|
عطية مسوح
|
|
2006-04-28 |
يعيدني بيت المتنبي: والظلمُ من شيمِ النفوسِ فإن تجدْ عفّةٍ فلعلّةٍ لا يظلمُ إلى السؤال القديم الدائم: أيولد الإنسان ميالاً إلى الخير أم ميالاً إلى الشر؟ هذا السؤال الذي ما يزال يحتل حيزاً كبيراً من اهتمام المفكرين وعلماء النفس، والذي كثرت حوله النظرات والنظريات، وما يزال دون جواب نستطيع الركون إليه والقبول به. ثمة من يرى أن الإنسان مفطور على الشرّ، لا يفعل الخير إلا مكرهاً، أو متبجحاً. ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الإنسان كائن غريزي، لديه حاجات فطرية مادية لا يستطيع العيش دون تأمينها، هذه الحاجات تتحول إلى دوافع تتجلى بسلوك معين، يدخل في إطار الأفعال الشريرة في كثير من الأحيان. فالإنسان يقتل كي يأكل، ويهلك خصمه كي يبقى هو، ويقوم في تنافسه مع الآخرين بأسوأ الأفعال كي ينتصر. كما أنه الكائن الوحيد الذي لا يكتفي ولا يشبع. فكلما امتلك أشياء تطلع إلى أشياء أخرى، ومطامح الملكية والتحكم عنده لا سقف لها، ولا يأبه بما يمكن أن يخلّفه ذلك من بؤس وفاقة لدى الآخرين. والدليل على ذلك سلوك كبار الرأسماليين والأغنياء في العالم على مستوى الأفراد، وسلوك الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى الدول. أصحاب هذه النظرة إلى الإنسان يقولون مثلاً إنه أكثر الكائنات حباً للقتل، فالحيوانات المفترسة تقتل إذا جاعت، ولا تقتل قتلاً احتياطياً، أي لا تقتل وتختزن من يومها إلى غدها. ويقولون أيضاً إن أنواع الحيوانات التي تقتل أبناء جنسها قليلة جداً، وحين تصارع من أجل بقائها لا تنفي شروط البقاء لسواها نفياً كاملاً، بل تبعده عن ساحتها، ثم تتركه وشأنه. أما الإنسان فهو شديد الفتك بأبناء جنسه، وهو يطارد خصمه الإنسان، ويهلكه، خوفاً من انتقامه. أي إن الإنسان يتفوق على الكائنات الأخرى في نزعة الشر. بينما يرى آخرون أن الإنسان خيّر بالفطرة، مفطور على النبل والعطف، ولكن العلاقات الاجتماعية الفاسدة الناتجة عن اختلاف المصالح وتضاربها خلقت لديه نزعات الشر ونمّتها، وأدخلته في صراع مع أخيه الإنسان. ويعتقد أكثر المفكّرين والناس، أن الإنسان يولد صفحة بيضاء، لا خيّراً ولا شريراً، ولكن التربية، والعلاقات الاجتماعية، هي التي تخطّ على صفحة نفسه خطوطها وبصماتها، فيغدو خيّراً أو شريراً بالتفاعل مع المؤثرات الخارجية. قد يكون لكل من هذه النظرات الثلاث حججها وأمثلتها، وقد يكون في كل منها صواب ما. فالإنسان كائن طبيعي غريزي، دخل في تناقض مع غيره منذ وجوده القديم، حين عاش على طريقة القطيع البدائي، أو حين أخذ يعمل في الصيد والزراعة البدائية كي يسدّ حاجاته. ومع تقدم الإنسان تجربةً ومعرفة وقدرة، ارتقت وسائله في السعي لإشباع غرائزه الطبيعية، ثم أخذ ينافس البشر الآخرين على امتلاك ما في الطبيعة، وما يصنعونه هم، وأشعل الحروب المهلكة التي جعلته أكثر الكائنات الحية فتكاً، لا بالحيوانات الأخرى فقط، بل بالطبيعة وبالبشر أنفسهم . لكن الذين ينحون باللائمة على العلاقات الاجتماعية فيما نراه من شرور، ليسوا أقلّ حجة، فهم يؤكدون أن التآخي بين البشر ممكن، وذلك بإقامة العدل، والتكافؤ في الحرية والفرص، والتربية على الاعتدال في طلب الحاجات، لأن كل ما نجده عند الإنسان من نزعة للتملك والاستئثار والتحكم، ومن عدوانية أحياناً، هي نتيجة لخوفه من ظلم المتنفذين والمتحكمين والمالكين. يرى هؤلاء أن البشرية تعيش حالة شاذة منذ حدوث انقساماتها الطبقية وتسلط بعضها على بعض، وأنها سوف تتجاوز هذه الحالة حين تقضي على أسبابها المتمثلة بالاستغلال الطبقي بالدرجة الأولى. يظل هذا الأمر محيّراً. وإذا كان الإنسان مشدوداً إلى الشر بفعل غرائزه وتطلعه إلى إشباعها، فإنه يرتقي، باستمرار، نحو قوننة السعي إلى إشباع تلك الغرائز وتهذيب السلوك تجاه الآخر. بهذا يمكن تفسير الدعوات إلى الإخاء والخير والعطف والرقة، الدعوات التي جاءت بها الأديان والنظريات الإنسانية، والتي تسير نحوها، أكثر فأكثر، أعراف الشعوب وقوانين الدول. إنها التربية، وهي العلّة التي ترفع مستوى الإنسان مبتعدة به عن الشرّ ومقتربة من الخير، التربية التي هي نسبية أيضاً، وغير منفصلة انفصالاً كاملاً عن المصالح الطبقية والقومية، ولكنها تمعن في استقلالها النسبي عنها. من هنا يمكن القول إن البشرية في كل مرحلة، كانت تفرز بعضاً من أبنائها، هم غالباً من المفكرين والمثقفين، يدعون إلى كبح جماح الشر في نفس الإنسان، ويسعون إلى تنمية بذور الخير وميوله، وبهذا يصبحون ضمير العالم. وإذا كان الفكر البشري تعبيراً عن المصالح المتناقضة، فإننا نميز بين مصطلحين هما: الفكر البشري، وهو شامل لكل ما أنتجه الإنسان من فكر، والفكر الإنساني، وهو ما يسعى إلى كبح جماح الشر وتقوية النزوع الخيّر في الفرد والمجتمع. ومن يتعمق في دراسة الفكر الإنساني يجد أنه، على العموم، كان حريصاً على المزاوجة بين فكرتي: العدالة الاجتماعية والحرية، لأن أي انتقاص من إحداهما، يؤثر تأثيراً سلبياً على الأخرى. بهذا يمكن أن نفسّر عدم رضا غالبية الناس عن الرأسمالية، وغيرها من أنظمة الاستغلال، وعدم رضاهم عن تجارب عدالية وأنظمة كانت تستهتر بحرية الفرد، وبهذا أيضاً نستطيع أن نقول إن طموح البشر إلى نظام يسير نحو العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان متجسدة بالديمقراطية التي ترتقي باستمرار، هو طموح دائم ومشروع. 13/3/2005 |