورة والصيرورة. فإذا نظرنا في كتاب موسى،نجد فيه أكثر من ستمِئة بند تشريعي، بينما نجد البنود التشريعية في التنـزيل الحكيم أقل من ذلك بكثير، والسبب هو أن التشريعات في كتاب موسى عينية مشخصة جاءت لحالات بعينها تتوافق مع زمن ورسالة موسى، أما التشريعات في التنـزيل الحكيم فقد جاءت عامة مجردة غير مشخصة، تقوم على نظرية الحدود، أي أن التشريع في التنـزيل جاء تحت عنوان حدود الله الدنيا منها والعليا، وما على المجتهد الفقيه إلا أن يجد ضمن هذه الحدود حلولاً لما يواجه من حالات، وهذه هي الحنيفية في التشريع. فالتشريع الإسلامي تشريع مدني إنساني يتحرك ضمن حدود الله ويختار ما يلائم ظروف الزمان والمكان، في أحكام البيع والشراء والزواج والطلاق والإرث. ولقد أشرنا في كتابنا الأول إلى أن الإرث وأحكامه يخضع لحدود الله، وسنفصل في كتابنا هذا بعونه تعالى ما هي الحدود في الإرث، إنما قبل ذلك علينا أن نقف قليلاً أمام علم أسمه أسباب النـزول، يصر البعض على حشره بين علوم القرآن. 24/4/2005
|