|
الإبداع.. دراسة مقارنة بين إبداع الذكر وإبداع الأنثى |
|
|
|
لبنى العيسى
|
|
2006/ 04/ 19 |
|
صفحة 3 من 3 ما هي خصائص الذكورة والأنوثة؟ كان الذكر يرى في الأنثى سراً صغيراً مرتبطاً بسر أكبر هو الطبيعة، وكان يرى أن وراء كل التبديات والتغييرات التي تطرأ على الكون أنثى كونية عظيمة هي منشأ الأشياء (الرحم)، ومردها (إلى أرضها يعود كل شئ). وطبيعة الأنثى "القمرية" جعلت الذكر يقف عاجزاً أمام غموضها وتبدلاتها، فحياة المرأة الفيزيولوجية والسيكلوجية ذات ايقاع قمري لأنها مرتبطة بدورة شهرية معادلة لدورة القمر الذي يبدأ هلالاً في أول الشهر ليتلاشى في آخره، بعد أن يمر في فترة تقع في منتصف الشهر عندما يبلغ البدر تمامه، وهي الفترة التي تنضج فيها بويضة االمرأة قبل أن تتلقى النطاف أوتحيض. ولعل اقتران المرأة بالقمر له ما يبرره، فكلاهما ينتميان إلى المبدأ السالب في الطبيعة والكون، أي "الين" في المبدأ الصيني القديم، ويقابله "اليانغ" المبدأ الموجب الذي ينتمي إليه كل من الذكر والشمس. من تفاعل هاتين القوتين المتكافئتين تستمر حركة العالم ومكوناته، ففي المرأة والأرض والماء يسود الين، وفي الرجل والسماء والنار يسود اليانغ. والين هو العتم والظل والرطوبة والغموض، واليانغ هو النور الساطع والحرارة والجفاف والقوة والإنجاز والوضوح. وفي الفكر اليوناني المبدأ السالب هو "الإيروس" والمبدأ الموجب هو "اللوغوس" ، والإيروس هو عالَم الطبيعة والرغبات والغرائز وخفايا النفس، اما اللوغوس فهو التسلط على الطبيعة، والمنطق، والتفكير المنظم البارد. المرأة تنتمي إلى "الايروس" وإلى "اللوغوس" ينتمي الرجل. وفي علم النفس الحديث أطلقت المدرسة اليونغية –نسبة الى كارل غوستاف يونغ- على الطاقة الموجبة في النفس البشرية اسم "الأنيموس" والطاقة السالبة اسم "الأنيما"، فالأنيما هي الأنثى الكامنة في كل رجل والأنيموس هو الرجل الكامن في كل امرأة. وكما هي طبيعة الأنثى قمرية فإن الرجل يحكم حياته السيكلوجية والبيولوجية إيقاع الشمس، الشمس التي هي مصدر منتظم للنور والحرارة وتخضع في شروقها وغروبها لنظام وقانون دقيق، وهي حين تغرب لا أحد يشك في شروقها نفسه في اليوم التالي، أما القمر فنوره متبدل ومتغير، فهو يشرق في الليل ولكن شروقه لا يتواقت مع ابتداء الليل كما يتواقت شروق الشمس مع ابتداء النهار، بل يبدو أن شروقه تابع لمزاجه الخاص. فقد نراه مع المغيب متجهاً نحو الغرب، وقد يطلع من الشرق في أوائل الليل أو في أواسطه أو نهايته، أو لايطلع أبداً تاركاً السماء في ظلام، أو يظهر في وسط النهار! أنه ببساطة الأنثى (كصفة مطلقة) المتقلبة المزاج الغامضة الأطوار التي تسلك حسب خصائص الطبيعة وليس قوانين التنظيمات الإجتماعية المحكمة التي وضعها الذكر"الشمسي الايقاع" وأصبح مسيّراً بها، والذي صاغ الغايات والأهداف المتعالية على نظام الطبيعة، أي نظام المجتمع، والذي ينظر دائماً نحو الأعلى راغباً في مزيد من الإنجاز وتحقيق عظائم الأمور. أما المرأة فهي حكمة الطبيعة، تنظر دائماً نحو الأرض، وتنشد السعادة التي تحققها حركة الجسد في ايقاعه الطبيعي، لا حركة الذهن في ايقاعه المجرد. "سواح،1993، 74-76لماذا إنقلب الذكر على الأنثى؟ دُهش الذكر بقدرة الأنثى على توسيع دائرة ذاتها بالحب، لتشمل ذاتاً أخرى ومخلوقاً آخر هو طفلها، ودُهش من أن كل رحم يأتي بأخوة وأخوات للمولودين من رحم آخر، ورأى كيف تزدوج الأنثى جسدياً ونفسياً وتوسع آفاقها وكيانها الملموس بالولادة. أما الذكر فبالولادة لا يزدوج بل "يتمرأى أمام ذاته (كما يفعل المبدع عندما ينظر إلى قطعة فنية أنتجها للتو)، لكنه لا يندمج مع الطفل كما تفعل الأم. وأمام تجربة الولادة هذه وكل خصائص الأنثى السابقة وقف الذكر عاجزاً ومدهوشاً، ولعله لهذا السبب أراد أن ينقلب على الأنثى ليقوم يتجريب فعل الولادة المنتج الخلاق بطريقته وبقدراته وبقوانينه وصفاته كذكر، فكان الإبداع الذي عرُفناه سابقاً بأنه (محاولة لخلق أو انتاج شيئ جديد). وهذا قد يفسر لنا سبب محاولات الذكر الإبداعية اليوم التي تزيد كثيراً عن محاولات الأنثى. وبطبيعة الحال فإن جميع سمات المبدع النفسية والعقلية تشابه طبيعة الذكر الشمسية، أما طبيعة الأنثى القمرية (أو الأنوثة كصفة مطلقة) قتبدو وكأنها موضوع للإبداع، فهي بطبيعتها سر كوني غامض، والمبدع من صفاته عدم قبول الغموض والقيام بمحاولات مستمرة لكشفه. وهي بطبيعتها (القمرية) اجتماعية ومسالمة تنشر العدل والحب، والذكر بطبيعته الشمسية المطلقة أكثر عدوانية وتنظيم وأقل اجتماعية، وهي نفسها سمات المبدع في العصر الذكري. من جهة أخرى نجد أن الإبداعات والاختراعات (الدينية- العلمية- الأخلاقية- الفنية) التي قامت منذ القدم تبدو وكأنها محاولات لعقلنة الطبيعة والسيطرة عليها، والتي هي في نفس الوقت سيطرة على الصفات الأنثوية وعلى المبدأ الطبيعي الذي كانت تحكم المرأة وتسلك حسب قوانينه. فالمبدأ الأمومي يجمع ويوحد والمبدأ الأبوي يفرّق ويضع الحواجز والحدود، المبدأ الأمومي مشاعة وعدالة ومساواة والمبدأ الأبوي تملك وتسلط وتميّز. واليوم، في هذا المجتمع الذكوري نجد أن المرأة تعيش تبعيتها، لكنها في الحقيقة تمتلك أن أرادت في الوقت نفسه مفاتيح حريتها، لأنها هي غالباً ما تختار حياة مقتصرة على الزواج والإنجاب والتربية التي تفضلها على الحياة الروحية والفكرية والذهنية، وتبدو وكأنها متصالحة مع ذاتها لدرجة أنه ليس لديها فضول لتعرف لماذا، أو كيف، أو ماذا يبدع الرجل، كما أنه لا يغريها تفوقه العقلي الذي به تمضي "الذكورة" باحثة ومفتشة في هذا الكون. وهي لو كانت تتألم أو تشعر بالنقص من تفوق الذكر لحاولت جاهدة أن تحقق التكافؤ. ولاتبعت وسيلة ما لاسترجاع ما سُلب منها لكنها في الحقيقة لا تشعر بالنقص لأنها أندمجت في لعبة المستَغِل والمُستَغَل، وهي ليست الأخير طبعاً بل الرجل، لأنه لا يعلم أنه بإختراعاته وإبداعاته يزيدها دعة وراحة، وتفوقه عليها لا يسبب لها أي قلق أو توتر وجداني، إنها اليوم تعيش طبيعتها أو تميزها كحالة فردية و ليس كنظام اجتماعي كما في العصر الأمومي. الذكورة بطبيعتها نهمة في التوغل بخفايا الكون واستجلاء أسراره، والذكر المطلق، دائم التأمل والتفكير والاستنتاج، وهو ليس مخترعاً فقط للمعلومات والانطباعات المختلفة والمعقدة بل بإمكانه إعادة خلقها وتجديدها أو خلق غيرها وإبداعها، أنه فضولي ومحب للتطلع، فالمعرفة عنده غاية بحد ذاتها لا تتوقف عند حدود الملاحظة فقط، أما المرأة فلا تهتم بالمعرفة إلا لكونها وسيلة تستعملها بهدف تحقيق القبول أو الانتماء أوالمكانة الإجتماعية. "كيراكوس،1994، 27"رابعاً: هل للإبداع هوية جنسية؟ في النهاية، هل نقول أن الإبداع كله ذكوري؟ وهل نستطيع القول أن هناك ابداع ذكري وابداع أنثوي؟ إن كل خصائص الإبداع وتعريفاته لم تذكر أن الذكر "البيولوجي" أكثر ابداعاً من الأنثى "البيولوجية" بل هناك سمات شخصية يتطلبها الفرد المبدع وهي سمات ذكرية أكثر من كونها سمات أنثوية، ويجب ألا ننسى أن الفرق بين خصائص وقدرات الذكر والأنثى هي فروق في الدرجة وليست في النوع، لكن المعايير الذكورية الدارجة حولتها إلى فروق في النوع وبالتالي فروق في القيمة، لتشعل بذلك حرباً بين الذكر والأنثى. حتى أننا نرى الذكر الذي ترتفع عنده درجة العاطفية نسبة إلى باقي الذكور يشبّه بالإناث ويُعتبر هذا الأمر شتيمة، وكذلك الأنثى الأكثر عدوانية تشبّه بالذكر ويقال بأنها مسترجلة. ولكن من المعروف حديثاً أن الذكورة والأنوثة ليسا بُعدان منفصلان بل يقعان على متصل واحد: 
والأمر ينسحب على جميع الصفات التي تعتبر أنثوية والصفات التي تُعتبر ذكرية، ولعل الجدول التالي يوضح الصفة الأنثوية وما يقابلها من صفة ذكورية:أنوثة | ذكورة | ثبات | حركة | سلبية | ايجابية | استقرار | ترحال | الحمل/التعبير الداخلي عن الذات | الأثر/التعبير الخارجي عن الذات | الجوهر | المظهر | المكان | الزمن |
ولكي يصبح الذكر رجلاً والأنثى امرأة لا بد من أن يتصف كلاً منهما بشئ من الآخر وأن يحمل كلاً منهما هرمونات الجنس المقابل. وقد ظهر في دراسات سابقة (هيلسون وهوفمان) أن القدرات الإبداعية ترتبط بسمات الجنس المقابل، بمعنى أن الإناث المبدعات ترتفع عندهن السمات الذكرية وكذلك الذكور المبدعين ترتفع لديهم السمات الأنثوية. وبلغة أخرى نستطيع القول أن الإبداع يتطلب سمات معينة يمكن أن تتواجد عند الرجل ويمكن أن تتواجد عند المرأة، ولكن بحكم أن سمات الإبداع تتطابق مع السمات الذكرية أكثر من السمات الأنثوية فمن الطبيعي أن نرى الإبداع عند الذكور أكثر من الإناث، وهذا لا ينفي الإبداع عند الأنثى إذا هي اتسمت بسمات الشخصية الذكرية. وليست محاولات تمييز ابداع المرأة التي ظهرت مؤخراً، وخاصة في مجال الأدب، سوى محاولات سلبية ومهينة للمرأة وللإبداع على حد سواء أكثر مما هي ايجابية، لأنها تكرس الفروق على أساس القيمة بين ابداع الذكر وابداع المرأة وهذا غير مقبول، لإن الإبداع لا يتجزأ إلا إلى اختصاصات. إن الإبداع الحقيقي ليس له هوية جنسية ولا يمكن الحديث عن ابداع ذكري وابداع أنثوي لأن العمل الحقيقي يفرض قيمته بما فيه من ميزات فنية جمالية أو علمية تتطابق مع معايير الإبداع ومدى جدة وأصالة هذه الميزات، ولا يفرض قيمته على أساس الجنس. "داكو، بلا، 284" "كيراكوس،1994، 47".خامساً: تقييم الإبداع: كيف يقيم الناتج الإبداعي؟ ومتى يعتبر الشخص مبدعاً؟ وهل المهم هو غزارة الناتج الإبداعي أم المهم نوع وطبيعة الإبداع؟ أولاً وللتوضيح لا بد من التفريق بين الإبداع والموهبة، فبالرغم من أن الإبداع يتطلب الموهبة أحياناً إلا أن الموهبة وحدها أقل صرامة في مفهومها من الإبداع، وليس من الضروري أن يكون منتَج الموهبة استثنائي وفريد ومبتكر كما هو الناتج الإبداعي، كما أن الموهبة غالباً ما تتعلق بنشاطات الأطفال أما الإبداع فهو يتعلق بنشاطات الكبار. والمبدع إذا أردنا تعريفه تعريفاً تقييمياً هو الشخص الذي يقوم بالإنتاج عبر مدى طويل من الزمن، لعدد كبير من الأعمال التي يكون لها تأثيرها الواضح والكبير على الآخرين لسنوات عديدة. وليس من الضروري أن تعرف قيمة العمل الإبداعي فور ولادته، فكثير من المبدعين (العلماء والفنانين) توفوا قبل أن يعرف العالم قيمة أثرهم، وكثيرين أيضاً قتلوا بسبب ابداعاتهم التي غيرت مفاهيم البشر في وقتها. من جهة اخرى لا نستطيع القول أن هناك ابداع خيّر وابداع شرير فالإبداع يحمل قيمته في ذاته سواءٌ قيّم من قبل عامة الناس أو نخبة منهم. أما بشكل موضوعي فقد تم اعتماد عدة معايير للحكم على أن الشخص هو مبدع كأن يكون أحد العشرة الأوائل من حيث الإنتاجية في المواد الإبداعية في اختصاصه، مثل توماس أديسون الذي سجل 1097 براءة اختراع وهو الرقم القياسي المسجل لدى مكتب براءات الاختراع في الولايات المتحدة حتى الآن، أو سيجموند فرويد الذي نشر حوالي 330 بحث اعتُبروا ثورة في علم النفس، أو بيكاسو الذي قدم أكثر من 20 ألف عمل فني. لكن اعتماد العدد فقط في التقييم يعتبر ظالماً للكثير من المبدعين الذين أنتجوا عملاً واحداً فقط وسمي انتاجهم إبداعاً فهناك 46% من عينة المبدعين الموسيقيين الذين تناولهم الباحث "دينيس" في دراسته عام1955 كانوا ممن أنتجوا عملاً موسيقياً واحداً، وكذلك الأمر ينطبق على "ماندل" عالم البيولوجيا، فهو بالرغم من أنه لم ينشر سوى تسعة مقالات علمية إلا أنه يعتبر الأهم من بين كل علماء البيولوجيا. وقد وضع معيار آخر لتقييم الإبداع وهو مدى ترديد العمل الإبداعي على لسان العامة، أو مدى شهرة العمل الإبداعي، إلا أن هذا المعيار يغبن الكثير من المبدعين وخاصة في مجالات العلوم حقهم، لأن الأعمال الإبداعية التي تحدث على هذا الصعيد لا يعلم بها العامة ولا يرددونها وذلك لتخصصها ودقتها وابتعادها عن حياتهم واهتماماتهم. ولكن يبدو أن الكم والكيف لا ينفصلان، فهناك دائماً عملية غربلة وفرز تقوم بها الأجيال للأعمال الإبداعية، فكلما كان ناتج المبدع غزيراً زادت فرصته لأن يترك إنتاجاً عقلياً يتحمل عملية الغربلة هذه، أي أن الكيف هو نتيجة احتمالية مترتبة على الكم. "سايمنتن،1993، 135" "روشكا،1989، 34".سادساً: المراجع: الكتب: الحنفي، عبد المنعم- الموسوعة النفسية الجنسية- مكتبة مدبولي- القاهرة- مصر 1997- ط.1. داكو، بيير- المرأة : بحث في سيكولوجية الأعماق- ترجمة وجيه أسعد- الدار المتحدة- دمشق- سوريا- 1991- ط.3. رمزي، ناهد- سيكلوجيا المرأة- دارالنهضة العربية- القاهرة- 1983. سواح، فراس- لغز عشتار- دار علاء الدين- ط5- دمشق- 1993. شوي، أورزولا - أصل الفروق بين الجنسين – ترجمة: بو علي ياسين- دار الحوار للنشر و التوزيع اللاذقية - سوريا -1995- ط.2 غارودي، روجيه- مستقبل المرأة- ترجمة: محمود هاشم الودرني، دار الحوار- سورية- اللاذقية- 1985. كيراكوس،الدوريات العربية: روشكا، ألكسندر- الإبداع العام والخاص - ترجمة: غسأن عبد الحي أبو الفخر- عالم المعرفة- العدد144- الكويت- 1989. سايمنتن، -العبقرية والإبداع والقيادة – ترجمة شاكر عبد الحميد- عالم المعرفة- العدد176- الكويت- 1993. الظاهرة الإبداعية- عالم الفكر- العدد4- المجلد 15- الكويت- 1985. مرّي، نيلوبي- العبقرية / تاريخ الفكرة- ترجمة: محمد عبد الواحد محمد- عالم المعرفة- العدد 208- الكويت- 1996. 4/2005
|