قضايا الطفولة

لم يتردد معاون وزيرة العمل السيد عيسى ملدعون من إيراد احصائية فريدة من نوعها، لا يقبلها حتى أكثر الناس سذاجة، عندما قال إن عدد الأطفال السوريين المنخرطين في سوق العمل وفقا لآخر إحصائية لا يتجاوزون الـ500 طفل!. كان ذلك خلال الندوة القومية حول دور مؤسسات المجتمع المدني في مواجهة مشكلة عمالة الأطفال والتي كان أبرز الغائبين عنها مؤسسات المجتمع المدني!! وعلى الرغم من أن السيد ملدعون عقّب بأن هذه الحصيلة لا تعبر عن واقع الحال وأنها تشير إلى ضعف الجهات التفتيشية فإن مجرد ذكره لهذا الرقم الهزيل هو مثار استغراب واستهجان الجميع!!

فهل من المعقول أن تقبل أي جهة تفتيشية بإدراج هذا الرقم في أي قاعدة بيانات تستخدم كمرجع، ثم هل لنا عندها أن نتسائل عن طبيعة هذه الجهة وكفائتها وهل إنها غادرت يوما مكاتب العمل الخاصة بها؟ فلو أنها فعلت فمن المؤكد أنها ستكتشف أن هناك ما بين ساحة المحافظة التي تشرف عليها وزارة العمل وبين شارع الصالحية أكثر من 500 طفل يمتهننون أعمالاً مثل مسح الأحذية وبيع اليانصيب والتسول، أم إن هذه الأعمال لا تندرح ضمن سوق العمل؟.
لقد تصدعت رؤوسنا من كثرة التطبيل والتزمير لما يطلق عليه البرامج الوطنية لحماية الطفولة، في وقت لا تتوافر فيع قاعدة بيانات توفر لنا رقما حقيقياً يمكن الركون إليه، وللتذكير فقط فإن معظم محلات البقالة والسوبر ماركت في مدينة دمشق والمدن القريبة منها تعتمد في إيصال الخدمات إلى زبائنها على الأطفال، فضلا عن المطاعم والمحلات التجارية التي تعتمد جهارا نهارا على أطفال في تادية عملها، ولن نتحدث عن عدد الأطفال الذين يتعرضون إلى مختلف أنواع الاعتداء خلال تأدية عملهم هذا، والذي من المؤكد أنهم يفوقون العدد الذي تحدث عنه السيد معاون الوزيرة.
إن ما يثير المزيد من الدهشة لسماع مثل هذ الرقم هو أن هذه الظاهرة باتت اليوم من أكثر المسائل تناولاً في الإعلام المحلي، فلا تكاد تخلو صحيفة يومية من خبر أو صورة أو تعليق على حالة عمل أو استغلال لطفل، ولا نبالغ إذا قلنا أن مصور واحد في إحدى هذه الصحف قادر على توفير أكثر من الرقم المذكور مدعما بالصور لأطفال من مختلف الأعمار ومن كلا الجنسين. كما لا بد من التوقف عند الرقم الذي أوردته منظمة العمل العربية لعدد الأطفال العرب في سوق العمل والذي يبلغ كما تقول المنظمة 12 مليون طفل عربي، أي إن نصيب سورية على أقل تقدير هو 500 ألف طفل. والسؤال من اين تأتي المنظمة بمصادر معلوماتها طالما أن بلداً مثل سورية -وهو ليس استثناء- يفنقد إلى أي رقم في هذا الخصوص؟.
إن تفاقم مشكلة الرقم الإحصائي جزء من المشكلة عينها إذ لا يمكن البدء بخطوات عملية للحل ما لم تتوفر قاعدة بيانات حقيقة يمكن الانطلاق منها كخطوة أولى وهي لاتقل أهمية عن أي إجراء آخر، أما وأن يصدر رقم مثل هذا الرقم عن جهة تعتبر مسؤولة بشكل مباشر عن الشؤون الاجتماعية فهي كارثة حقيقية لا يمكن القبول بها مطلقاً.


يحيى الأوس، (رقم فلكي لعدد الأطفال المنخرطين في سوق العمل السورية: فقط 500 طفل سوري في سوق العمل السورية!!!)

نقلا عن مجلة الثرى، (12/2008)

0
0
0
s2smodern