قضايا الطفولة

كيف أربي طفلي؟ منذ أن أنجبت طفلي الأول انتهت حياتي الخاصة، أصبحت أعيش لأجل أطفالي فقط! أشعر بالعجز حيال هذا الطفل الذي لا أعرف كيف أجيب على أسئلته الكثيرة والمحرجة! ماذا أتصرف مع هذا الكائن الصغير المُتفجر طاقة وحياة وصخب؟ أطفالي يتحكمون بحياتي ويسيطرون على مخططاتي كلها أنا أسيرة لهم!

أسئلة واستغاثات هنا وهناك، يطلقها أباء وأمهات يطالبون فيها المساعدة في تربية أطفالهم الذين  أطبقوا الخناق على حياة الأهل الذين كانوا يعيشون ذواتهم بطريقة ما وفجأة ومع قدوم الطفل الأول لهم ومع مشكلات تربيته بدأت حياتهم تتسرب من بين أيديهم كالماء رويداً رويداً  ليفتحوا يدهم على حياتهم الخاصة مع قدوم الطفل الثاني والثالث و.. يروها خالية الوفاض، تصفر بالفراغ، وإن وجدوا فيها شيئاً فما هو إلا بقايا شخصية تحترق في وظيفتها ـ إن كانت عاملة ـ أو زوج تعاني \ يعاني من طلاق نفسي فالحياة المشتركة أخذت أبعاداً مختلفة بعد الزواج، وإنجاب الأطفال زاد الطين بلة فالصعوبات تبدأ منذ حمل الأم بالطفل وإن كانت هذه الصعوبات بحد ذاتها مبعث سرور وسعادة إلا أنها تكبر مع ولادة الطفل وتنمو وتترعرع مع نموه، ويصبح الهاجس الأكبر لدى الأهل يدور حول كيفية تربية الطفل وتقديم الأفضل له فهو قد اختصر حياة أهله وأصبح حورها، يعملون من أجله ويبنون لمستقبله  ويعيشون ليحققوا سعادتهم المتمثلة به، بالطريقة التي يعتقدونها سليمة! ولكن فجأة يبدأ الصدام مع الواقع غير المتوقع، وتبدأ في الظهور مشكلات لم تكن  بالحسبان! والأسئلة الكثيرة التي اعتقد الأهل امتلاكهم إجاباتها لم تعد وحدها المطروحة تطلب الجواب!، والمواقف غير المُتخيلة بدأت تصبح حقيقة يصعب التغلب عليها في كثيراً من الأحيان ، والنتيجة في النهاية عدم رضا الأطراف جميعها، وشعور الجميع بالظلم والإحباط سواء لدى الأهل أو لدى الأطفال، الذين كبروا فجأة  ولم يعودوا أطفالاً...

بالتأكيد ليست هذه الحال واحدة عند الجميع  ولكن هناك أشياء مشتركة بين كثيرين فيما ورد، ولا أقصد تصوير واقع مأساوي للزواج وإنجاب الأطفال حُكماً، ولكنني أردت استعراض نموذج شائع الانتشار في مجتمعنا لدرجة لا يمكن تجاهلها، وإن كانت القشور السطحية التي تختبئ تحتها مشكلات الأسرة تعكس سعادة وانسجاماً وهميين في بعض الأحيان، إلا أن المشكلات الموجودة والتي هي فوق الحد الطبيعي والمسموح به تدعونا للبحث في الأسباب المؤدية لهذا الحال وبالتالي تجنب ما يمكن تجنبه للوصول إلى الغاية المنشودة بتربية جيل المستقبل الذي نحلم به جميعاً.

قد يتساءل سائل ولم هذه المقدمة عن الزواج ومشكلات العائلة ونحن في بحث عنوانه يشير إلى تربية الأطفال؟ وهنا أود التوضيح أن موضوع تربية الأطفال ما هو إلا أحد الأساسات الهامة في مؤسسة الأسرة وهو مستند على أساسات أخرى سابقة له في هرم الأسرة، فلتربية طفل تربية صحيحة ومتكاملة لا بد من توافق الزوجين وانسجامها، وبناء علاقة قوية يسودها الاحترام المتبادل في الدرجة الأولى والحب والطمأنينة أيضاً.
مع مراعاة الفروق الفردية والإيمان بوجود اختلافات عن القواعد، يمكننا القول أنه يَندر أن تُثمر علاقة زوجية غير منسجمة وغير صحيحة عن تربية نموذجية لأطفال هذه العلاقة، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الجو العاطفي والنفسي الذي تعيشه الأم أثناء حملها ينعكس على شخصية طفلها منذ لحظة تشكله كجنين في رحم  أمه، ويمكن القول أنه مهما امتلك الأهل من قواعد نظرية وحتى عملية في كيفية تربية الأطفال وطرق التعامل معهم إلا أنها ستبقى قاصرة عن تحقيق الهدف المنشود إن لم تُدعم بعوامل كثيرة من أهمها ترتيب العلاقة بين الزوجين بحيث تُبنى على مجموعة من الأسس والقواعد المُشكلة للبيئة النفسية والعاطفية والانفعالية والاجتماعية المواتية لتربية طفل يتمتع بصحة نفسية، ومن أهم هذه الأسس:

- الاحترام المتبادل: أسلوب الحياة اليومي الواجب تبنيه بين الزوجين، حتى في حال وجود أي خلاف أو مشكلة يجب أن يبقى الاحترام حاضراً ولو غاب أحد الطرفين يجب أن يتم ذكره باحترام وتقدير أمام أطفاله، وعند وجوده يتم حل المشكلات عبر الحوار والنقاش بجو يسوده الود والتفاهم أو الابتعاد عن مناقشة المشكلات أمام الأطفال في حال عدم القدرة على ضبط النفس من قبل كلا الزوجين أو أحدهما، هناك بعض الحالات المتميزة والتي عانى فيها الزوجين من مشكلات أدت للطلاق ولكن بقاء الاحترام بينهما ساهم لحد كبير في بناء شخصية أطفالهم بشكل متميز بحيث استطاعوا تخطي المسألة بطريقة متميزة وساروا في حياتهم بشكل طبيعي ومتوازن.

- الصدق: يخطئ كثيرون في تقدير ذكاء الطفل وقدرته على تمييز ما يجري حوله، فالطفل قادر حتى على كشف الكذب والإدعاء الذي قد يمارسه أحد الأبوين أو كلاهما تجاه بعضهما أو تجاه الآخرين، لذا فإن عيش الطفل في جو يسوده الصدق والوضوح سينعكس حكماً في شخصيته، ويولد عنده ذاتاً واثقة من نفسها واضحة، تعرف ما تريد أو على الأقل صريحة في مطالبها وتعاملها مع الآخرين.

- الحب: بالرغم من الجدل الحاد حول هذا المفهوم والاختلافات الكثيرة حوله إلا أنني اخترت الحديث عنه باعتباره ـ برأيي ـ من أجمل الألوان التي تضفي على الزواج حياة وروحاً متألقة، ولكن أن يحب الزوجان بعضهما ليس شرطاً مفروضاً ليتم الزواج فهو قد يختلف زيادة أو نقصاناً قبل الزواج وبعده، حسبما تستدعي العلاقة، وقد لا يتوفر لا قبل الزواج ولا بعده، وهذا أمر يؤلم البعض ولكن إن توفر العاملين السابقين وهما الاحترام والصدق أمكن تجاوز هذه المسألة وخلقت محبة العشرة والمعاملة الحسنة كما يقول كبار السن وأصحاب الخبرة! وإن اتفق الكثيرون على أن الحب هو الأجمل على الإطلاق في الحياة والأهم في حياة الإنسان إلا أنه ليس كافياً لبناء علاقة سليمة إذا لم يدعم هذا الحب عوامل كثيرة لن ندخل بمتاهاتها ولكن نكتفي منها بضرورة التعبير عن هذا الحب بحيث يعيش الطفل حب والديه لبعضهما، فالزوجين اللذين يسود بينهما الحب والوئام ينمو الذكاء العاطفي عند طفلهما ويصبح إنسانا متوازناً انفعالياً وعاطفياًً، وهذا من العوامل الهامة في بناء شخصيته، وهنا أود فصل الحب السائد بين الزوجين عن الحب المقدم من قبلها إلى الطفل فلكل من هذين النوعين من الحب دوره الهام، ويكمن أساساً في طريقة التعبير عنه والإفصاح بشكل يساهم في بناء ثقافة مرتبطة بالحب وهو موضوع التربية الجنسية  التي يجب أن يبدأها الأهل مبكراً ومع بداية وعي الطفل لذاته وجنسه (هذا ما سنتحدث عنه بالتفصيل لاحقاً)

- الاعتراف بالخطأ: وهو أمر بمقدار ما هو صعب إلا أن تنفيذه يسهل عند الاقتناع بحق الإنسان في الخطأ وهو أمر يجب حفظه والدفاع عنه حتى لا تصبح هذه الأخطاء الصغيرة والهفوات أخطاء كبيرة وجرائم، وهنا يجب أن نكون دقيقين وحذرين فالأخطاء التي نعنيها أخطاء غير مقصودة لا تهدف للإساءة للآخرين بشكل واع ومخطط له وإنما هي أخطاء قد تحدث نتيجة سوء تقدير، وبشكل غير مقصود وهذا يحدث كثيراً في الحياة، وعندما يخطئ الإنسان لا بأس أن يعترف بخطئه  حتى وإن كان مقصوداً ـ فالاعتراف بالخطأ فضيلة ـ هذا سوف يزيد من مكانته لا ينقصها ويدل على مدى احترامه لذاته ويخلق دافعاً عند الآخرين لمسامحته ومساعدته على تجاوز أخطائه، عندما تسود هذه الثقافة في الأسرة ولا يتكبر أحد عن الاعتراف بأخطائه من منطلق أنه كبير ولا يتنازل لأحد وعندما يسامح الطرف الآخر شريكه فإن الطفل سيبدأ بالترعرع في جو سليم وصحي يبني شخصيته الإنسانية.


- التسامح وقبول الاختلاف: هنا مفهوم جديد للتسامح  يختلف بعض الشيء عما سبقه فالبند السابق تحدث عن التسامح في حال وجود خطأ ارتكبه أحد أفراد الأسرة واعترف به وسامحه الآخرون، هنا نتحدث عن التسامح وقبول الاختلاف بحيث أنه قد يحدث أن يعتبر أحد الزوجين خيار الآخر بأنه خطأ وهذا ما لا يقبله صاحب الخيار، للتوضيح أكثر سأورد مثالاً بسيطاً عن ذلك (قد يختار الزوج الانضمام لنادٍ رياضي يتغيب بسبه عن البيت فلا تقبل الزوجة بخياره هذا لغيابه ساعات محددة عن البيت! وقد تختار الزوجة العمل في وظيفة ما ربما ليس لحاجة مادية بقدر ما هي حاجة معنوية فيرفض الزوج ذلك لعدم الضرورة برأيه!) هذه أمثلة صغيرة أمام حقائق كبيرة تواجه الأسرة وخاصة في خضم علاقاتها الاجتماعية والعائلية الكبيرة والتي تفرض وجهات نظر مختلفة وقناعات متناقضة أحياناً من قبل الزوجين حيال مسألة بعينها، ما الحل هنا يا ترى أهو صراع قوى والأقوى سوف يفرض إرادته على الأخر ـ وغالباً ما يكون الرجل هو المنتصرـ أم أنه هناك حوار سيجري ويتم الاتفاق من خلاله على منطقة وسطى يلتقي فيها الطرفان بحيث يقبل فيها كلٌ منهما وجهة نظر الأخر ويضحي بشيء من جانبه في سبيل التوافق، لا سيما وأنّ أحد أهم تعريفات الزواج هو "فن تقديم التنازل" هذا الفن الذي يمارس بطريقة لائقة ترضي الطرفين ولو نسبياً يربي الطفل أن الحياة تحوي الكثير من الاختلاف وأن الإنسان يجب أن يجد صيغة مناسبة للتعايش مع هذا الاختلاف.

- الاستقلالية والفردانية: ليس الزواج عملية انصهار اثنين في بوتقة واحدة بحيث تُلغى وتُشوه سماتهما الشخصية وفردانيتهما، وإنما هي مشاركتهما بدون إلغاء لفردية كل منهما، فعدم امتلاك الإنسان للاستقلالية والفردية دليل على عدم وعيه لذاته، وهذا شيء خطير فالإنسان الذي لا يعي ذاته لا يستطيع المشاركة الحقيقة في مجتمعه ولا يقدر على تربية طفل التربية المأمولة. الاستقلالية حاجة إنسانية والتفرد ميزة يجب أن يدركها الإنسان بنفسه، بحيث يبقى مشاركاً في الحياة مع شريكه وبنفس الوقت يحتفظ بحقه بالخصوصية والاستقلالية بمساحة لا تتجاوز متطلبات الشراكة ولا تقلّ عنها، وللتوضيح أكثر: قد يكون لأحد الزوجين هواية في الرسم أو كتابة الشعر أو المطالعة، أو عادة معينة كالمشي أو سماع الموسيقى أو متابعة السينما وغير ذلك من نشاطات فنية أو اجتماعية لا يتوجب عليه إلغاؤها بعد زواجه وإن كان شريكه لا يحبذها أو لا يشاركه فيها فطالما أن الحوار والتفاهم أساس العلاقة يمكن التوصل لصيغة تضمن احترام استقلالية وفردية كل من الشريكين وهذا سينعكس بالتأكيد بطريقة جداً إيجابية على العلاقة بين الزوجين وعلى تربية طفلهما الذي سيتعلم أن لكل في الحياة خصوصيته التي يجب أن يحترمها ويدافع عنها، لا أن يضحي الإنسان باستقلاليته  فتسحق شخصيته في سبيل الجماعة فيصبح غير منتمٍ لذاته، وغير منتمٍ لأسرته ومجتمعه أيضاً.

- التربية الجندرية: الجندر (النوع الاجتماعي) ونقصد هنا باختصار تربية كل من الذكر والأنثى في الأسرة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، لا أن يرسخ سلوك الأهل المفهوم القبلي السائد بتفوق الذكر على الأنثى لمجرد أنه ذكر فالزوج والزوجة متساويان بالحقوق والواجبات من منطلق المسؤولية والحياة المشتركة وهذا ما يجب ممارسته بشكل واضح في الأسرة فالزوجة التي خرجت للعمل لتشارك في الدعم المادي للأسرة من خلال راتبها جب أن يقابلها الرجل الذي يجب أن يدخل للبيت بعد عمله ليشاركها في الأعمال المنزلية،هذه قضية يجب عدم إغفالها أبداً فهي عميقة الجذور بمجتمعنا وتحتاج الكثير من الجهد والوقت لتخطي هذه العقلية القبلية الذكورية والتي يعاني منها كثير من المتعلمين والمثقفين بدرجات متفاوتة، فالذكر قد تشرب هذا المفهوم باللاوعي من سلوك والده تجاه والدته، ومن تعزيز والدته نفسها لهذا السلوك عندما ميزت بين ابنها وابنتها في المنزل اعتماداً على جنسهما لا على إمكانيتهما، وعندما أصبح هذين "الذكر والأنثى" أباً وأماً لم يدركا مدى تغلغل هذا السلوك الذي يرفضانه بشكل واع عند مناقشته ولكن عند الممارسة يتسرب وباللاوعي لسلوكياتهما، إن امتلاك الذكورة ليست فضيلة يجب أن ينال من خلالها الصبي في المنزل امتيازات تبدأ من ترتيب أخته لسريره، وإحضار كأس الماء له ليشرب، ولن تنتهي عند اعتقاده امتلاكه لحق تقرير مصيرها في الحياة كالزواج أو السفر أو الدراسة وغيرها.. والتربية الصحيحة ستبقى فاقدة لجزء هام من الإنسانية عندما يعتقد الذكر بتفوقه على الأنثى وعندما تؤمن الأنثى بهذا التفوق!   

ليست هذه الأسس بالتأكيد هي الوحيدة لخلق الجو الطبيعي والبيئة النفسية المُلائمة لتربية الطفل وإنما هي ركائز يمكن الانطلاق منها إلى مسارات عديدة في طريق الحياة الأسرية السليمة والتي يجب العمل على بنائها بالشكل الصحيح لإنتاج الفرد الإنسان والذي يجب أن يعتبر هو الخلية الأساسية والقاعدة الرئيسة في المجتمع ومن خلاله يتم بناء المستقبل الحلم.   


علياء أحمد، (أسس هامة في تربية الطفل (1): العلاقة بين الزوجين وأثرها على تربية الأطفال)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern