|
د. بشار خليف
|
|
2006-04-20 |
|
صفحة 3 من 4 ابتكار الزراعة / الألف التاسع قبل الميلاد: يقول جاك كوفان: إن البيئة الطبيعية تمتلك مبادرة الحوار مع الإنسان، وهذا يعني أن التحولات الاجتماعية والثقافية يجب أن تنطلق على مستوى ما هو فينا، الأكثر انغماساً في الطبيعة وحساسية لتحولاتها، أي ابتداءً من كائننا البيولوجي. (29) وعلى هذا فإننا تجاه ابتكار هذا المنجز واقعون على معطيين، أديا الدور الهام والأساسي في ظهوره، عنيت: معطى الدماغ والتطورات الحاصلة فيه، نتيجة جملة من الاشراطات، أملتها محرضات البيئة والوسط الطبيعي المحيط، بالإضافة إلى اشراطات تطورية ذاتية في الديناميكية التطورية للدماغ. أما المعطى الثاني فيتحدد في أن منجز الزراعة، هو نتاج عملية تراكمية معقدة، امتدت مساحتها الزمنية عميقاً في الزمن، ولاسيما منذ وجود الإنسان العاقل. بالإضافة إلى الدور الذي لعبته المعطيات المناخية بما قدمته من امكانات بيئية جديدة، شملت العالم النباتي الطبيعي والعالم الحيواني. ولعل ما قدمه منجز الزراعة يعبر وبقوة، عن بدء انفصال المجتمعات عن الطبيعة لصالح السيطرة عليها، بعد أن تم فهم حركتها وإيقاعها، كذلك سوف يؤدي ذلك إلى تطور مهم في إدراك أهمية المكان، ما يشي ببوادر نشوء لمفهوم الملكية بمعناه الحقيقي. ثم في انبثاق أقوى لمفهوم السلطة الناظمة لفاعليات المجتمع وحركته، ولاسيما مع نشوء الزراعات المروية التي تتطلب جر الماء عبر السواقي أو الأقنية، وما يتطلب ذلك من ضرورة وجود سلطة اجتماعية قادرة. وتذكر الأبحاث أن النواة الحضارية الأولى لنشوء الزراعة، كانت في المشرق العربي، وتحديداً في المنطقة الممتدة من منطقة الفرات الأوسط، مروراً بحوضة دمشق وحتى وادي الأردن. وقد تم ذلك في الألف التاسع قبل الميلاد، وقبل أي منطقة أخرى في العالم. (30) وقد أشار كوفان إلى المعنى التقليدي لنشوء الزراعة، في أنه يرتكز في معياره الحاسم على إنتاج المعيشة وأنه بهذا الإنتاج، إنما بدأ في الواقع صعود المقدرة البشرية التي ليست حداثتنا سوى ثمرة لها. (31) ويوضح غولايف أهمية هذا المنجز، حيث أنه غيّر طابع التفاعل بين الإنسان والطبيعة، وزاد كثيراً من امكانات التكيف البشري، وهذا ما أدى إلى نشوء أنماط ثقافية واقتصادية جديدة تماماً، أكثر مردوداً واستقراراً. (32) وطالما تحدثنا عما قدمته الزراعة من تحريض لجهة وعي أهمية المكان، وذلك عبر تطور متبد في منطقة الفص الجداري من الدماغ، فان هذا توثقه المعطيات العلمية. فقد توصل العالم الأميركي برايدوود إلى أن الكثافة السكانية في المشرق العربي في ثقافة الصيد والالتقاط في الفترة الممتدة بين 25000- 10000 ق. م، لم تكن لتتجاوز 3 أشخاص في 160 كم2، وفي الفترة بين 10000- 8500 ق. م، أصبحت 12.5 شخصاً في كل 160 كم2. ومع نشوء المجتمعات الزراعية الأولى، نلاحظ أن في كل 160 كم2 أصبحت الكثافة السكانية 2500 شخصاً. (33) ولعلنا ندرك أن الزيادة السكانية، وهي دليل الاستقرار والتوازن، سوف تفرز معايير ونظماً اجتماعية واقتصادية وروحية متطورة عما سبق. فقد تجذرت الحالة الحاضرة للنوع البشري منذ ذلك الحين، وهذا ليس فقط في مجال استثمار الوسط، /على حد قول كوفان/، بل في ثقافته نفسها وفي بناه العقلية. (34) وقد أمدتنا المعطيات الأثرية على أن موقع المريبط في سورية، وفي النصف الأول من الألف الثامن قبل الميلاد شهد زراعة القمح والشعير، بما يشكل نقطة انعطاف حاسمة في ظهور الزراعة. أما لجهة تدجين الحيوان، فقد تم عبر سلسلة امتدت من تدجين الكلب في الألف التاسع ق. م، وتبعه تدجين الغنم والماعز والخنزير والبقر والحصان، وصولاً إلى الجمل والحمار. (35) ولعل انعكاس ممارسة الزراعة، سوف يتبدى على بنية المجتمع وإيقاعه، فثمة الآن انتظام للجماعات في أوقات معينة، من أجل البذار أو الحصاد.. أو الخزن والتجارة بالفائض. ما يعني أننا أصبحنا أمام معايير جديدة، اجتماعية واقتصادية وثقافية وفنية. ستؤدي إلى نشوء معالم الثقافة الزراعية والتي سوف تتبلور على مدى العصور اللاحقة. والجدير ذكره في هذا المجال، أن بنية المجتمع الزراعي في مراحله البدئية لم تكن وقفاً على المزارعين لا بل كان ثمة مزارعون وأنصاف رعاة وصيادون ورعاة ومربو حيوانات. وقبل أن نمضي في مناقشة نشوء ثقافة الزراعة، ينبغي أن نشير إلى مقولة برينتس، من أن التطور الذي أدى إلى الثورة العمرانية ونشوء المدن الأولى /في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد/، لم يكن ليحصل إلا نتيجة لظهور الزراعة وتطورها وتقسيم العمل في الحرفة والزراعة وظهور التجارة. وان النمو الكبير لمردود العمل /حيث أنه في الزراعة، ازداد الإنتاج خمسة أضعاف مما كان عليه في مرحلة الصيد/ أدى إلى زيادة سريعة في عدد السكان، ما أدى إلى ظهور المدن الكبيرة وبروز أشكال جديدة في حياة المجتمع. (36) التطور الثقافي في المشرق العربي القديم بين 8300- 7600 ق. م: ما يميز هذه الفترة، هجر الإنسان نهائياً الكهوف والمغاور، كذلك فان التجمعات السكانية الصغيرة اندمجت فيما بينها لتنشأ تجمعات كبيرة، ذات كثافة سكانية مهمة. وانعكاساً للضرورة الاجتماعية وقوانينها فقد بدأ مخطط البيت السكني يتحول من البيت الدائري /وهو صفة معمارية ملازمة لبيوت ثقافة الصيد والالتقاط/ إلى البيت المستطيل. وقد مارس سكان مواقع هذه الفترة صيد الأسماك والثيران وحمار الوحش. كل حسب امكانات البيئة لجهة الثروة الحيوانية. وفي مجال الفنون، عثر على تماثيل حجرية وطينية في موقع المريبط، تمثل شخوصاًَ نسائية ما يدل على وجود حالة اعتقادية ما تجاه المرأة. كما عثر على رسوم جدارية لأشكال هندسية، على جدران المنازل بما يذكر بمقولة يوليوس ليبس من أنه كلما كانت الشعوب والمجتمعات أكثر استقراراً، كلما استطاعت أن تكرس وقتاً أطول لتزيين مساكنها من الداخل والخارج بزخارف منقوشة ومرسومة. (37) أما في مجال الاعتقادات لهذه الفترة، فان التطور المتبدي في القسم الحوفي من الدماغ والمسوؤل عن الاهتمامات المعتقدية وتطورها، أدى إلى نشوء جملة معتقدية، تبدأ من وجود حالة اعتبارية للمرأة الأم رمز التجدد والديمومة، مروراً بحالة اعتبارية مهمة للثور، وصولاً إلى عبادة الأسلاف /الأرواحية/. ففي مجال الاعتقاد بالمرأة الأم، عثر في مختلف مواقع هذه الفترة على تماثيل نسائية، تدل على اهتمام واضح برمز الأنوثة كما في المريبط. أما في مجال الحالة الاعتبارية للثور /نحن لا نميل إلى ما يسميها الباحثون «عبادة الثور» ونعتقد أن الاهتمام بالثور كان من منطلق ما يرمز إليه الثور من قدرة خصبية وقوة، ما يشي بالحماية والتماهي الإنساني بمقدرته الحيوية والجسمانية/ فقد دلت عليها مواقع هذه الفترة عبر طقوس دفن رؤوس الثيران في جدران المنازل، ومن ثم تطور هذا التقليد إلى دفن القرون فقط. يشير البروفسور كوفان إلى أن وضع قرون الثور أو جمجمته في جدران المنازل، تدل على حماية مطلوبة في وجه عوامل الخراب (38). ونحن نميل أيضاً إلى وجود حالة اجتماعية تستوجب الحماية أيضاً وليس البناء أو المنزل فقط. ولعل المعطيات الحديثة تعطينا دلائل على استمرارية ما لهذه الحالة الاعتبارية، تتجلى في وضع سكان دمشق في القرون السابقة، حدوة حصان على باب المنزل، ما يعطي تصوراً حول رمزية الحصان في عودة الغائب وفي الفأل الطيب، ولو عدنا إلى الوراء أيضاً لاستطعنا تتبع الحالة الاعتبارية للأضحية والدم عند إنشاء وسكن البيوت. أما الحالة الاعتقادية الثالثة لدى مجتمعات هذه الفترة فتتجلى في «عبادة الاسلاف»، حيث أننا هنا أمام مجتمع قبلي- عشائري توحده رابطة الدم، عبر روح الجد الأكبر الحامي للمجتمع، طالما أن المجتمع يسير على هدي الأجداد وتقاليدهم ونواميسهم. فقد عثر في موقع المريبط على معالم فصل رأس الميت عن جسده ومن ثم دفن الجمجمة منفصلة. وفي مجال صناعة الأدوات، نلاحظ في هذه الفترة اختفاء الأدوات الحجرية الصغيرة والهندسية، في مقابل كثرة في الأدوات اللازمة لأعمال الزراعة كالنصال والمناجل المهمة في قطع القمح والشعير. كما عثر في هذا الموقع على دلائل مبكرة لصناعة الفخار، وذلك عبر صناعة أوان صغيرة هي الأولى حتى الآن في المشرق العربي. ويشير بعض الباحثين إلى أن لهذه الأواني صفة اعتقادية، ولم تكن تستخدم لشوؤن حياتية ومعيشية. أيضاً أبانت هذه الفترة عن ظهور معالم أولى في صقل الحجر.الألف الثامن قبل الميلاد- أول مدينة في التاريخ: شكل موقع أريحا العائد لهذه الفترة، أول موقع مشرقي وعالمي يدل على وجود أول مدينة في التاريخ. وتنبع أهمية هذا الموقع من عمرانه الضخم والمتقدم نسبة لعصره والذي يدل بعمق على وجود سلطة اجتماعية قادرة ومنظمة ومتمكنة. فقد شمل هذا الموقع على قلعة أحيطت بسور طوله 8 أمتار وعرضه 3 أمتار وارتفاعه 8.5 متراً. وقد أنشئ السور من الحجر، واستند إليه برج حجري ضخم عرضه من قاعدته 10 أمتار وارتفاعه 8.5 متراً، ويقود درج نحو قمة البرج عبر 22 درجة. وثمة خندق محيط بالقلعة عرضه 8 أمتار وعمقه 2.60 متراً، والجدير ذكره هنا هو عدم العثور على أدوات تدل على طريقة حفر هذا الخندق في ذلك العصر، مما يعطي انطباعاً أن حفر الخندق والذي شق في أرض من الحجر الكلسي تم، عبر استخدام نار قوية ثم تم تبريد المكان بصورة فورية بالماء، وبذا أصبح الصخر الكلسي الهش، سهل الكشط. وقد دلت المعطيات الأثرية، على أن سكان هذا الموقع مارسوا الزراعة، وقاموا بتجارة الملح الذي استخرجوه من البحر الميت، كما أنهم استخرجوا الكبريت من وادي الأردن. وقد لوحظ في بعض أماكن هذا الموقع وجود استيطان بشري مستمر على مدى 22 سنة متتالية. (39) وفي الرافدين، عبّر موقع زاوي جيمي الذي استمر حتى الألف الثامن قبل الميلاد، عن وجود صفات عرقية لسكانه هي على تشابه واضح مع سكان بلاد الشام ما يشكل قرابة عرقية باكرة. وهذا ما يؤكده الروسيان رؤوف منشايف ونيقولاي ميربرت بالقول: «إن التواصل المعروف للمجتمعات الزراعية الأولى في المنطقة السورية، يتلائم مع الدلائل العراقية في شمالي بلاد الرافدين، وهذا يدل على وجود نظم للاتصالات والعلاقات الحضارية في مراحل موغلة في القدم». (40) الجدير ذكره هنا، هو العثور على خرزة مصنوعة من النحاس، ما يعطي انطباعاً على أول دليل لظهور النحاس واستخدامه قبل عصره بعدة آلاف من السنين. (41) وثمة مواقع أخرى في الرافدين مثل: كريم شاهير، نمريك. وفي سورية: الشيخ حسان وتل أسود والجرف الأحمر، وفي فلسطين والأردن: جلجال، أبو سالم، أريحا، ووادي فلاح.الفترة بين 7600- 6000 ق. م: سوف نلاحظ أنه وباطراد مع الزمن، سوف تتراكم المعطيات الحضارية والمنجزات، طالما أن ثمة تطوراً مهماً مازال يحصل في البنية الدماغية الإنسانية، وكذلك في حدة التفاعل المجتمعي الإنساني- البيئي المتبادل. مع ملاحظة أنه وضمن حركة التاريخ آنذاك وحركة المجتمعات سوف تتباين الحركة تلك بين مواقع وأخرى، فقد تنشأ مواقع جديدة تبعاً لغياب مواقع أخرى، وقد يستمر استيطان لمواقع ولعدة عصور، ونحن في اتجاه بحثنا نأخذ بالخطوط الأساسية والعريضة، لمجمل حركة المجتمعات وتطورها دون أن نعير التفاصيل سوى الأهمية التي تستحقها، ولا سيما في حال حصول تطور لمنجز ما. لهذا فقد صار طبيعياً أن نعرف أن هذه الفترة شهدت تطوراً دراماتيكياً وطبيعياً في مجمل أوجه النشاط والفعالية البشرية على صعيد مجتمع المشرق العربي القديم. فقد شملت الزراعة الآن معظم مجتمعات المشرق وتطور التدجين وكاد المخطط المستطيل للبيوت أن يسود بالكامل. وعلى صعيد الأدوات ها نحن أمام تطور في تقنيات الصناعة للأدوات الزراعية كالمناجل والنصال والرحى والأجران. وطبيعي مع زيادة اللحمة الاجتماعية، أن نلاحظ التصاقاً بين البيوت السكنية التي أخذت طابع الاستقرار الدائم، وترسخ تقاليد ومعايير مجتمعية تشمل كامل المجتمع الزراعي مع ظهور التنظيم الجماعي الدقيق والتعاون كذلك. والشيء اللافت في هذه الفترة ولا سيما في حدود 6500 ق. م أننا أصبحنا أمام تطور في استخدام وسائل الري الصناعي، عبر الأقنية والسواقي.. ما سوف يؤدي إلى نشوء زراعات مروية /غير بعلية/ كالكتان مثلاً. وكما أسلفنا فان تطور تقنيات الري ولاسيما الصناعي، يحتم وجود سلطة قادرة ومنظمة. والجدير ذكره هنا، هو أنه في عمارة الفترة هذه نشأت أقنية تصريف داخل المنازل ما يشكل تطوراً مهماً في هذا المجال. ومن مواقع هذه الفترة، المريبط وأبو هريرة وتل أسود وتل غريفة وأوغاريت وبقرص في سورية. وفي الأردن وفلسطين، مواقع البسطة وعين غزال وبانحا وأريحا. وفي الرافدين موقع جرمو وتل المغزلية وقد أبان موقع بقرص في سورية (6500- 6000) ق. م، عن دليل نشوء أول قرية منتظمة في ذلك الحين حيث يبدو أنها أنشئت وفق مخطط معماري مسبق. ما يدل على تطور مهم في الفص الجبهي والصدغي. ويمكننا رصد أهم خصائص هذه الفترة والتطور المتبدي في ذهنية مجتمعاتها بما يلي: ـ نشوء المعابد، حيث أبان موقع أريحا العائدة لهذه الفترة عن إنشاء أول مبان ذات وظيفة اعتقادية والجدير ذكره هنا هو أن السلطة المعتقدية سبقت السلطة السياسية في النشوء تاريخياً. ـ استمرارية اعتقاد «عبادة الاجداد» القبلي الطابع. وهذاما دلت عليه مواقع المريبط والشيخ حسن. وقد تطورت تقنية طقوس هذه العبادة عبر عدم الاكتفاء بدفن الجمجمة في جدران البيوت أو وضعها على تماثيل إنسانية. بل أصبحنا الآن مع نشوء لظاهرة «الجماجم المقولبة»، حيث تكسى الجمجمة /بعد تنظيفها/ بالجص وتصبغ باللون البني الفاتح بما يماهي بشرة الإنسان، ثم تنزل العيون بالصدف أو القواقع وترسم خطوط بنية بالمغرة الحمراء دلالة على الشعر. وقد أمدتنا مواقع أريحا وبيسامون وتل الرماد، بنماذج من هذه الجماجم المقولبة. أما موقع تل المغزلية في الرافدين، فقد كشفت التنقيبات الأثرية عن سور حجري كبير، يعطي دلالة على أقدم بناء عسكري في تلك المنطقة. (42)
|