|
الإبداع.. دراسة مقارنة بين إبداع الذكر وإبداع الأنثى |
|
|
|
لبنى العيسى
|
|
2006-04-19 |
|
صفحة 2 من 3 * والأن ما هي السمات الشخصية للأنثى؟ غالباً ما توصف الأنثى بأنها اكثر عاطفية، اجتماعية، سلبية ، أقل عقلانية، غير مستقلة، تلائمها الأعمال الرتيبة والروتينية، كما أنها غير جازمة، أقل عدوانية من الذكر. وتشير بعض البحوث إلى أن الإناث المرتفعات الذكاء يقللن من شأن قدراتهن الخاصة ويقدمن تقييماً أقل من تقييم الذكور لأعمالهن وأقل أيضاً من أدائهن الفعلي لما قاموا به من عمل، هذا إلى جانب أنهن أكثر تأثراً بآراء الآخرين وميلاً إلى تغيير أحكامهن الادراكية إذا ووجهن بآراء تعارض آرائهن، كما أنهن يملن إلى تجنب الأعمال الصعبة غير مضمونة النجاح، بينما يعتبر الذكور أن هذه الأعمال بمثابة تحدي لقدراتهم. هذه الصفات إذا ما قارناها بالسمات اللازمة للشخصية المبدعة نجدها على النقيض منها ومتنافرة معها فقد أجريت الكثير من البحوث التي أثبتت ارتباط العدوانية والحسم في اتخاذ القرار، والاستقلال، والرغبة في المجازفة والثقة بالنفس بالابداع. وربما قد يفيدنا الاطلاع على بعض الدراسات التي تهدف إلى دراسة السمات الإبداعية لدى الإناث على الرغم من أنها لا تتجاوز 55 من بحوث الإبداع بشكل عام: قام هيلسون1974 بسلسلة من البحوث تناولت سمات الشخصية والنمط المعرفي والتاريخ الشخصي للنساء الجامعيات المبدعات في العلوم والفن والدراسات الانسانية والرياضية، وأظهرت بحوثه أن المبدعات في الرياضيات أظهرن ارتفاعاً في أدائهن بالمقارنة مع العينة الضابطة من غير المبدعات، وذلك في المرونة وفي استقلال الحكم وعدم النفور من الغموض والاقدام على الأمور، كما حصلن على درجات أقل في الميول الإجتماعية وفي الامتثال لمعايير المجتمع، كما أظهرت الدراسة التتبعية نمواً في هذه السمات لدى الإناث المبدعات، ولوحظ أن متغير الزواج لم يتدخل في التأثير على القدرات الإبداعية ولا على السمات المزاجية لهن، ولكن بالمقارنة مع المبدعين الذكور من علماء الرياضيات لوحظ أنهن أقل ثقة بأنفسهن وأقل قبولاً لذواتهن. وفي دراسة أخرى قام (باشتولد ووارنر 1970) بدراسة تهدف إلى تحديد السمات الشخصية للنساء الأكاديميات اللاتي وصلن إلى قمة نجاحهن العلمي في مجال تخصصاتهن، كما قام بإجراء مقارنة بينهن وبين الإناث في المجتمع العام من جهة والنساء الجامعيات من جهة أخرى، وبين الرجال الأكاديميين الذين حققوا نجاحاً مرموقاً في مجالاتهن العلمية لمعرفة طبيعة الفروق في أنماط الشخصية، وقد توصل الباحثان إلى أن النابغات ممن يعملن في مجال علم الننفس تحديداً يختلفن عن النساء الراشدات في المجتمع بشكل عام وعن النساء الجامعيات في كثير من سماتهن الشخصية، فقد كن أكثر ذكاءً وسيطرة وحساسية ومرونة، ميالات للمخاطرة ولأخذ الأمور مأخذ الجد، اجتماعيات بتحفظ. ومما يلفت النظر التشابه الشديد الذي ظهر بينهن وبين الرجال الأكاديميين الناجحين على مقياس العوامل الستة عشر لكاتل، إلا أن عالمات النفس بشكل خاص حصلن على درجات أعلى في ضبط الأنا وفي التحرر ودرجات أقل في الانفعالية. وقد أجريت بحوث أخرى على درجة كبيرة من الأهمية تؤكد على ارتباط الإبداع بسمات الذكورة والأنوثة، و تدل أغلب هذه الدراسات على أن القدرات الإبداعية ترتبط بسمات الجنس الآخر بمعنى أن الإناث المبدعات ترتفع لديهن السمات الذكرية عن مجموعتهن الضابطة، كذلك الذكور من المبدعين ترتفع لديهم االسمات الأنثوية أكثر من أقرانهم الأقل ابداعاً. وفي بحث آخر لـ(ماكوبي 1963) تبين أن الإناث المتفوقات في حل مسائل الهندسة الفراغية أكثر من غيرها من المسائل كن أكثر ميلاً في سماتهن للسمات الذكرية من بقية الفتيات اللاتي تساوين معهن في مستوى الذكاء، كما لاحظت الباحثة ميلهن للعدوانية ونزوعهن الواضح للسيطرة. كذلك أجرت (لينيلجون 1967) بحثاً في العلاقة بين الإبداع والسمات الذكرية والأنثوية لدى الجنسين، وتوصلت إلى أن هناك فرقاً واضحاً بين مرتفعات الإبداع وبين العينة الضابطة، في الأداء على مقاييس الذكورة والأنوثة، فقد كانت مرتفعات الإبداع أكثر ميلاً لتمثل السمات الذكرية من الأخريات. كما توصلت (أوتزل) في دراسة لها عن القدرات العقلية الأولية أجرتها على مجموعة من الذكور في المرحلة الابتدائية، إلى أن هناك ارتباطاً ايجابياً دالاً بين الذكاء وبين السمات الأنثوية وارتباطاً سلبياً أقل دلالة بينه وبين السمات الذكرية، وبعبارة أخرى: الذكور الأكثر ذكاءً أكثر أنوثة والأقل ذكاءً أقل أنوثة. وبإستخدام نفس الاختبارات على مجموعة من الإناث تبين للباحثة أن ارتفاع مستوى الذكاء لديهن يرتبط بكل من السمات الأنثوية والذكرية معاً. كذلك توصلت بحوث (ماكينون وبارون 1962) إلى أن الذكور المبدعون في المجالات الجمالية والفنية كانوا أعلى في سماتهم الأنثوية بالمقارنة بأقرانهم الأقل منهم أصالة وابداعاً وذلك في أدائهم على اختبارات الذكورة والأنوثة. ولا يعني بالضرورة اتسام الشخص المبدع ذكراً كان أو أنثى ببعض سمات الجنس الآخر أن يكون لدى هذا الشخص اهتمامات جنسية مثلية، لكن يعني أن الشخصية المبدعة تتميز بالتآلف والتركيب بين سمات ذكرية وسمات أنثوية سواءً بالنسبة للذكور أو بالنسبة للإناث. فصحيح أن الإبداع يتطلب الاستقلال المرتبط بسمات الذكر أكثر من الأنثى إلا أنه يتطلب الحساسية التي تعتبر من مميزات الأنثى، وعلى هذا علينا أن نتوقع أن يُظهر الذكور البدعون ميلاً إلى الأنوثة اكثر مما يظهر أقرانهم من غير المبدعين وأن تُظهر الإناث المبدعات ميلاً ذكرياً أكثر مما تظهر قريناتهن من غير المبدعات. ولكن من جهة أخرى نجد فعلاً الكثير من المبدعين المشهورين الذين عرفوا بميولهم الجنسية المثلية مثل دافنشي ومايكل أنجلو ورافائيل وتشايكوفسكي وأوسكار وايلد. وغالباً ما تكون الإناث اللواتي يتمتعن بدرجة ذكورة مرتفعة متمثلات بالأب، وأكثر استقلالاً عن الأم وما تمثله من دور جنسي أنثوي، مما يلعب دوراً حاسماً في استقلالهن وثقتهن بأنفسهن. وبما أن سمات الشخص المبدع تتطلب العدوانية فقد أجريت العديد من الدراسات لقياس مدى ارتباط ارتفاع الأداء على مقاييس التحصيل المختلفة بالسمات العدوانية للإناث (مع العلم طبعاً أن ارتفاع التحصيل ليس دوماً مؤشراً على الإبداع، إلا أن بعض المبدعين كانوا مرتفعي التحصيل (مثل سيجموند فرويد الذي كان على رأس فصله في المدرسة الثانوية الألمانية وتخرج بدرجة الامتياز الفائقة) فقد ظهر أن مرتفعات التحصيل أكثر عدوانية من متوسطات التحصيل. وبما أن أغلب دراسات الفروق الجنسية في العدوان أثبتت أن الذكور هم أكثر عدوانية من الإناث، تم الربط بين العدوان وبين القدرة على الاستقلال عن البيئة المحيطة، فارتفاع درجة العدوانية عند الذكر تجعله يدخل في صراعات أكثر من الأنثى مع السلطة الوالدية، إلا إذا اتسمت الأنثى بسمات ذكرية عدوانية جعلتها تقاوم تدخل الوالدين وتحاول التغلب على ما يواجهها من عقبات أو ضغوط تعيق جهودها لتحقيق هوية مستقلة، وما قد يكون لذلك من أثر عليها لتكوّن شخصية مبدعة في المستقبل. "رمزي،1983، 63-68" "الحفني،1997، 49" "سايمنتن،1993، 75" "شوي،1995، 20".4- الموقف الإبداعي أو المناخ الإجتماعي للإبداع: وهو في معناه الواسع يعني الوسط المباشر وكل ما يحيط بالمبدع من تأثيرات اجتماعية ونفسية، اقتصادية، ثقافية، تربوية، تسهل أو تحبط التفكير والعمل الإبداعي. وما سنتناوله هنا بإختصار ومن خلال بعض الدراسات السابقة التأثير التربوي والأسري والمدرسي على تكوين وترسيخ الإبداع أو القدرات الإبداعية لدى الفرد. أظهرت الكثير من الدراسات أن الأسلوب التربوي المعتدل الذي يتبعه الأهل تجاه تربية أبنائهم بما يحتويه من تشجيع على الاستقلالية العقلية، وخلق الظروف المناسبة لتطوير المهارات والاستعدادات تسهم في تطوير وتنمية السلوك الإبداعي للشخصية، ويتضمن ذلك أيضا:ً عدم الإكرا، وإبعاد العوامل التي قد تقود إلى الصراع عند الأولاد، وتشجيع المخاطرة، واختيار الصعب لكن في الحدود المناسبة للمرحلة العمرية. كما توصلت إحدى الدراسات التي قام بها عبد الحليم محمود 1974 إلى أن التقبل والحب من الوالدين، وإتاحة الفرصة لاستقلال أبنائهم يؤدي إلى ثقة الأبنائهم بأنفسهم وشعورهم بالأمان، مما يدعم السلوك الإبتكاري والإبداعي لديهم، إلا أن هذا الحب يحتاج إلى الضبط فلا يفرط الوالدين في تقديمه. كما يجب تعريض الإبن أيضاً لخبرات فشل واحباط مقبولة بالنسبة لعمره كي يستمد منها الطاقة لتحمل الضغوط والاحباطات المقبلة التي يتعرض لها نتيجة لوجود موقف غامض يسثير فيه التوتر والجهد مما يدعم استمرار ظهور القدرات الإبداعية لديه. يضاف الى كل هذا العامل الحاسم الذي يلعبه تقبل فردية المبدع في الجماعة السيكلوجية التي ينتمي إليها وهي هنا الأسرة والتي تكون بمثابة السند النفسي للمبدع في طريقه الوعر... ولا بد عند حديثنا عن علاقة التنشئة الأسرية للآباء بإبداع الأبناء من دراسة كل جنس على حدة، فمعاملة الآباء تختلف باختلاف جنس الأبناء، فهم مثلاً لا يشجعون استقلال الفتاة عن أمها مثل تشجيعهم لاستقلال الفتى، كما أنهم لا يقبلون السلوك الإتكالي من الذكر بقدر ما يقبلونه من الأنثى. وقد توصلت احدى الدراسات إلى أن السلوك الرافض والجامد من الأم تجاه الفتيات وبخاصة في الفترة المبكرة من حياتهن يعجل من دفعهن نحو النمو العقلي والحركي على عكس الإفراط في الحماية الذي يعطل هذا النمو. لكننا لا نستطيع التعميم هنا، فبرغم كثرة الدراسات التي تعزو قلة الإنتاج الإبداعي أو العقلي للمرأة إلى أساليب التنشئة الأسرية التي تنالها أوالتي لا تشجع نمو القدرات الإبداعية، نجد أن هناك الكثير من المبدعين الذكور الذين نشأوا في مناخ تربوي (أسري أو مدرسي) واجتماعي واقتصادي سيئ جداً ولم يتلقوا فيه أي تشجيع على الاستقلال كما لم يتلقوا فيه الحب والدعم والقبول الكافي لابداعاتهمن، وبالرغم من هذا نبغوا وأبدعوا في مجالات شتى مثل بتهوفن الذي عاش حياة أسرية مأسأوية ورغم ذلك أنتج ما يعتبر خالد موسيقياً. وما يقال أيضاً عن أن مناخ المدرسة الذي يشجع الإبداع بأنه يجب أن يحض على النشاط الفعال، والمنافسة، والنقد، وتقبل الأساتذة للطلاب وتشجيعهم على تنمية قدراتهم الإبداعية، لم نجده متوفراً عندما ظهر عالم مثل آينشتاين، ففي ملاحظات في السيرة الذاتية التي كتبها آينشتاين تظهر الإدانة التالية للأساليب التربوية:" لقد كان على المرء أن يحشو عقله بكل هذه المواد سواءً أكأن يحبها ام لا، وكان لهذا الإجبار أثر بلغ سوئه علي أنني وجدت عندما اجتزت الامتحان النهائي أن النظر في أية مشكلات علمية أمر بغيض لمدة عام كامل" "ساينتن،1993، 105". فالتربية إذاً من الممكن أن لا تحول دون ابداع الفرد حتى لو كانت تركز على أساليب تربوية تحبط القدرات الإبداعية وتمنعها من الظهور، مما يعني أن عدم تشجيع أساليب التربية لقدرات الأنثى الإبداعية على الظهور ليس سوى حجة غير منطقية تُدحض أمام نماذج ابداعية ذكرية عانت كثيراً على الصعيد الشخصي. والمتتبع للعمل العقلي لكلا الجنسين يلاحظ دون عناء التفاوت بين أعداد الرجال وأعداد النساء ممن بلغوا مراتب التفوق في مجالات الحياة المختلفة. فمن 1030 حالة من المتفوقين الذين قام أليس بدراستهم لم يجد سوى 55 امرأة برزت أغلبهن في مجالات خاصة كانت مقتصرة على النساء وحدهن. وفي حصر مماثل آخر تبين أنه من بين ألف شخص من المشاهير لم يكن هناك سوى 32 امرأة فقط من بينهن 11 امرأة في منصب الحاكم بالوراثة بالاضافة إلى 8 أخريات لعب الجمال أو بعض الظروف الجانبية الأخرى دوراً هاماً بالنسبة لهن، أما الباقيات فكن ممن كسبن شهرتهن من خلال نبوغهن أو عبقريتهن. وتذكر أنستازي أنها لم تجد إلا خمسة وخمسين امرأة فقط من بين 2607 عالماً يعملون في مجال العمل العقلي، ومن بينهم 2.1% فقط يعملون في مجال العلوم الطبيعية وترتفع النسبة لتبلغ أقصى ارتفاع لها في مجال علم النفس لتصل إلى 22%. ****من خلال هذه النسب الأخيرة وبعد معرفة سمات المبدع الشخصية، يظهر ما يدل على ان سمات الرجل الشخصية تشبه ما يتصف به المبدع أكثر من سمات المرأة الشخصية، واضافة إلى الدراسات السابقة الذكر التي تبين أثر العوامل الاجتماعية والمحيطة في احباط ابداع المرأة والتي تقارن بين أساليب تربية الذكور وأساليب تربية الإناث وأثرها على السمات الإبداعية، ظهرت أيضاً الكثير من الدراسات التي حاولت أن تجيب على التساؤل التالي: هل هذه السمات أصيلة ومن طبيعة الأنثى؟ أم هي تعود فقط للضغوط التي يضعها المجتمع أمامها لكي تمتثل للدور الجنسي الذي رُسم لها ؟ قد تكون البحوث السابقة أجابت على السؤال الثاني، أما محاولة الإجابة على السؤال الأول فستكون بالرجوع إلى العصر الأمومي الذي سادت فيه العلاقات والمعايير الأنثوية، لأنه يدلنا بصدق على الصفات الموجودة عند الأنثى في عصر لم يكن فيه اضطهاد للمرأة أو غبن لحقوقها، كما لم تكن فيه الصفات الأنثوية مُعابة و متدنية أوتعتبر من الدرجة الثانية بل على العكس، كنت بعض الآلهة التي عُبدت: أنثى. كما أن صفات المجتمع الأمومي تكشف لنا النقاب عن الصفات الأصيلة للأنثى، التي لم تتأثر بعد بقيم الذكور الموجودة في عصرنا هذا وبالتالي لا التنشئة ولا التربية كانت تفضل الذكور على الإناث لتكسبهم صفات أكثر ايجابية من الإناث، الأمر الذي يعُتبر اليوم سبباً في عدم ابداع المرأة. وستكشف لنا هذه العودة التاريخية مدى ابتعاد هذه الصفات واقتربها من الصفات المطلوبة من الإنسان لكي يكون مبدعاً. من جهة أخرى، يبدو من الضروري معرفة سبب انقلاب الذكر على سلطة الأنثى وانتصاره الذي استطاع من خلاله تكريس القوانين الذكرية، وعلاقة هذا الأمر بالإبداع؟ثالثاً: أنوثة وذكورة المجتمع الأمومي وعلاقتها بالإبداع: كان الاعتقاد السائد حتى أواسط القرن التاسع عشر أن العائلة البطريركية الحالية قديمة قدم المجتمع الإنساني، إلا أن هذه الفرضية تهاوت أمام النقد العلمي الذي قدمه رواد الأنتروبولوجيا والعلوم الإنسانية الأخرى، فقد أثبت هؤلاء أن العائلة ذات القيم الأنثوية التي ترجح مكانة الأم هي الأقدم. ففي المجتمع الأمومي لم تستلم المرأة زمام الأمور بسبب قوتها الجسدية وما تحمله من اسقاطات اليوم، بل بسبب خصائصها الروحية والسيكلوجية التي صبغت حياة الجماعة وقيمها وعلاقاتها ونظمها وجمالياتها، والتي يقف الذكر أمامها عاجزاً أو خائفاً في أعماقه، فالمرأة بالنسبة لإنسان ذلك العصر (10000 ق.م) كانت موضوع حب ورغبة وموضوع خوف ورهبة في آن معاً، فمن جسدها تنشأ حياة جديدة ومن صدرها ينبع حليب الحياة وخصبها، وما تفيض فيه على أطفالها هو خصب الطبيعة. وعندما تعلم الانسان الزراعة وجد في الأرض صنواً للمرأة فهي تحبل بالبذور وتطلق من رحمها الزرع الجديد. ومن المعروف أنه بعاطفة الأمومة تندفع المرأة لتأمين حياة طفلها، فكانت النساجة الأولى. وبسبب وجودها في مكان ثابت وخروج الرجل للصيد اكتشفت الزراعة، واكتشفت معها خصائص الأعشاب التي تشفي من الأمراض فكانت الطبيبة الأولى. عاطفة الأمومة لم تكن تميز بين الأخوة مهما اختلفت خصائصهم وقدراتهم، ومن هنا كان المجتمع الأمومي يتميز بروح العدالة والمساواة الإجتماعية والسلام، فسيكلوجية المرأة البعيدة عن التسلط والاستبداد والعنف والخراب والدموية والدمار منحت إنسان ذلك العصرالأمان والمحبة والسلام والحرية دون تمييز بين الرجل والمرأة، فرجال العصر الأمومي كانوا أكثر عزة وأنفة وفروسية من رجال العصر البطريركي، فالأم المعتزة حقيقة بأنوثتها ستربي أطفالها على الاعتزاز أيضاً بما يحملون من صفات. إن لاكتشاف الأنثى الزراعة مدلولات عديدة، فهو ترسيخ لمفهوم الثبات والاستقرار، هذا المفهوم الذي اعتبر بمثابة روح العصر الأمومي والذي هو بالتالي من سمات الأنثى، كما أنه بطبيعة الحال عكس مفهوم الحركة أو التغير التي هي من سمات الذكر (والعامل الرئيسي في الإبداع)، ومن هنا يظهر لنا سبب انقلاب الذكر على الأنثى. لكن ثبات المجتمعات القديمة في الأرض واستثمارها في الزراعة، وبدء تشكل المجتمعات المستقرة، وظهور الفائض في الإنتاج وقابليته للتبادل بين التجمعات المختلفة أدت إلى بروز البضاعة ومن ثم الثروة. وبسبب قوانين الزواج في ذلك العصر - والذي كان يعرف بالزواج الثنائي- كان الرجل يغادر البيت صفر اليدين في حال انفصال عقد الزواج، هذا من ناحية، من ناحية أخرى فإن مركز الرجل الاقتصادي كان يقوى ويزداد، وهكذا بدأ بالتفكير جدياً في قلب هذا النظام فاستطاع الاطاحة بحق الأم، وحلت العائلة الأحادية أو الزواج الأحادي وفيه يحق للرجل فصل الزواج مع احتفاظه بجميع ثروته وممتلكاته وتوريثها لأولاده وهكذا تم استبدال "حق المرأة" "بحق الرجل" وبدأت العائلة البطريركية تتسيد المجتمعات. **بالرغم من أن أسباب إنقلاب الذكر على الأنثى تبدو مادية إلا أنها في جوهرها روحية ونفسية بحتة. فهذا الإنقلاب يكشف من ناحية عن خصائص شخصية خاصة بالذكر، رافضة لمفهوم الثبات والاستقرار الطويل الأمد، تتطلب الحركة والتغيير الدائمين. ومن ناحية أخرى يمكن أن يكشف لنا عن رغبة الذكر في التمرد على كل خصائص الأنثى الغامضة بالنسبة له والسيطرة عليها.
|