قضايا الطفولة

لقد تم تعديل سن الحضانة في عام 2003 واعتبر هذا التعديل انتصاراً كبيراً لحقوق الطفل، إلا أن هذا القانون أتى ناقصاً وجزئياً ومبتوراً في جزء منه.
لأنه لم ينص على بقية فقرات المشروع المتعلقة بسكن الحاضنة وتخيير المحضون بين أمه وأبيه، واكتفى برفع سن الحضانة إلى الخامسة عشرة للفتاة والثالثة عشر للذكر. ‏
إن واقع المجتمعات قد تغير، لقد كانت الحياة القبلية تفرض على الصبي أن يتعلم فنون القتال بجانب والده ليصبح فارساً، إن ابن الثالثة عشرة هذه الأيام يكون بالمدرسة وبحاجة لمن يرعاه ليكون في المستقبل طبيباً أو مهندساً أو مدرساً، وكذلك الفتاة التي لم تعد تتزوج في سن مبكرة لتكمل تعليمها..
 إذاً هذا الواقع تغير حتى أن الشريعة الإسلامية أعطت رأياً واضحاً يصب في مصلحة الطفل من خلال تخييره، والرسول عليه السلام خيّر الولد..
 وللبحث في هذه الإشكالية التقينا بداية: الأستاذ الشيخ ( موسى العربي): مدير معهد الفرقان في دمشق وسألته:
"هل توجد أمثلة على أن النبي محمد عليه السلام سن التخيير بعد سن الحضانة؟ ‏
أجاب:
"  نعم إن هناك تخييراً للابن(صبياً أم بنتاً) إذا أحب أن يكون في حضانة أبيه أو أمه هذا إذا بلغ سن التمييز، إذ جاءت امرأة فارسية إلى سيدنا أبي هريرة(رضي) وقد طلقها زوجها ويريد أن يذهب بابنها فأجاب أبي هريرة: إني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله (ص) وأنا قاعد عنده فقالت يا رسول الله:إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبه وقد نفعني فقال رسول الله(ص)، أستهما عليه (أي اقترعا)  فقال زوجها ومن يحاقني(ينازعني) في ولدي فقال النبي عليه السلام: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به.
‏ أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة. ‏

ماهو سر التمييز؟ ‏
في هذا المثال نرى أن الولد سقا أمه من بئر أبي عنبه ونفعها هذا دليل على أن الولد يميز وهو ليس في سن الحضانة لأنه كبر واستطاع ان ينفع أمه، عندها يصبح الولد مخيراً في أن يبقى في حضانة أمه أو أبيه وكما أجمع الفقهاء أنه إذا اختار الولد أمه وبعد فترة أراد ان يذهب إلى أبيه علينا ان لا نلزمه باختياره الأول. ‏

الأصلح للطفل ‏
هل أقرت المذاهب الإسلامية حق التخيير؟ ‏
إن معظم المذاهب الإسلامية أقرت حق التخيير..
 ففي المذهب الشافعي ذهب أصحابه إلى أن انتهاء سن الحضانة حين بلوغ الاثنين (الفتاة والصبي) سن السابعة بعد ذلك يخير المحضون بين بقائه مع والدته أو انتقاله إلى أبيه.
 وقد جاء في(رد المختار) للفقيه الحنفي ابن عابدين(ينبغي للمفتي أن يكون ذا بصيرة ليراعي الأصلح للولد، فإنه قد يكون له قريب مبغض يتمنى موته ويكون زوج أمه مشفقاً عليه، يعز عليه فراقه فيريد قريبه أخذه منها ليؤذيه ويؤذيها، وقد يكون له زوجة تؤذيه أضعاف ما يؤذيه زوج أمه الغريب، وقد يكون له أولاد يخشى على البنت منهم الفتنة، لسكناها معهم، فإذا علم المفتي أو القاضي شيئاً من ذلك لا يحل له نزعه من أمه لأنه مدار الحضانة على نفع الولد، إذاً لكل حالة اجتهاد خاص بها يقرها القاضي الذي عليه أن يحكم بالعدل وأن يستمع لحجج الطرفين ويأخذ بمصلحة الولد أولاً وأخيراً. ‏
عندما كان أبو بكر إماماً يحكم بين الناس، حكم على ابن عمر بن الخطاب أن يبقى مع جدته لأمه لأنها هي التي ربته بعد أن طلق عمر ابنتها والتي تزوجت وتركته. ‏
وما راجعه عمر في لكلام أي انه سلّم بحكمه والتزم به. ‏

مجرد اجتهادات من محكمة النقض ‏
للحديث عن القوانين والتشريعات التي تخص تخيير المحضون التقيت المحامية (ميساء حليوة) الناشطة في حقوق الطفل وسألتها: ‏
هل صحيح أن لا يوجد قانون للتخيير وأنه مجرد اجتهادات من محكمة النقض؟ ‏
أجابت:
" القانون موجود، وكان يعمل به سابقاً، لكن محكمة النقض خرجت باجتهادات تقول:
(إن الولد في سن الثالثة عشرة وبعد سن الحضانة يذهب إلى أبيه، ويخير في سن الخامسة عشرة أما الفتاة فحرمت نهائياً من التخيير حتى لو بلغت الخامسة عشرة) وفي هذا مخالفة صريحة للقوانين. ‏

ما هو نص القانون؟ ‏
لقد نصت المادة (305) من قانون الأحوال الشخصية السوري رقم 59 لعام 1953 أنه:  كل ما لم يرد عليه نص في هذا القانون يرجع فيه إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي، وقانون قدري باشا هو الرأي الراجح في مذهب الإمام أبي حنيفة، والذي يعتبر المصدر الثالث لقانون 1953 المعمول به حالياً.. ولما كان تخيير المحضون بين أمه وأبيه غير وارد في القانون فإنه من الواجب علينا العودة إلى قانون قدري باشا الذي سد هذا الفراغ. ‏
لقد نصت المادة /497/ من قانون قدري باشا أنه: لا خيار للولد بين أبويه قبل البلوغ ذكراً أم أنثى). ‏
ولكن بالمقابل وبعد البلوغ يحق لهما الاختيار، ويؤكد القانون على هذا الحق بالمادة /496/ والتي جاء فيها (إذا بلغ الصبي والصبية رشدهما تزول عنهما ولاية الولي، أو الوصي ويكون لهما التصرف في شؤون أنفسهما. ‏

حماية المحضون واحترام خياراته ‏
كما جاء في قانون الأحوال الشخصية السوري للدكتور عبد الرحمن الصابوني:
" أن القاضي ينظر بما فيه مصلحة المحضون بصرف النظر عن كون الحاضنة متزوجة بأجنبي أم لا"
 هنا ذهب الدكتور عبد الرحمن إلى حق الطفل في الاختيار عندما يرى القاضي أن هذا لمصلحة الطفل، لأن أساس الحضانة ومبتغاها حماية المحضون واحترام خياراته ورغباته. ‏

لم تقبل دعوى التخيير ‏
أود أن أعطيك مثالاً: ‏
أم لثلاثة أطفال بعد أن طلقت عاشت في بيت أخيها حيث رعاها وأنفق عليها وعلى أطفالها، لم ير الأب أولاده الثلاثة سوى بضع مرات لأنه يعيش خارج القطر، ولم ينفق عليهم طيلة ست سنوات، لقد بلغ الولد الأكبر ثلاثة عشر عاماً، تقدم الأب بدعوى تسليم المحضون، لأن فترة حضانة الأم انتهت، ما أن سمع الولد الخبر حتى بدأت عنده اضطرابات نفسية كبيرة، وانهيارات عصبية ودخل المشفى عدة مرات، وقد تحول من طالب مجتهد جداً، ومؤدب، إلى طالب غير مبالٍ مكتئب وخائف، لاسيما وأنه كان يرى والده يضرب أمه قبل أن يطلقها ويحاول الدفاع عنها، أما الأم فحالتها أشد وأصعب، وقد تقدمت بدعوى لتخيير ابنها، ومع كل الإثباتات التي قدمتها، رفضت الدعوى. ‏

أين مصلحة الطفل؟ ‏
السيدة (سمية يونس غانم)  رئيس المكتب القانوني في الاتحاد العام النسائي فتقول: ‏
الاجتهاد ليس قانوناً والكثير من الاجتهادات تأتي متناقضة، من المفترض أن يكون الاجتهاد لمصلحة الطفل،  وهذا بالطبع يتحقق بالقضاء العادل، فالقاضي هو الذي يستطيع أن يحدد بعد أن يسمع الحجج من الطرفين، فإذا كانت مصلحة الولد أن يبقى مع أمه إذاً على القاضي أن يمد فترة الحضانة، أما إذا كانت الأم مستهترة ومهملة فالأفضل أن يكون في حضانة الأب، إذاً عليه أن يتأكد ولا يصدر الأحكام جزافاً. ‏

وسأعطيك مثالاً:
"  جاءتنا امرأة لديها ابنة، انتهت فترة حضانتها والوالد أخذ حكماً بحضانتها وكانت الأم تروي قصتها لكل عابر سبيل، لقد عملت بالخياطة طوال سنوات وربت ابنتها تربية صالحة، والفتاة متفوقة وناجحة، أراد الأب والذي يعمل في السعودية أخذها لكي يزوجها من ابن زوجته، مع أن الأب لا يعرف ابنته طوال سنوات، اتصلنا بدائرة التنفيذ في المحكمة الشرعية واستأنفنا الحكم، وحكم القاضي بعدم تسليم الفتاة للأب، والأمثلة كثيرة، إذاً لولا تدخلنا، ماذا سيحدث لهذه الفتاة" . ‏
نحن أمام مشكلة حقيقية يجب أن يكون الطفل في مكان آمن، وأن تؤمن له الحياة الكريمة، لكي لا يصبح أباً أو أماً فاشلة في المستقبل. ‏

أخيراً أقول: ‏
أعطني قانوناً عادلاً أعطك مجتمعاً عادلاً ومتقدماً ومتحضراً. ‏
لماذا أصبح الاجتهاد أقوى من القانون والسنة النبوية؟ نضع هذا الأمر برسم وزارة العدل وهيئة الأسرة المعنية بالطفل والأسرة. ‏
إن طفل اليوم هو فتى الغد ورجل المستقبل وبسلامته واحترامه سلامة المجتمع، وبفساده فساد المجتمع. ‏


بثينة النونو، (حضانة الأطفال بين ما أقرته القوانين والشريعة.. وما عطلته المحاكم الشرعية..)

جريدة تشرين، (3/3/2009)

0
0
0
s2smodern