قضايا الطفولة

تبدو ملامح الانفجار السكاني بأسوأ صورها في المناطق النائية ومناطق السكن العشوائي على شكل حشود ومجموعات من الأطفال يتخذون من الشوارع مكانا للعب والعيش وقضاء الاحتياجات أيضاً، فالبيوت ضيقة وتكاد تنفجر بمن فيها والخدمات غير موجودة، فلا حدائق ولا سواها من المرافق التي يحتاجها الأطفال.

ومما يزيد الطين بلة هو إقدام قاطني هذه المناطق على الإنجاب وكأنهم في حلبة سباق، متجاهلين مدى خطورة ذلك على كامل الأسرة بدءاً من الأم وحتى أصغر فرد فيها، بسبب ضيق ذات اليد، ضيق المسكن، ضيق الوقت اللازم للاهتمام الكامل بهذا العدد الكبير من الأولاد مادياً وتعليمياً وصحياً، وهنا يأخذ الشارع نصيبه في التربية بدءاً من اللعب وانتهاءً بالمسلكيات غير السوية المكتسبة من الشارع.
للأسف، إن هذا النموذج من الأهل موجود فعلاً وبكثرة خاصة في المناطق النائية ومناطق السكن العشوائي، وهو ما أراه بأم عيني يومياً، فهنالك أسر في هذا الوقت يبلغ عدد الأولاد فيها تسعة أو عشر أولاد لا يتجاوز عمر أكبرهم/18/ عاماً وأصغرهم مازال رضيعاً والأم حامل بطفل جديد.
وإذا ما ألقينا نظرة متفحّصة لوضع هذه الأسر المعاشي والمهني، نجد أن الأب إما أن يعمل بالفاعل أو ضمن فئات وظيفية متدنية لا يتجاوز راتبه العشرة آلاف ليرة، والأم في الغالب ربّة منزل، أو في أحسن الأحوال تعمل في خدمة البيوت وما شابه، تقوم تربيتها لأولادها على أسس تقليدية عفا عليها الزمن، تربية أساسها العنف الجسدي واللفظي والمعنوي- النفسي، فالضرب والشتائم والنعوت التي لا تليق ببراءة الطفولة هي أولى أسس التعامل مع أولئك الأطفال في أحسن الأحوال، يليه الطرد- خاصة للذكور- من المنزل إن لم يرضخوا لمزاجية الأم أو الأب اللذين لا يمكنهما على الغالب التلفّظ بكلمة ماما أو بابا لأبنائهما الذين نجد غالبيتهم وضمن هذا الواقع بمستويات دراسية متدنية، إضافة إلى التسرب المتقطّع من المدرسة تحت حجج وذرائع غير منطقية لاسيما بالنسبة للإناث اللواتي يقع على عاتقهن في هذه البيئات مسؤولية أعمال البيت وتربية الأخوة الصغار.
أحلام واحدة من أولئك الفتيات التي حكمت عليها ظروفها وأسرتها بالتسرب الجزئي بحجة أن مستواها متدني جداً ولا فائدة من تعليمها، والأَولى لها أن تتعلم إتقان أمور الأسرة، لأنها أولاً وأخيراً للبيت إما عند الأهل أو عند الزوج.

أحلام طفلة لا تتجاوز الثالثة عشر من عمرها، لكنها تقوم بمسؤوليات ترهق كاهل من هم أكبر منها بكثير، تراها تقف أمام الغسالة اليدوية تعصر الثياب بيديها الصغيرتين، ومن ثم تقفز قفزات متتالية لتتمكن من الوصول لحبل الغسيل، أو تلجأ لأسطح الجيران كي تعلّق ما بقي من ثياب، ثم تلتفت لما يتطلبه مطبخ اليوم والأم مشغولة بباقي الصغار ومتطلباتهم، أو مشغولة بزياراتها واستقبال جاراتها.
أحلام لا تذهب للمدرسة إلاّ في أيام لا تحتاجها الأم فيها- وهي أيام قليلة جداً- وعند سؤال الأم عن غيابها المتكرر عن المدرسة، تجيبك أنها لا تفهم ولا جدوى من تعليمها. ولمّا أخبرتها أن ابنتها ما زالت في مرحلة التعليم الإلزامي ومن الضروري الاهتمام بدراستها حتى تحصل على شهادة التعليم الأساسي على أقل تقدير كي لا تقع في خانة الأميّة لاحقاً، وبأن الأب سيتعرض لمساءلة قانونية في حال تركت المدرسة، أجابت بأنها اتفقت مع مدير المدرسة بأن لا تنقطع بشكل مفاجئ ومستمر، ولأن وضعها الدراسي سيء فسوف تتجاوز المدة المسموح بها للبقاء داخل المدرسة، وبالتالي يكون خروجها منها بشكل نظامي وقانوني، وهذا ما يُبعد الأب ومدير المدرسة عن المساءلة القانونية....؟؟؟!!!
بالطبع هذه ليست قصة أحلام وحدها في هذه المناطق والبيئات، فهناك في كل بيت أحلام أو أكثر والوضع ذاته.
أمام هذا الواقع المرير للطفولة في تلك المناطق، هي يمكن النظر للمخاطر التي تحيق بالطفولة محصورة فقط في مسألة التسوّل والتشرد والدعارة والاتجار بالأطفال....؟ ألا يُعتبر هذا النمط من التربية الأسرية عنفاً أكثر خطورة وضراوة مما تنطوي عليه الأخطار الأخرى...؟
وهل يعتبر مجدياً الاكتفاء بأفلام إعلانية( يوم الطفل العربي والعالمي، يوم محو الأمية، يوم الأسرة... ماما بخير كلنا بخير.. الخ ) عن أهمية تنظيم الأسرة وتقليل عدد أفرادها، أو عن أهمية التعليم وتقليص نسب التسرب والقضاء على الأمية..؟؟
وهل يكفينا أن نتوجه ببعض النشاطات والبرامج لفئات وشرائح محددة دون النظر لفئات مهمّشة وغير محسوبة في الواقع على الحياة والمجتمع...؟؟!!
هل يكفي قيام هيئة ما بعقد الندوات والمؤتمرات وورشات العمل تحت عناوين هامة وجذّابة بعيداً عن هذه الشرائح المهمّشة والمغيّبة عن محيط عمل هذه الهيئة...؟
هل يكفي أن تحدد وزارة التربية إلزامية التعليم لغاية إنهاء مرحلة التعليم الأساسي دون متابعة جدية وحقيقية لأمثال مدير هذه المدرسة الذي يساهم بشكل مباشر بتسرب الأطفال من التعليم ويخرق القانون بطرق قانونية تبعده عن المسؤولية...؟؟ وهل يكفي أن نفاخر فقط بعدد رياض الأطفال والمدارس والجامعات لدينا دون دراسة ومتابعة حثيثة وجدية لما يتطلبه الواقع البائس في هذه البيئات ..؟
لقد أكدت الوثيقة العربية من أجل الطفولة على مواصلة مسيرة رعاية الطفولة وتنميتها بتعميم الخدمات الموجهة إليها قصد شمولها جميع الفئات، وأن يكون التركيز في المرحلة القادمة على الارتقاء بنوعية حياة الأطفال.
جاء في الفقرة الرابعة من هذه الوثيقة ما يلي:- في المجال الاجتماعي-
البند(د) : حماية الأطفال من الآثار الاجتماعية الضارة مثل المخدرات وأفلام العنف والإعلانات المضللة، وتحريم استغلال الأطفال وتسخيرهم والإساءة إليهم.
البند(هـ) : العمل على إيصال الخدمات المجتمعية بمختلف صورها إلى الفئات الفقيرة والمحرومة في المناطق النائية في البادية والريف وأحزمة الفقر حول المدن.
هل... وهل... وهل قد لا تكفي لسيل التساؤلات التي يفرضها واقع هذه البيئات البعيدة عن أعين الجميع.


إيمان أحمد ونوس، (طفولة في خطر...  العنف الأسري في البيئات المهمّشة أشدُّ خطراً)

عن موقع "الثرى"، (16/1/2010)

0
0
0
s2smodern