قضايا الطفولة

عندما كنا صغارا، في غفلة الزمن، كانت القرى النائية تلفنا بظلام ليلها، وكنا ننتظر القمر الضاحك أن يطلع بين أشجار الصنوبر ناشرا البهجة في كل مكان..

كانت الليالي طويلة..ساحرة، وكنا نتحلق فيها حول "أم أسعد" جدة القرية كلها متداخلين مع ظلالنا تحت ضوء الكاز، منتظرين بلهفة أن تفتح أبواب السحر وتبدأ الحكاية..

كنا صغارا وكانت الأشياء كبيرة جداُ، كان جدي يملك المزياع الوحيد في القرية، لم يكن هناك تلفاز، أو أي أداة ترفيه أخرى، سوى الجدة "أم أسعد"، لذا راح خيال كل منا يسبح في الظلام خلف شخصيات حكاياتها، راسما العالم بريشة أخرى هي ريشته الخاصة..

كان شمشوننا الجبار أكبر بكثير مما صوره التلفاز لنا بعد حين، وكان السندباد سر الأسرار يجول قرانا ليلا، فنمتطي خلفه طائر "الرخ" العظيم، نبحث عن أبطال ومغامرون وبلدان تفوق الخيال.. أليس من يملك ذاكرة الحكايات، يمتلك مفاتيح العالم..!

وما الذي يمتلكه أطفال اليوم، بينما يجلسون لساعات طويلة إلى شاشة صغيرة، تمخر عبابها ألوان وصور وخيالات جاهزة، برامج عنف، أشكال كمبيوترية بلاروح ولا رائحة..!

لكن في مكتبة الأطفال العمومية في اللاذقية التي أسستها جميعة "قوس قزح" ، وكما يبدو، ثمة أمل جديد، ثمة من يعرف حق المعرفة قيمة الحكايات، من يدرك أن الكنز الحقيقي، كامن في روح الحكاية وروح من يحكيها، فيملأ رفوف المكتبة العمومية بالقصص، والألوان، واللوحات، وسيديات الموسيقا العالمية.. عالم كلي الشغف، يستدرج الأطفال إلى مكامن السحر، إلى مروج اللغة، وعوالم الخيال..

400-600 طفل يأتون يوميا، ليكونوا جزءا من هذا العالم، مطلقين لخيالهم العنان، وثمة فريق رائع ينتظرهم بود واحترام، يرشدهم إلى محتويات المكتبة، ويقوم بقراءة القصص لهم، ويتبع ذلك بنشاط حول القصة، كـ(الرسم، التلوين، الطبخ، الموسيقا، الرحلات.. والاكتشاف..).

يتكون فريق المكتبة العمومية في اللاذقية من عدد من الشبان والشابات، المدربين على فن قراءة القصة، وعلى أساسيات الفهرسة والتصنيف في مكتبات الأطفال، وتستقبل المكتبة العمومية أطفالا من عمر الأشهر حتى الخامسة عشرة مع وجود مرافقين لمن هم تحت سن الثامنة، تتسع المكتبة لحوالى مئتي طفل وتضم أكثر من 3500 عنوان بالإضافة إلى 200 مقطوعة موسيقية عالمية ومجموعة كبيرة من الأفلام والرسوم المتحركة.

وخارج الحكايات سيكبر أطفال المكتبة العمومية يوماً، في قلب الحياة، سيجرجون من عالم السحر إلى واقع مجهول.. إلى مستقبل نأمل أن يكون آمنا، وأن يتسع لكل الذي حملوه معهم من عالم الحكايات الرائع..


ردينة حيدر، (مكتبة الأطفال العمومية في اللاذقية.. هل تعيد السحر للأطفال؟!)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern