قضايا الطفولة

رغم أن تخصيص مشافي الدولة أثار الكثير من الجدل، نظرا لأنه يشكل ضربة قوية للكثير من السوريين/ات الذين يعيشون كفاف يومهم، إلا أن الرسوم المنخفضة لهذه المشافي إضافة إلى اعتبارات أخرى جعلت ذلك مقبولا إلى حد ما. لكن الخطوة الجديدة التي عبر عنها مدير مشفى الأطفال، د. مطيع كرم، في تصريح لـ"سيريانيوز"، هي خطوة خارج المقبول، وتعد انتهاكا واضحا وصريحا لحق الأطفال بالعلاج المجاني دون أي تحفظ أو شرط.

فرغم أن الحكومة السورية حققت تقدما ملموسا على صعيد صحة الطفل، ضمنا الآلاف من المراكز الصحية المجانية المنتشرة في قرى ومدن وأحياء سورية، إلا أن مشفى الأطفال بدمشق يبقى محط أنظار وأمل آلاف الأطفال الذين لا يمكن لذويهم أن يدفعوا قرشا واحدا في تكاليف علاجهم التي كثيرا ما تمتد لأسابيع وأشهر.

وكل من اقترب من مشفى الأطفال يعرف جيدا الضغط الشديد الذي يقع على كاهله وكاهل كادره. ويعرف أننا بحاجة إلى ضعفي ما فيه من أسرة ومن كادر عامل. وغالبا ما ينتظر الأطفال في دور قد يطول في بعض القضايا (مثل العمليات الجراحية المعقدة) لوقت طويل. مما يعني أن القرار الجديد الذي تطمح إليه إدارة مشفى الأطفال بتخصيص 40% من من المشفى كقسم مأجور سوف يعني المزيد والمزيد من الضغط والتأخير، والمزيد من الأطفال المرضى الذين لن يجدوا مكانا لهم في هذا المشفى الممول أصلا من الضرائب التي يدفعها الناس وتقتطع من لقمتهم ولقمة أطفالهم. وهو ما يعرفه د. مطيع جيدا إذ عبر، في التصريح نفسه، قائلا: "وفي حال الازدحام فما عليهم (الفقراء) إلا انتظار الدور، إذ من المتوقع أن يصبح قسم الأمراض العامة، وهو الأقل ازدحاما، أكثرضغطا بتطبيق القرار الجديد"!

وفي محاولته لتخفيف وقع القرار قال د. كرم أن التسعيرة للقسم المأجور ستكون "الحد الأدنى" الذي وضعته وزارة الصحة، أي 10 آلاف ليرة أسبوعيا يطلب عليها زيادة مع مرور كل أسبوع! وعلى ما يبدو أن الدكتور مدير المشفى نسي أن 10 آلاف ليرة تعني متوسط راتب العامل في الدولة لمدة شهر! وتعني دخل الكثير من الفقراء لشهرين! وهذا غريب لأن د. مطيع موظف في المشفى براتب حكومي محكوم بسقف يعرفه جيدا، وما كان يفترض أن ينسى ذلك طالما يقبضه نهاية كل شهر!

فإذا كانت إدارة المشفى ترى أن بعض الأثرياء يستفيدون من خدمات المشفى المجانية، فيجب أن تتذكر جيدا أن الأمر بين يديها لمعالجة هذا الأمر خارج مصلحة الأطفال. وأن الأطفال هم أطفال بغض النظر عن مستوى ذويهم الاقتصادي، ولديهم جميعا الحق نفسه بالحصول على رعاية صحية مجانية تماما دون أي قيد أو شرط.

وإذا كانت المشفى تعاني من نقص في الموارد المالية فما على وزارة التعليم العالي، أو وزارة الصحة، أو رئاسة الحكومة.. إلا أن تخفف قليلا من صرفيات البرستيج الذاهبة إلى استقبالات وتحسينات في مكاتب هذا أو ذاك، ووضع تلك الصرفيات في حساب مشفى الأطفال الذي يخدم عشرات آلاف الأطفال شهريا، والذي نحتاج العشرات منه، مجانا، على امتداد تراب سورية.

ولعله من المفيد هنا التذكير بالأسطوانة الجديدة حول "مسؤولية الشركات الاجتماعية"، والتساؤل أي هي مسؤولية الشركات الكبرى مثل سيرياتل وام تي ان وغيرها، ممن يقتص مليارات الليرات السورية شهريا كأرباح صافية لجيوب أصحابها القادرين قدرة تامة على تغطية تكاليف عشرات المشافي مثل مشفى الأطفال، دون أن يرف لـ"جيوبهم" جفن!

إن الأطفال السوريين، خاصة الفقراء، لهم الحق المطلق والتام بعلاج مجاني في الوقت المناسب. وليسوا لعبة محلا للمساومة بحيث تقايض صحتهم بتخلي الحكومة السورية عن مسؤوليتها تجاههم. ولذلك فإننا ندعو إدارة المشفى، ووزارة التعليم العالي، والحكومة السورية إلى إلغاء هذا الاقتراح كليا وعدم مناقشته بأي شكل لاحقا. واتخاذ كافة الإجراءات الضرورية لدعم مشفى الأطفال، بل لتحسين خدماته وتعميم تجربته على المدن السورية كافة، وبتغطية مالية ملائمة من الحكومة السورية، أي من الضرائب التي تجبيها يوميا من جيوب الناس الفقراء قبل، وأكثر من الأغنياء!  كما ندعوها إلى استثمار خبراتها "الاستثمارية" في جعل الشركات الكبرى تلك تدعم هذا القطاع الهام المتعلق بمستقبل البلد، بدلا من استثمارها في كيفية وضع المخططات لحرمان الأطفال الفقراء من حقوقهم الصحية.

وندعو زميلاتنا وزملائنا في الإعلام السوري إلى تلمس خطورة هذه القضية وتسليط الضوء عليها بشدة لفضح الآثار السلبية المدمرة على مئات آلاف الأطفال سنويا الذين قد يموتون، أو تتفاقم أمراضهم إلى حد خطير، في انتظار الدور المزدحم بعد تخصيص نصف المشفى للأغنياء!

من حق كل طفل سوري، غني كان أم فقير، أن يتمتع بالخدمة الصحية التامة والمجانية وفي الوقت المناسب. وليس من حق أحد انتهاك هذا الحق تحت أي مبرر كان.

نص الخبر المنشور على "سيريانيوز":
مشفى الأطفال يتحول لمشفى مأجور بانتظار المصادقة النهائية من التعليم العالي الاخبار المحلية
لبنى عيسى
قال مدير عام مشفى الأطفال الجامعي بدمشق مطيع كرم لسيريانيوز "تم رفع قرار تحويل جزء من مشفى الأطفال لمأجور إلى وزارة التعليم العالي بانتظار الموافقة عليه"، مضيفا أن "رسوم المشفى ستكون الحد الأدنى من التسعيرة التي وضعتها وزارة الصحة وهي 10 آلاف ليرة تأمينات أسبوعية يطلب عليها زيادة مع مرور كل أسبوع".
وبين كرم أن "40% من المشفى بما فيه من الأسرة والحاضنات مأجور و 60% مجاني", مشيرا إلى أن "يتوقع أن تصبح المشفى بأكملها مأجورة في المستقبل لكي تصبح معتمدة على وارداتها فقط, وذلك بالاستفادة من تجربة مشفى الأسد الجامعي الذي تحول من المجاني للمأجور".
وحول وضع الأطفال الفقراء الذين يطلبون العلاج, أوضح المدير العام للمشفى أن "الأطفال الفقراء يستفيدوا من ال 60% المجانية, وفي حال الازدحام فما عليهم إلا انتظار الدور, إذ من المتوقع أن يصبح قسم الأمراض العامة, وهو الأقل ازدحاما, أكثر ضغطا بتطبيق القرار الجديد".
وبالنسبة لوجود استثناءات يتم علاجها مجانا, أشار كرم إلى أن "الاستثناءات تحدد من قبل وزير التعليم العالي فقط, وذلك بحسب القانون رقم 8 الصادر عام 2010".
وتذهب الرسوم, التي يتم تقاضيها من المرضى, إلى الأطباء والعاملين في المؤسسة كحوافز تدفعهم لزيادة إنتاجهم والعمل بصورة أفضل, بحسب مدير المشفى مطيع كرم.
ومشفى الأطفال الجامعي هو مشفى حكومي يقدم العلاج مجانا لمئات الأطفال ويتبع لوزارة التعليم العالي.
"انتهى النص المنقول"


- مرصد نساء سورية، (فلنقف معا ضد حرمان أطفال سورية الفقراء من العلاج المجاني في الوقت المناسب)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern