SWO
 
اتصل بنا | من نحن | النشرة البريدية | مواقع مهمة | شارك معنا | ابحث في المرصد
حق المرأة السورية بمنح جنسيتها لأطفالها

الحملة الوطنية: أوقفوا قتل النساء! أوقفوا جرائم الشرف!

افتتاحية نساء سورية
بمشاركة من القتلة المتخفين تحت ستار الدين والقانون: صبيتين جديدتين ضحيتين للهمجية باسم الشرف!

وإذا! حتى متى ستبقى بلدنا تئن تحت وطأة قانون العار الهمجي الذي يسمح للقتلة بأن يمارسوا همجيتهم ويقتلوا النساء السوريات، على مرأى ومسمع وتأييد من الحكومة السورية التي ما زالت ترفض أن تزيل من قانون العقوبات السوري وصمة العار المرسومة على جبين كل مواطن ومواطنة سورية؟! حتى متى سنبقى ندفن النساء السوريات المقتولات؟

التتمة..
 
منتدى الحوار
منتدى نساء سورية
مرصد العنف
لا للعنف ضد المرأة
قل لا للعنف ضد المرأة
إخلاء..

جميع الإعلانات المنشورة على "نساء سورية" مجانية، وتقع ضمن نطاق عمله التطوعي
خط الثقة

 انقر هنا..
أوقفوا جرائم الشرف
الوثيقة الوطنية
إدانات..
شركاء..
مقالات..
فهرس الأسماء الموقعة
أضف توقعيك
حق الجنسية
من أجل قانون جنسية عادل
Languges
English
Français
Deutsch

خدمة RSS


توسع الكون بين الغزالي وابن رشد طباعة أخبر صديق
د. محمد باسل الطائي   
2006-04-20
أقسام المادة
توسع الكون بين الغزالي وابن رشد
صفحة 2
صفحة 3

تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت
أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي9 (ت505هـ/1111م) هو أحد عمالقة الفكر العربي الإسلامي، له عطاء وفير وزخم معرفي كبير سجّله في عشرات المجلدات التي كتبها خلال حياته القصيرة العريضة. وأبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي المالكي10 (ت 595هـ/1204م) ، الفقيه والطبيب والفيلسوف الذي أمد الحياة في أعمال أرسطوطاليس وأعتنى بشرحها وأضاف إليها، هو عملاق آخر من عمالقة الفكر العربي الإسلامي. كلا الرجلين اجتهد رأيه وذهب مذهبه الذي كان يراه صحيحاً. كتب أبو حامد كتابه "تهافت الفلاسفة"11 يستهدف تفنيد أقاويل الفلاسفة في المسائل الإلهية وبعض المسائل الطبيعية ومن ما جاء في مقدمة الكتاب يُستنبط أن أبا حامد وجد أن بعض الناس "قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات، والتوقي عن المحظورات، واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده..."12 ووجد أبو حامد أن " مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة كسقراط و بقراط و أفلاطون و أرسطو طاليس وأمثالهم، وإطناب طوائف من متّبعيهم وضُلالهم في وصف عقولهم وحسن أصولهم ودقة علومهم الهندسية والمنطقية والطبيعية والإلهية...". ولكي يُنبه الغزالي على ما في عقائد هؤلاء الفلاسفة من الزلل والخلل عمد إلى نقدهم وبيان بطلان ما ذهبوا إليه.
وأبو حامد الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة يعبر عن وجهة نظر المتكلمين ويتكلم بلسانهم، ورغم تهجّم بعض المعاصرين عليه واعتبارهم إياه "لم يكن ليطلب الحق وإنما أراد مداهنة أهل زمانه"13 وأنه "شوّش على العلم وأضر بالحكمة"14،فإن أبو حامد الغزالي قد عبر في مناقشته لطروحات الفلاسفة عن موقف علمي دقيق يشهد له الحاضر فيه بأفضل مما شهد له به الماضي. وصفحاً عن ترّهات بعض من يحاولون أن يمسخوا تراثنا وفكرنا العربي الإسلامي تحت عناوين ويافطات متنوعة مستظلين بمظلات لامعة كمضلة الدفاع عن ابن رشد والموقف العقلي وغير ذلك، فإننا سنعالج في هذا المبحث الخلاف بين ابن رشد وأبو حامد الغزالي في قضية محددة هي قضية توسع العالم. وكما ذكرنا قبل فإن "العالم" في مصطلحهم يقابل "الكون" في مصطلحنا المعاصر. وقد يبدو غريباً أن نعلم بأن هذين العملاقين قد عالجوا مثل هذه المسألة على ذلك العهد، فالمعارف الكونية على عصرهم قليلة بل غير دقيقة إلى القدر الذي يُمكّنهم من مناقشة هذه المسألة، ولكن هذه هي الحالة كما سجلتها لنا كتب السلف في كتابي تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت.
إن النظرة الموضوعية للتراث ينبغي أن تكون نظرة إيجابية، بمعنى أننا ينبغي أن ننظر إلى ما خلفه الأسلاف من منظور علمي صحيح. والمعيار العلمي يقتضي أن نأخذ في تقويمنا للتراث كل ما أمكننا من التراكم المعرفي الذي أنجزته البشرية خلال الفاصلة الزمنية التي تقع بين حاضرتا وماضينا. وبعكس ذلك لن نعيش عصرنا بالمعنى الإيجابي ولن نخدم تراثنا وأنفسنا على الوجه الصحيح.
ليس من العلمية ولا من الموضوعية في شيء أن نلتزم آراء أبو حامد كلها دون تدقيق وتمحيص، كما إنه ليس من العلمية ولا من الموضوعية في شيء أن نلتزم جميع آراء أبو الوليد ابن رشد صحيحها وسقيمها دون تدقيق وتمحيص. فلكل من الرجلين هويته الفكرية المميزة، إنما قد آن لنا الأوان أن نحكم اليوم على طروحاتهم ونزن أعمالهم الفكرية بميزان المعرفة العلمية التي تراكمت منذ أن أفلت شموسهم حتى اليوم، فهذا هو المعيار الذي يوفيهم حقهم، وهذا هو السبيل إلى معرفة جلال قدرهم. ثم أن هذه التقويمات التراثية هي الدرس الذي تُستخرج منه الخبرة وتُستجلب منه الفائدة. فليس من الروح العلمية أن نتعصب إلى ابن رشد وندعو إلى مقاطعة الروح السينوية ودفن الفكر الغزالي وحرق الأوراد الصوفية. هذا تراث وتراث الأمم لا يُعنى به على مثل هذه الشاكلة، خصوصاً وأن كثيرا من الدعاة إلى القطيعة التراثية إنما هم أنصاف مثقفين وأنصاف متعلمين قد أصابوا حظاً من العلوم الجدلية وأغفلوا كثيراً من العلوم البرهانية.

توسع العالم بين الغزالي وابن رشد
انطلق الغزالي في ردوده على الفلاسفة من مبادئ المتكلمين ومنطلقاتهم، لذلك فقد استطاع بجدارة محاجتهم بحجج قوية جداً، غلبهم فيها معظم الأحيان. وهو في محاجاته تلك لم يستعن بالأدلة من القرآن والسنة بل استند إلى أدلة عقلية صرف، وذلك لأن خطابه كان موجهاً بالأصل إلى الجمهور من فلاسفة ومفكرين ومتعلمين وعامة.
اعتمد الغزالي مبدأ الحدوث الذي قال به المتكلمون ومعناه أن العالم قد خُلق من عدم وأن له بداية في الزمان وبداية في المكان، خلافاً للفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم: أي أنه لا بداية له في الزمان رغم التزامهم ضرورة أن يكون العالم محدوداً في المكان على قول أرسطو الذي يقرر أن التزايد في العظم إلى غير نهاية مستحيل.
كما ينطلق الغزالي من فهم المتكلمين للزمان والمكان باعتبارهما هويتين متكاملتين لا اختلاف بينهما من الناحية الفلسفية أو التصورية وهما يجتمعان دوماً في الحدث. فالزمان والمكان عند المتكلمين هما جنس واحد، ماهيتان لا معنى لأحدهما دون الآخر وجدا مع خلق العالم وليس قبله ولا معنى لوجودهما بعده. لذلك يستخدم الغزالي في أحيان كثيرة أثناء حواراته عن خلق العالم مصطلحي البعد الزماني والبعد المكاني. وهذه بحد ذاتها اليوم إضافة مفاهيمية نوعية تعكس فهماً علمياً راقياً للمسألة.
سأل الغزالي الفلاسفة سؤالاً فقال:
"هل كان في قدرة الله تعالى أن يخلق الفلك الأعلى في سمكة أكبر مما خلقه بذراع؟ فإن قالوا: لا، فهو تعجيز. وإن قالوا: نعم، فبذراعين وثلاثة أذرع، وكذلك يرتقي إلى غير نهاية".
ثم يقول: "فنقول في إثبات بُعد وراء العالم له مقدار وكمية، إذ الأكبر بذراعين أو ثلاثة يشغل مكاناً أكبر مما كان يشغل الآخر بذراعين أو ثلاثة، فوراء العالم بحكم هذا كمية تستدعي ذا كم، وهو الجسم أو الخلاء، فوراء العالم خلاء أو مُلاء فما الجواب عنه؟".
ثم يقول أبو حامد: "وكذلك هل كان الله قادراً أن يخلق كرة العالم أصغر مما خلقها بذراع أو بذراعين؟ وهل بين التقديرين تفاوت فيما ينتفي من الملاء ويتبقى من شغل للأحياز، إذ الملأ المنتفي عن نقصان ذراعين أكثر مما ينتفي عنه نقصان ذراع فيكون الخلاء مقدراً والخلاء ليس بشيء فكيف يكون مقدراً؟ "
ثم يقول أبو حامد: "وجوابنا في تخيل الوهم (أي التصور الذهني) تقدير الإمكانات الزمانية قبل وجود العالم، كجوابكم في تخيل الوهم تقدير الإمكانات المكانية وراء وجود العالم ولا فرق". هنا ينبغي أن نتوقف قليلاً عند هذه العبارة لنفهم معناها ومبتغى الغزالي منها. ذلك أن الفلاسفة يتصورون وجود زمان قبل وجود العالم ومن هنا كان العالم عندهم قديماً (أو أزلياً) لا بداية له في الزمان. إلا أن العالم عندهم محدود مكانياً وهو غير قابل للزيادة ولا النقصان، على حين أن المتكلمين ينفون أزلية العالم لكنهم يجوزون أن يصير أكبر منه أو أصغر أي يجوزون أن يكون له إمكان الامتداد إلى حجم أكبر أو الانكماش إلى حجم أصغر. لذلك يوازن هنا أبو حامد بين جوابه (وجواب المتكلمين الذين ينطق باسمهم في تهافت الفلاسفة) في مسألة الإمكان المكاني وجواب الفلاسفة في الإمكان الزماني. وعلى الحقيقة، فيما أجد، فإن هذه الموازنة غير ضرورية وليس يحتاج إليها أبو حامد. فالزمان غير متعلق بالمكان عند الفلاسفة، بل لك منهما هويته وجوده المستقل. وليس الحال كذلك عند المتكلمين الذين يجعلون الزمان والمكان كينونة مشتركة يجمعها الحدث.
يجيب ابن رشد عن الفلاسفة فيقول15:
"هذا الإلزام صحيح إذا جوّز تزيّد مقدار جسم العالم إلى غير نهاية (أي اتساعه إلى غير نهاية) وذلك أنه يلزم على هذا التزيّد أن يوجد عن الباري سبحانه شيء متناه يتقدمه إمكانات كمية لا نهاية لها، وإذا جاز هذا في إمكان العِظَم جاز في إمكان الزمان فيوجد زمان متناه من طرفه وإن كان قبله إمكانات أزمنة لا نهاية لها".
ثم يقول ابن رشد "والجواب عن هذا أن توهم كون العالم أكبر أو أصغر ليس بصحيح، بل هو ممتنع. وليس يلزم من كون هذا ممتنعاً أن يكون توهم إمكان عالم قبل هذا العالم ممتنعاً، إلا لو كانت طبيعة الممكن قد حدثت. ولم يكن قبل وجود العالم هناك إلا طبيعتان: طبيعة الضروري والممتنع. وهو بَيّنٌ أن حكم العقل على وجود الطبائع الثلاثة لم تزل ولا تزال، كحكمه على وجود الضروري والممتنع".
أي أن يكون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر قضية لا تقع في حيز الممكن ، بل هي بين الضروري والممتنع فقط. وكما سيبين ابن رشد في الفقرة التالية فإن كون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر ليس ضرورياً بل هو ممتنع. يقول ابن رشد:
"وهذا العناد لا يُلزم الفلاسفة لأنهم يعتقدون أن العالم ليس يمكن أن يكون أصغر مما هو ولا أكبر، ولو جاز أن يكون عِظَم أكبرُ من عِظَم ويمر ذلك إلى غير نهاية لجاز أن يوجد عِظَم لا آخر له، ولو جاز أن يوجد عِظَم لا آخر له لوجد عِظَم بالفعل لا نهاية له، وذلك مستحيل. وهذا شيء قد صرح به أرسطو، أعني أن التزيّد في العِظَم إلى غير نهاية مستحيل".
أن في هذا القول الفلاسفة لا يقبلون أن يكون العالم أكبر مما هو عليه لأنه لو جاز ذلك لأمكن أن يكون غير متناه في العِظم، وهو عندهم محال. وكأن السماح بزيادة حجم العالم تفضي إلى توسعه إلى ما لا نهاية له! وهذا مُحال عندهم.
ثم يعالج الغزالي المسألة ثانية، وكأنه يرد على ما قاله ابن رشد للتو من حيث الممكن والمقدور، فيقول: "فإن قيل: ونحن نقول أن ما ليس بممكن فغير مقدور وكون العالم أكبر مما هو عليه وأصغر ليس بممكن فلا يكون مقدوراً".
وذلك لأن الفلاسفة يربطون بين المقدور (على الله) والممكن فقدرة الله عندهم مرتبطة بالخلق المتحقق لا أكثر منها ولا أقل. وهذا يعني ضمناً محدودية قدرة الله (تعالى عما يصفون) بحكم أن المتحقق من الخلق محدود.
فيرد ابن رشد هنا متهرباً، على ما يبدو، بقوله:
"هذا جواب لِما شنّعت به الأشعرية (يعني على الفلاسفة): من أن وضع العالم لا يمكن للباري أن يُصيّره أكبر ولا أصغر، هو تعجيز للبارئ سبحانه، لأن العجز إنما هو عجز عن المقدور لا عن المستحيل".
يعني بهذا أن الادعاء بهذا القول على الفلاسفة من أنهم يقولون بعدم قدرة الله على أن يصير العالم أكبر منه ولا أصغر هو تعجيز لله. ولذلك ينفي ابن رشد هنا هذا الادعاء بقوله أن العجز عند الفلاسفة هو عجز عن الممكن وليس عن المستحيل. لكن من الواضح أن في هذا القول تضمين لفرضية أن المستحيل عقلاً (في منهج أرسطو) هو مستحيل على الله أيضاً.
لكن الغزالي يُكمل شوطه في محاكمة هذه المسألة فيقول: "وهذا العذر باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها أن هذا مكابرة العقل، فإن العقل في تقدير العالم أكبر أو أصغر مما هو عليه بذراع ليس كتقدير الجمع بين السواد والبياض والوجود والعدم. والممتنع هو الجمع بين النفي والإثبات وإليه ترجع المُحالات كلها، فهو تحكم بارد فاسد".
أي أن الغزالي يُقر وجود المحالات (المستحيلات) لكنه لا يرى أن اتساع العالم أو تصاغره هو من المحالات. وعلى هذا الاحتجاج يرد ابن رشد بقوله:
"القول بهذا - أي ما قاله الغزالي في حجته- هو كما قال، مكابرة للعقل الذي هو في بادئ الرأي. وأما عند العقل الحقيقي فليس هو مكابرة فإن القول بإمكان هذا أو بعدم إمكانه مما يحتاج إلى برهان". أي أن إبن رشد هنا لا يوافق الغزالي في اعتبار توسع الكون أو انكماشه أمراً ممكناً دون برهان، فهو عنده ليس أمراً معروفاً بنفسه. لذلك يقول إبن رشد: "ولذلك صدق (يعني الغزالي) في قوله أنه ليس امتناع هذا (أي اتساع العالم أو انكماشه) كتقدير الجمع بين السواد والبياض لأن هذا معروف بنفسه استحالته، وأما كون العالم لا يمكن فيه أن يكون أصغر أو أكبر مما هو عليه، فليس معروفاً بنفسه. والمُحالات، وإن كانت ترجع إلى المُحالات المعروفة بأنفسها، فهي ترجع بنحوين: أحدهما أن يكون ذلك معروفاً بنفسه أنه محال. والثاني أن يكون يلزم عن وضعه لزوماً، قريباً أو بعيداً، مُحال من المُحالات المعروفة بأنفسها أنها مُحال".
هاهنا نرى أن إبن رشد يوافق الغزالي في أن مسألة توسع أو إنكماش العالم هي ليست من المُحالات الواضحة البينة بنفسها بل هي مما يحتاج إلى برهان. ويسلك إبن رشد البرهان الجدلي فيما يلي مستخدماً حجة القول بأن القول بإمكان التوسع والانكماش يفضي إلى مُحال من المُحالات. وفي هذه الحالة فإن أحد المحالات هو أن يوجد خارج العالم فضاء فارغ لكي يتوسع العالم إليه وهو الخلاء. ومبعث هذه الفرضية يكمن في أن الفلاسفة لا يرون التوسع المكاني إلا أن يكون في خلاء موجود مسبقاً، وذلك لأن وجود المكان عندهم مستقل عن وجود المتمكّن فيه خلافاً للمتكلمين الذين لا يرون انفصالاً بين المكان والمتمكن فيه. والخلاء عند الفلاسفة مرفوض لأنه كما سيقول ابن رشد "بُعد مفارق" أي فراغ لا حركة فيه وهذا غير مقبول فالحركة أساس لوجود وبدونها لا معنى للوجود عند الفلاسفة. أما المحال الثاني فهو وجود المُلاء، لأن هذا سيعني وجود جسم ووجود الجسم يعني وجود الحركة، والحركة يمكن أن تكون إلى فوق أو إلى أسفل أو دورانية وفي كل هذه الأحوال سيعني أن يكون عالمنا جزءً من عالم آخر، وهذا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية أيضاً وهو مرفوض بناءاً على أن وجود عِظَم لا نهاية له مُحال. حيث يوجد مكان فوق أو أسفل أو حول عالمنا. وعلى نفس المنوال ربما يمكن القول بوجود عالم آخر فوق العالم الثاني وهكذا..لذلك نجده يقول: "مثال ذلك أن فرض العالم يمكن أن يكون أكبر أو أصغر يَلزم عنه أن يكون خارجه ملاء أو خلاء. ووضع خارجه ملاء أو خلاء يَلزم عنه مُحال من المُحالات: أما الخلاء فوجود بُعدٍ مُفارِق، وأما الجسم فكونه متحركاً: إما إلى فوق أو إلى أسفل وإما مستديراً. فإن كان ذلك كذلك وجب أن يكون جزءاً من عالم آخر، وقد تَبَرهن أن وجود عالَم آخر مع هذا العالم مُحال في العلم الطبيعي وأقل ما يلزم عنه الخلاء لأن كل عالم لا بد له من اسطقسات أربعة وجسم مستدير يدور حولها".
وأما الوجه الثاني الذي يُنكر به أبو حامد على الفلاسفة قولهم في مسألة استحالة أن يكون العالم اكبر أو أصغر مما هو عليه فهو ينبني على كشف التناقض بين القول بكون العالم ثابتاً على قدر معين يناقض أحد المبادئ العقائدية لدى الفلاسفة وهي كون العالم معلولاً، يقول أبو حامد:
"أنه إن كان العالم على ما هو عليه لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب مُستغنٍ عن علة، فقولوا بما قاله الدهريون من نفي الصانع ونفي سببٍ هو مُسبّب الأسباب. وليس هذا مذهبكم".
بهذه الحجة البالغة أوقع الغزالي خصومه الفلاسفة في الفخ وفعلاً، ذلك لأن استحالة أن يكون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر يعني أنه مطلق، أي واجب، والواجب (أو المطلق) مستغن عن العلة. فكيف يكون العالم معلولاً إذن؟ هذه النتيجة، برأي أبي حامد، تُلزم الفلاسفة أن يقولوا بما قاله الدهريون أن العالم ليس له خالق.
ورداً على حجة الغزالي هذه يحتكم ابن رشد إلى قياس مغلوط وحجة باهتة لا أدري كيف ساغها لنفسه فهو يقول: "الجواب عن هذا، أما بحسب مذهب ابن سينا فقريب، وذلك أن واجب الوجود عنده ضربان: واجب الوجود بذاته وواجب الوجود بغيره".
أي ربما كان العالم عند ابن سينا واجب الوجود بغيره من حيث كونه ضروري. ثم يقول ابن رشد: "والجواب في هذا عندي أقرب: وذلك أنه يجب في الأشياء الضرورية على هذا القول أن لا يكون لها فاعل ولا صانع، مثال ذلك أن الآلة التي ينشر بها الخشب هي آلة مقدرة في الكمية والكيفية والمادة، أعني أنها لا يمكن أن تكون من غير حديد، ولا يمكن أن تكون بغير شكل المنشار، ولا يمكن أن يكون المنشار بأي قدر اتفق. وليس أحد يقول أن المنشار هو واجب الوجود، فانظر ما أخس هذه المغالطة (يعني ما قاله أبو حامد)...".
أقول: قياس ابن رشد هذا خاطئ لأن الآلة التي يُنشر بها الخشب يُمكن بالفعل أن تكون أكبر مما هي عليه بقليل أو أصغر، فالمنشار يمكن أن يكون كبيراً كما يمكن أن يكون صغيراً فليس منشار قطع الأشجار كمنشار التخريم، وهذا ليس مُحالاً، لذلك فهي ليست واجبة الوجود، بل ممكنة. من هنا نرى أن الحجة المقابلة التي جاء بها ابن رشد في قضية كون العالم المطلق واجب هي حجة ضعيفة، وقياسه على المنشار قياس خاطئ.
الملاحظ أن ابن رشد يغضب حينما يواجهه الخصم بحجة قوية تضعه في موقف حرج أمام سلامة العقيدة. ولعله كان يخاف مثل هذه الاتهامات ويضيق بها ذرعاً لخطورتها، لذلك يعتبرها شيئاً من الخسّة، والسقوط، وغير ذلك من الألفاظ التي استعملها أحياناً بحق الغزالي. على حين أننا نرى بوضوح هنا أن قياسه هو الذي فيه المغالطة ولا نقول أنها خسيسة.
أما الوجه الثالث لبطلان عذر الفلاسفة فيقول فيه أبو حامد:
"الثالث هو أن هذا (المذهب) الفاسد لا يعجز الخصم عن مقابلته بمثله، ونقول: أنه لم يكن وجود العالم قبل وجوده ممكناً، بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان". ثم يختم الغزالي بقوله:
"والتحقيق في الجواب أن ما ذكروه من تعذر الإمكانات لا معنى له، وإنما المُسلَّم أن الله تعالى قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبداً لو أراده. وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد إلا أن يضيف الوهم إليه بتلبيسه بأشياء أُخر".
أي أن كون كون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر ممكن ولا يوجب هذا أن يكون هنالك زمن ممتد قبله ولا بعده، وذلك لأن المتكلمين ومعهم أبو حامد لا يرون وجوداً للزمان إلا مع العالم، لا قبله ولا بعده، لأن وجود الزمان نسبي مرتبط عندهم بالمكان ووجود المادة. فلا وجود لزمان مطلق ولا لمكان مطلق.



 
< سابق

مدخل
الصفحة الرئيسية
الافتتاحية
مرصد العنف
مجالات المرصد
قضايا المرأة
العنف ضد المرأة
قضايا الطفولة
العنف ضد الأطفال
قضايا الأسرة
قضايا الرجل
قضايا المعوقين
المراهقة والشباب
حياتنا الجنسية
قضايا الإيدز
التدخين والمخدرات
قضايا صحية
تربية وتعليم
سكان، تنمية، بيئة
مجتمعيات
فلسفة ورأي
حوار مفتوح
فن وثقافة
إبداعات حرة
كتابك المجاني
كتب وإصدارات
دراسات قانونية
قوانين واتفاقيات
تقارير ووثائق
سؤال وجواب
نشاطات
قضايا الجمعيات
مرصد الإعلام
أدلة وتدريبات
تعاريف ومصطلحات
الاتجار بالبشر
زوايا نساء سورية
زاوية حادة
سكر نساء
بين السطور
وإلى موعد آخر.. كل أحد
همسات صارخة
شغفي..
علم نفس واجتماع
مقالات ودراسات
رسائل وحلقات بحث جامعية
مراجع باللغة العربية
مراجع باللغة الانكليزية
سير ذاتية
دورات، محاضرات، نشاطات
صفحات أساسية
سيرة ذاتية للكتاب
كاريكاتير
صفحات خاصة بالجمعيات
رابطة النساء السوريات
مركز البحوث والدراسات
المركز الإنجيلي لرعاية المسنين
نادي دوحة الميماس
إحصائيات المرصد
عدد المقالات: 6291
عدد القراء: 4395767



© 2008 SWO
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.