قضايا الطفولة

فيما تزداد حالات الطلاق في سوريا بشكل ملحوظ.. يقف المجتمع عاجزا أو بمعنى أدق متعاجزا أمام نتائج هذا الواقع.. فقانون أحوال شخصية متحجر.. ومجتمع نائم على وجعه، صامت بحياء غبي.. كل ذلك جعل من الطلاق وحشا مفترسا.. يتحكم في مصائر أطفالنا، وينهش أرواحهم في كل يوم ألف مرة.

المشكلة لم تكن في الطلاق يوما.. الطلاق في النهاية هو حل أخير لمشكلة ولا يفترض به أن يكون بداية مأساة..
من أين نبدأ..
حقا هو سؤال حيرني طويلا قبل أن أشرع في الخوض بهذه المسألة..
ما هي الخطوة الأولى على طريق تحرير هذه الضحايا الصغيرة من براثن وحش اشتركت في خلقه أطراف متعددة، بدءا من الأبوين وانتقالا إلى المجتمع، وانتهاء بقانون الأحوال الشخصية..
إن العمل على طرف واحد من هذه الأطراف لم يكن كافيا يوما، إذا ينبغي العمل عليها معا.. ولكن ما هي نقطة البداية الصحيحة..
فبالرغم من توقيعنا الكثير من الاتفاقيات وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل ولكننا ما زلنا بعيدين جدا عن التطبيق..
منذ فترة صدر عن الهيئة السورية للأسرة مشروع قانون لحماية حقوق الطفل وخاصة في حالات الطلاق.. وإذا نظرنا إلى هذا القانون من الجانب النظري نجده حضاريا وعادلا جدا لجميع الأطراف.. ولكنه من الجانب الآخر أي الجانب العملي سيبقى يعاني شللا تاما..
 ولعل بقاء هذا القانون حتى اليوم حبرا على ورق يثبت أن تغيير القانون ضروري جدا ولكنه وحده ليس كافيا أبدا..
فقبل صدور قانون ما وفي مرحلة الإعداد له ينبغي العمل على المجتمع المستهدف وتهيئته وإعداد أرضية ملائمة لاستقبال هذا القانون..
ففي مجتمع ينظر إلى الطلاق على أنه وصمة عار.. ومع أبوين يتحولان في الغالب إلى عدوين بعد الطلاق ويتحول الأطفال بينهما إلى حجر يرمي به كل منهما الآخر يقصد جرحه وإيذائه..
هل في مجتمع كهذا نستطيع أن نقفز هكذا قفزة نوعية ونقول للأب:
أمّن لأم ابنك التي قد تكون هي التي بادرت بالطلاق مسكنا يحفظها وأولادكما من ذل السكن عند الغير..)
هل سيعي هذا الأب المشحون بالغيظ هذا الكلام وهو الذي لا يفوت أحيانا فرصة لإذلال هذه الأم تشفيا قبل أن يذلها غيره..!!
ما يحصل على أرض الواقع أمر مناقض تماما لما يفترض أن يتوافر في مجتمع سيحتضن قوانين كهذه.. وكل هذا لا يمكن تغييره بجرة قلم..
ففي مجال الاراءة مثلا:
حدد المشرع يوما في الأسبوع يرى فيه الطرف غير الحاضن أبناءه، فكيف يتم ذلك؟
يكفي أن تذهب إلى أحد مراكز الاراءة الموجودة في المحافظات أو إلى دائرة التنفيذ في إحدى المحاكم لتسمع وترى..
أطفال بعمر الورود كان من الممكن بقليل من الوعي أن نجنبهم معركة قذرة لم تكن معركتهم يوما..
السيدة (ن) التي التقيتها في دائرة التنفيذ في محكمة طرطوس تقول:
كان زواجي سيئا والعلاقة بيني وبين زوجي السابق غير قابلة للإصلاح أبدا وتفاقمت الأمور بيننا حتى صارت خلافاتنا تؤثر على طفلنا الذي كان يبلغ من العمر آنذاك سنتين..
بدأ طفلي ينطوي ويصاب بالهلع كلما رفع أحدنا صوته.. وأمام استحالة التغيير رأيت أن إنهاء هذا الزواج هو الحل الوحيد المتاح..
تتابع السيدة (ن) أردت أن نخرج جميعا بأقل الأضرار.. فدعوت زوجي إلى مخالعة رضائية..
وقلت له بالحرف الواحد: لا أريد شيئا من حقوقي وهي لا تعني لي شيئا بقدر ما يعني لي أن نحافظ على طفلنا.. وعلى احترام هذا الطفل لنا مع الزمن..
واعتقدت أن هذا الأمر سيجدي..
انفصلنا فعلا ورضخ لطلبي.. ولكن الأسوأ كان ينتظر..
سألتها: إن كان كل شيء انتهى على ما يرام وبشكل رضائي، فماذا تفعلين في المحكمة، وفي دائرة التنفيذ..
فأجابت: قطع الأب النفقة عنا فجأة، وادعى أني لا أسلمه الطفل في الموعد المحدد ولجأ إلى دائرة التنفيذ لتنفيذ الإراءة عن طريق مخفر الشرطة..
مخفر الشرطة..!!!
نعم وأنا هنا لأمنع هذا القرار الجائر ولأحمي طفلي البالغ من العمر أربع سنوات من الضرر الناتج عن ذلك.
فسألتها: وأين كان مكان التسليم قبل ذلك؟
كان يستلمه من أمام منزل أهلي ويعيده إلى هناك دون أن يشعر الطفل بشيء وتلك كانت رغبتي، وذلك ما اتفقنا عليه في عقد المخالعة.
حالة السيدة (ن) ليست إلا واحدة من حالات كثيرة مشابهة تؤكد يوما بعد يوم أن الوعي هو ما يجب أن نعمل على تغييره قبل القانون..
فالكيدية والرغبة في الانتقام التي قد تنام لوهلة وتصحو فجأة، هي بمثابة دائرة من النار تحصر الأبناء بداخلها وتحرقهم دون اكتراث..
السيدة (ل) هي سيدة أخرى التقيتها في دائرة التنفيذ وكانت تبكي بطريقة هستيرية، وقد أغمي عليها أثناء الحديث..
قالت السيدة (س):
طلقت زوجي منذ حوالي 8 سنوات وكنت وقتها حاملا بأحلام.. ابنتي الوحيدة.. طلقته بعد تعرضي لأبشع أنواع الضرب والاهانة والتعذيب..
تزوج الأب بعد ذلك وأنجب ولم يزرنا ولم يدفع النفقة ولم أطالب بها بل كنت أعمل وأنفق على نفسي وعلى طفلتي التي كرست حياتي لها..
اليوم وبعد مضي كل هذه السنوات قرر رؤية طفلته..
الطفلة لا تعرفه أبدا.. وفي أول لقاء بينهما في مركز الاراءة رفضت أحلام الاقتراب منه وامتنعت عن الحديث معه، فهو بالنسبة لها اليوم شخص غريب لا تعرفه.. هذا بالإضافة إلى خوفها من هذا المكان الغريب..
فانفعل الأب وشتمها وشتمني..
وهو يفعل ذلك في كل زيارة.. وبالرغم من رفض الطفلة فهو يصر على ذلك.. وفي المرة الأخيرة كانت ردة فعل الصغيرة قوية جدا فقد ذعرت واستمرت في البكاء وبللت ثيابها...لا أعرف ماذا أفعل وأنا أرى طفلتي تدمر نفسيا أمام عيني وبأمر القانون..
أمام هذه الحالات وغيرها يجب أن نشعر بالخزي جميعا..
يجب أن نشعر بالخزي نحن النساء قبل الرجال.. مربيات وطبيبات وأخصائيات نفسيات واجتماعيات، وإعلاميات..
يجب أن يشعر هذا المجتمع بأكمله بالخزي رسميا كان أم أهليا..
كيف سأبني مجتمعا وأنا أدمر الإنسان فيه منذ نعومة أظفاره!!
أعتقد أن وقت الكلام والخطب والقوانين الخلبيّة انتهى لمن أراد حقا أن يحمي الأطفال ويضمن المستقبل..
الوعي هو المستهدف الأول وهو الجهة الأولى التي ينبغي العمل على إحداث تغيير فيها قبل كل شيء..
الحل اليوم هو في حملة توعية جادة متدرجة وطويلة الأمد تسير بها كل القطاعات المؤثرة معا، من تربية وإعلام وغير ذلك..
حملة يتحمل كل واحد فينا قدرا من العبء فيها كشريك في المشكلة لا كمساهم في الإصلاح..
 من أجل أبنائنا فلنزرع شتلة الزيتون معا قد لا نأكل من نتاجها يوما ولكن يكفي أن أطفالنا لن يجوعوا في الغد...


 نسرين حسن، (أطفال بين فكي الطلاق..)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern