قضايا الطفولة

لا بد لنا في هذه الأيام التي نعيشها، والتي لها وقع خاص وتأثير مباشر أو غير مباشر على كل مجريات الحياة اليومية، فقد تغير أسلوب المعيشة على شتى الأصعدة: الأحاديث المتبادلة، الأشخاص الذين نلتقيهم أو لا نلتقيهم، المحطات التلفزيونية المتابعة، مواقع الانترنت، عدد مرات الخروج من المنزل، أسلوب الحديث على التلفون، الخطط المستقبلية القريبة...الخ، لا بد لنا أن نتوقف قليلا وان نلتفت الى طفلنا السوري الذي ينظر الى كل ما يجري من حوله بعين مدهوشة وأذن تحاول التركيز قدر الامكان لتجميع جمل وأفكار كي يستطيع من خلالها أن يفهم ما يحدث بالضبط.

 فطفلنا الجميل قادر على ان يشعر أكثر منا بالخوف والتوتر وبجميع المشاعر التي نعتقد اننا نخفيها في عقولنا وقلوبنا، بينما هي تظهر في أقل نظرة أو سلوك أو فعل نقوم به. والطفل بطبيعته يميل الى طرح الأسئلة لمعرفة سبب ردود أفعال الكبار وللاطمئنان في نفس الوقت، ويعتمد اكثر ما يمكن على كلمة أو شرح يقدمه له بالذات أحد والديه أو إخوته ليطمئن أو يخاف.

و لكن للأسف نجد أن طفلنا في هذه الفترة تم اهماله بشكل كبير بالاضافة الى استغلاله أيضا بشكل مقصود أو غير مقصود: حيث أصبحنا جميعا لا نتابع الا القنوات الاخبارية وبشكل مستمر حتى الاعادة، غير منتبهين الى أننا لغينا حق الطفل في متابعة قنواته الخاصة حتى ولو لساعات محددة، من ثم اننا نجبره بشكل تلقائي على أن يشاهد ما نشاهد من فيديوهات وصور فيها من العنف ما لا نتحمله نحن، فكيف بأطفالنا الصغار الذين يخزنون مثل هذه الصور في عقولهم ولا يمكن لهم ان ينسوها الا بعد سنوات طويلة، فهي تقلقهم في الليل، وتحملهم على التفكير أن مثل هذا العنف قد يحدث لأي شخص حوله أو حتى هو.

ثم أن الطفل متلقي قوي جدا، بعكس ما يظن بعضنا فهو يسمع جيدا ويحفظ جيدا، ومن الطبيعي بعد ساعات مكثفة من الأحاديث المتبادلة لساعات طويلة من كل يوم، أن يتأثر بالمواقف التي يتبناها أهله وان يردد عباراتهم "خاصة الشعارات" التي هي بالنسبة له مثل هتاف لكرة القدم أو مسابقة ما، يأخذها ويبدأ بإطلاقها بالصوت العالي، والمزعج أنه يتم تأنيبه ممن لا تعجبهم أقواله ويتم نهيه بشكل قاس في بعض الأحيان ومنعه من ترديد هذه الشعارات في حال لم تعجب الأهل أو الجيران أو حتى المدرسين، أما في حال نطق بشعارات تعجبهم وتدل على مواقفهم فهم يساعدونه على تعلم شعارات جديدة كي يقولها عندما يطلب منه أمام عائلة صديقة أو أشخاص معينيين، مستغلين بذلك هذا الطفل البريء الذي يسعده أيضا أنه يقوم بشيء يرضي الكبار من حوله دون أن يعلم حتى معناه. وبعض الكبار مقتنعون بشكل مطلق أن تعليم الصغار بعض المفردات أو الجمل التي يتم تداولها حاليا انما هو تنشئة وتعليم للجيل الجديد وأنه بذلك يقوم بجزء من دوره الوطني، حتى أن البعض يلجؤون الى تضخيم الصورة لاثارة الرعب في قلب الطفل مما يحمله على التصديق بشكل أسرع.

ان كل هذه الممارسات التي نقوم بها من دون أن ننتبه حتى، انما تثير أشد الرعب والقلق والخوف في نفوس أطفالنا، وتجعل منا مستغلين مزعجين لطفولة لا يمكن أن تقدم لنا الا البراءة والصدق. يكفي أطفالنا ما رأوه وشاهدوه وسمعوه من مناظر ومشاهد وظواهر غير مألوفة، بل اننا مطالبون في هذه الفترة الى الالتفات بشكل اكبر لطفلنا والحديث معه، وابعاده بشكل كامل عن كل هذه الأجواء المحيطة، وعلينا حثه بشكل أكبر للالتزام بنشاطاته المعتادة: الدراسة، اللعب، مشاهدة أفلام الكرتون، وأن نبعده عن مشاهد العنف التي لا نتحملها نحن. ولا يضرنا ان خصصنا وقتا ولو قليلا للإجابة على تساؤلات طفلنا وأن تكون اجاباتنا مقنعة وغير مستهترة، لأن الطفل لا يمكن ان ينسى فكرة لم يقتنع بتفسيرها وهو يسأل كي يطمئن لأنه خائف، فلنناقشه ولنطمئنه ولنساعده على الانتقال الى حالته الطبيعية من اللعب والتسلية والانشغال بأموره الخاصة.
و الأهم من ذلك كله هو عدم استخدام براءة الطفل واندفاعه وعفويته في أي مصلحة تخصنا نحن الكبار: ترديد شعارات، المشاركة في الاعتصامات أو المظاهرات مهما كان نوعها، مقابلات تلفزيونية والاجابة على أسئلة تطرح بشكل بسيط لأخذ اجابة بسيطة من ثم استخدامها لأهداف واثباتات اعلامية أخرى.

ان كنا فعلا نحب هذا الطفل ونخاف عليه، فلنترجم هذا الحب والخوف عملا وفعلا ولنبني له مستقبلا جميلا في بلد جميل.


نسرين حبيب، ("حقك علي" يا طفلي)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern