قضايا الطفولة

فيما يصر البعض على محاولة تغطية تقصيرهن/م في العمل المجتمعي بذريعة غياب ثقافة التطوع، يثبت الشباب/ات في سورية كل يوم أنهم ليسوا مستعدين للتطوع فحسب، بل إنهم قادرون على إنجاز الكثير أيضا فيما إذا توفرت الظروف المناسبة، خاصة إمكانية العمل، وضوح الأهداف، والثقة بمن يدعوهم للتطوع!

صورة قرار الوزيرة
القرار الذي ألغاء موظف بلدية
في طرطوس اليوم تجربة رائدة جديدة بادرت إليها الآنسة نسرين حسن (مدرسة لغة عربية)، مع مجموعة من الشابات، لدعم أطفال حي طرطوس القديمة، الفقيرة والبائسة، تعليميا. وذلك عبر تقديم دروس مجانية في اللغة العربية، إضافة إلى دعم علاقتهم بمحيطهم مثل العناية بالبيئة.

38 طفلا هم المجموعة الأولى من البرنامج الذي تتطوع فيه عشرين صبية، لم يجدوا طريقا للحصول على "الموافقة" على العمل إلا الترجي لجمعية عاديات طرطوس أن تسمح لهن باستخدام اسمها. فقانوني الطوارئ وتدمير الجميعات كفيلان بالقضاء على أية مبادرة لا تنصاع لمعاييرهما. ولاقت نسرين الأمرين حتى وصلت أخيرا إلى الحصول على موافقة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

لم يكن أمام الصبايا خيار سوى أن يسألن السماح لهن بالعمل في قبو رطب في قلب الحي القديم من طرطوس. لكن، والحق يقال، جاء الرد من وزارة الشؤون الاجتماعية بتخصيص صالة طرطوس القديمة لهذه المبادرة الرائدة. وهي صالة واسعة وصحية ومجهزة بشكل جيد. لكن، للأسف، مخصصة للـ"مثقفين" فقط! فأنى للأطفال الفقراء أن يحظوا بما يحظى به المثقفين أولئك، أنفسهم الذين لا يكفون عن ندب غياب ثقافة التطوع؟

موظف في بلدية طرطوس لم يستوعب عقله الكبير هذا الأمر! فكيف لصالة يجلس فيها مسؤولين ومثقفين ووجهاء (لا نعرف من "وجههم")، أن تلوثها أصوات أطفال فقراء لا يجد أهاليهم تكاليف علاجهم، فكيف بتكاليف تجارة الدروس الخاصة التي باتت هي التعليم الحقيقي في سورية بدلا من اسطورة التعليم المجاني التي، على ما يبدو، ذهبت إلى غير رجعة؟! فبادر هذا الموظف (حسب الروايات) لتغيير قرار الوزيرة من عنده، ورفض منح الفريق المتطوع والأطفال صالة طرطوس، وألزمهن بالعمل في القبو الرطب الذي تبين لاحقا أنه ليس رطبا فحسب، بل أيضا لا يتضمن حمامات، وفيه الكثير من الحيوانات القارضة، و"مجاريره" تنش أيضا!

لم يجد الفريق المتطوع بدا من خيارين أحلاهما مرّ: أن تلغى المبادرة كلها، والضحية هم الأطفال أنفسهم الذين سيخسرون الفرصة التي قد تكون وحيدة في حياتهم لتعزيز وضعهم العلمي، أو أن يبدأ العمل في هذا المكان الخطر، مع كل الانتباه الإضافي لتجنيب الأطفال أي آثار سلبية للمكان.

وها قد مرّ أسبوعان على بدء العمل التطوعي الرائد، المتطوعات يبذلن جهودا مضاعفة، الأطفال يعيشون تجربة جديدة كليا لم يعهدوها في حياتهم، مثقفي طرطوس وموظف البلدية يهنؤون في "ثقافتهم ووجهاتهم"، والخطر قائم، وقرار الوزيرة لا يساوي الحبر الذي كتب به على ما يبدو!

لكن هذا الحال لا يجب أن يستمر. صالة طرطوس ليست مخصصة للوجهاء! أطفال طرطوس الفقراء أحق بكل شبر فيها من موظف لا يعرف ما يفعل! وأحق من أي مثقف لا يكف عن الثرثرة الفارغة حول مجتمع لا يعرفه ولا يريد أن يساهم في تغييره! صالة طرطوس القديمة ملك أولا لهؤلاء الأطفال، ولكل النشاطات التي تمس الناس مباشرة وتساهم في تحسين حياتهم!

وأي خطر يتعرض له أي طفل الآن، من الأطفال الـ"38" الذين يتعلمون اليوم في ذاك القبو الرطب هو ليس مسؤولية الفريق المتطوع الرائد، بل مسؤولية محافظة طرطوس وموظف بلديتها ذاك، ومسؤولية مثقفي طرطوس الذين يعرفون هذا الواقع ويوافقون عليه "بالعشرة الصامتة"، وأيضا مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي لا تتابع ما يجري مع مشروع رائد يجب أن يحظى بكل الدعم والترويج، بل يجب أن يعتبر واحدا من النماذج الكثيرة التي تنتشر هنا وهناك في كل المدن السورية بعيدا عن كل الجعجعة الفارغة..

38 طفلا يتعلمون اليوم من أجل مستقبلهم، يعيشون تحت الخطر.. ويتابعون بإرادة وانتباه فريق من النساء المتطوعات الرائدات اللواتي عرفن أن الثقافة هي ما نفعله من أجل مجتمعنا.. فلنسرع إلى إنقاذ هذا المشروع قبل أن يلاقي مصير غيره!


بسام القاضي، (38 طفلا فقيرا يتعلمون في قبو رطب لأن موظفا لم يعجبه قرار وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل!)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern