قضايا الطفولة

أصدرت الهيئة السورية لشؤون الأسرة التقرير الوطني عن حالة السكان في الجمهورية العربية السورية في عام 2009. وهو تقرير جيد بكل المقاييس جاء كنتيجة لتراكم الجهود الوطنية والتي قادتها هيئة تخطيط الدولة منذ تأسيس اللجنة الدائمة للسكان في مطلع تسعينيات القرن الماضي. ولقد أوصى التقرير المذكور بجملة من الإجراءات التي من شأنها –لو نفذت- الإسراع بتحقيق التنمية المستدامة في سورية. ومن أهم هذه التوصيات تلك التي تناولت موضوع وزواج الطفلات. إذ ركزت هذه التوصيات على ضرورة استصدار التشريع الذي ينص على رفع سن الزواج للإناث إلى 18 سنة. كما دعت هذه التوصيات إلى التطبيق الصارم لقانون التعليم الإلزامي، وضمان تمتع الأطفال كافة بتعليم أساسي كامل، والحد من ظاهرة التعليم واعتبار حق الطفل في إكمال مرحلة التعليم الأساسي، وتلقي تعليما نوعيا حقا اجتماعيا وتنمويا عاما وليس حقا عائليا.

و دعت هذه التوصيات فيما دعت إليه إلى قيام البرنامج الوطني السكاني على تحقيق تكامل ما بين الوسائل المباشرة (خفض الطلب على الإنجاب وزيادة الطلب على خدمات الصحة الإنجابية ووسائل تنظيم الأسرة الحديثة)و غير المباشرة (تحسين الخصائص السكانية التي تؤثر في في تخفيض الإنجاب مثل محو الأمية والحد من التسرب من التعليم ومن عمالة الأطفال، ومن الزواج المبكر وتشجيع رفع سن الزواج، وتحفيز أكبر عدد ممكن من النساء عبر حوافز ممكنة للنظام التعليمي على إكمال الدراسة الثانوية على الأقل.

وبطبيعة الحال تعتمد هذه التوصيات وبشكل كبير على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والتي انضمت إليها سورية في عام 1993 ومن نافلة القول أن سورية قد استطاعت تحقيق الكثير لأطفالها بما في ذلك خطة حماية الطفل ولكن بقيت الطفلة الأنثى معرضة لأشكال متعددة من التمييز وأولها سن الزواج. إذ مازال القانون النافذ للأحوال الشخصية يميز بين الجنسين فيما بتعلق بسن الزواج إذ يحدد القانون المذكور في مادته15 اكتمال أهلية الزواج في الفتى بتمام الثامنة عشر وفي الفتاة بتمام السابعة عشر من العمر. كما يسمح القانون بزواج ألأطفال –– ففي المادة 18 من القانون المذكور يستطيع المراهق الزواج بعد إكماله الخامسة عشر والمراهقة بعد إكمال الثالثة عشر. والطفل حسب الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل- هو كل شخص دون الثامنة عشر من العمر.إن زواج الأطفال هو انتهاك صريح لعدد من الإتفاقيات الدولية وعلى راسها شرعة حقوق الإنسان لعام واتفاقية الرضا بالزواج 1964 واتفاقية إلغاء كافة أشكال التميز ضد المرأة 1979 وأخيرا الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.

 وللزواج المبكر اثارا سلبية كثيرة على المجتمع والأسرة والطفلة الأم ففي سورية يشكل الزواج المبكر تعميقا لمشاكل أمية النساء الموجودة وتسربهن من التعليم وبخاصة في المناطق الأقل تطورا في سورية. إذ أقر التقرير الوطني للسكان السابق الذكر أنه وعلى الرغم من التطور النسبي الذي حققته سورية في مجال التعليم ما تزال نسبة الأمية بين الإناث تتجاوز 25% أي أن ربع النساء السوريات أميات، وتزداد هذه النسبة لتبلغ نسبة 50% في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور حسب المجموعة الإحصائية للعام 2006. وبطبيعة الحال فأن المستوى المنخفض للأمهات

الطفلات سيزيد من فرص الإنجاب إذ تظهر الدراسات أن كل ثلاث سنوات تعليمية للفتاة يقابلها انخفاض بمعدل وليد واحد من خصوبتها. كما أن مستوى تعليم الفتاة الأم يؤثر على معدلات وفيات الرضع إذ أن أي سنة تعليمية إضافية للأم ستؤدي إلى نقص في وفيات الرضع بمعدل 1-5%. وبحسب التقرير الوطني للسكان فإن زيادة نسبة الفتيات المتعلمات حتى المرحلة الثانوية بمقدار الضعف في العديد من البلدان الضعيفة والمتوسطة الدخل، يؤدي بعد تثبيت العوامل الأخرى إلى تخفيض معدل الخصوبة من 5.3% إلى 3.9 طفل لكل سيدة، وإلى إنقاص وفيات الرضع من 61% إلى 38% وفاة لكل 1000 ولادة حية

ويزيد الزواج المبكر من احتمالات وفيات الأمهات لعدم اكتمال البناء الجسدي والنفسي للأم الطفلة. ولا عجب -و وزواج الطفلات مسموح قانونيا - أن تأتي سورية في المرتبة 11 بين الدول العربية بعد دول مجموعة الخليج العربي وفلسطين وعمان والسعودية وليبيا، وذلك على مستوى خفض وفيات الأمهات للعام 2006، وفي المرتبة 13 من أصل 20 دولة عربية وفق تقرير منظمة الصحة العالمية، بعد كل من قطر والكويت والسعودية ولبنان والبحرين والأردن والإمارات العربية المتحدة ومصر وعمان وليبيا وتونس والجزائر. إذ على الرغم من التقدم الذي حققته سورية في مجال خفض وفيات الأمهات إلى 62% من التخفيض الإجمالي المطلوب لبلوغ الهدف الخامس من أهداف التنمية الألفية الوطنية للعام 2015 إلا أن نسب وفيات الأمهات مازالت أكثر من المتوقع في سورية ولاسيما في بعض المحافظات كالرقة وريف دمشق حيث ينتشر الزواج المبكر.

و مازال المجتمع السوري يشجع زواج االطفلات إذ تبين نتائج الدراسة التي اعدتها منظمة اتحاد شبية الثورة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان حول مشكلات الشباب النفسية والصحية الانجابية لعام 2000.. وشملت /14665/ شاباً وشابة اعمارهم ما بين /15 34/ عاماً ومن جميع المحافظات السورية مدناً وريفاً.. أن 6.9% من الذكور يعتبرون أن السن المناسبة للزواج دون 18 سنة بينما ترى 29.6% من الاناث ان هذه السن مناسبة.

وفي دراسة أخرى أعدتها المنظمة والصندوق أيضاً وشملت /2900/ شاب وشابة من /25/ منطقة في المحافظات السورية في العام 2004 بينت ان 5.2% من الذكور يعتبرون ان السن المناسبة للزواج هي في سن أقل من 20 سنة، بينما كانت نسبة الإناث الموافقات على هذه السن هي 46.3%.

إن زواج الأطفال قضيه هامة جدا ترخي بظلالها على عدد من قضايا التنمية في سورية وتتطلب إجراءات على مستويات متعددة أهمها تعديل القوانين التميزية والعمل على تغير رؤية المجتمع لدور المرأة في المجتمع. كما أن مبادرات تشجيع تعليم الفتيات واتخاذ إجراءات صارمة للمخالفين من شأنه أن يساهم في مواجهة هذه الظاهرة. كما لابد من العمل على مشاريع وطنية لضمان الأمومة الآمنة وخاصة فيما يتعلق بجودة الخدمات المقدمة.


منى غانم، (في الذكرى العشرين لاتفاقية حقوق الطفل: زواج الطفلات)

عن موقع "عشتار"، (12/2009)

0
0
0
s2smodern