قضايا الطفولة

لعل التقارير التي تصدر بين الحين والآخر من جهات رسمية وغير رسمية حول ارتفاع نسبة الفقر في سورية لم تبتعد عما تشهده شوارع محافظة دير الزور التي تعكس بصورة مباشرة نتائج ومطالعات تلك التقارير والدراسات، ولاسيما أن نسبة الفقر ترتفع باستخدام الخط الأدنى له (30 دولاراً شهرياً) للفرد الواحد، وبحسب دراسات وتقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإن 2.73 مليون سوري يعيشون تحت هذا الخط المعتمد لمقاييس الفقر، وهؤلاء غير قادرين على تأمين أبسط مستلزمات حياتهم اليومية.
 
بالعودة إلى شوارع دير الزور فإن مواطنيها لم يعودوا يستهجنون رؤية بعض الأفراد وقد افترشوا الأرض والتحفوا السماء وتحت أي ظرف جوي كائن ما يكون، حتى إن انطباعاً ساد لدى الكثيرين بأن رؤية هذه الزاوية أو ذاك الرصيف مقرون برؤية من اعتاد النوم فيها. التسمية الحقيقية لهؤلاء أنهم مشردون حسب نص المادة 600 من قانون العقوبات العام السوري، والذي عرّف المشرد بأنه كل صحيح لا مسكن له ولا وسيلة للعيش ولا يمارس عملاً منذ شهر على الأقل، ولم يثبت أنه سعى السعي الكافي للحصول على عمل، إلا أننا نؤكد على الجانب الآخر أن بعضهم استحب طريقة معيشته البعيدة عن المسؤولية وبذل الجهد والمعتمدة على سرعة الحصول على القوت اليومي، ومن ثم فإن معظمهم فقراء فعلاً، ولكنهم قادرون على العمل، ما يجعل النظر إليهم يأخذ أكثر من منحى قانوني، أولها ضرورة منعهم من افتراش الأرصفة سعياً لتغيير طريقة حياتهم عبر البحث عن عمل مناسب والسعي لنيله بالعمل والجهد، وثانيها ضرورة سن قوانين تساعد هؤلاء على تغيير نمط حياتهم عبر مؤسسات اجتماعية إما خاصة وإما عامة وتحت مظلة الجهات الرسمية طبعاً، ولكي لا تكون القاعدة عامة، فإن قسماً لا بأس به منهم عاجز فعلياً عن العمل وهؤلاء فقط من تنطبق عليهم تسمية المشردين، وعلى الرغم من أن جهة عامة لم تطلق حملة لإجراء دراسات إحصائية عليهم، إلا أن عددهم آخذ في الازدياد، وسط إهمال رسمي حقيقي لوجودهم، مذكرين بأن القانون السوري ينظر إليهم على أنهم ( مخطئون ويستحقون العقاب) وفقاً لعنوان الباب العاشر من قانون العقوبات العام الذي عاقب على التسول والتشرد حين التكرار. معاون مدير الشؤون الاجتماعية والعمل أشار في اتصال هاتفي لـ«الوطن» إلى أن علاقة المديرية علاقة إشراف فقط على الجمعيات التي تهتم بهؤلاء والتي تأتي من ضمن أهدافها مساعدة المحتاجين والفقراء حسب النظام الداخلي الخاص بتلك الجمعيات، وعملياً لا توجد في دير الزور جهة معينة تشرف مباشرة على المشردين، كما لا توجد إحصائيات رسمية لحصر عدد هؤلاء في المحافظة، وإلى اليوم لم يتم تشكيل أي لجان توكل إليها مهمة النظر بأمرهم أو إحصاء أعدادهم، ليتم طرحها بشكل قانوني ووضعها تحت الدراسة والمعالجة، والقضية في محصلة الأمر ليست من اختصاصنا، وبناءً عليه فإن دور المديرية لا يتعدى حدود الإشراف على الجمعيات المهتمة بالمشردين، ولغاية اليوم لا توجد في دير الزور جمعية حصرت مهمتها بهم، وأكد معاون مدير مديرية الشؤون الاجتماعية أن القانون السوري لا يعتبر هؤلاء مخطئين أو يستحقون العقاب، ويأتي هذا التأكيد قياساً إلى ممارسته شخصياً للعمل القانوني. أخيراً فإن نسبة العاطلين عن العمل قد تجاوزت الـ20% وسط شلل شبه تام للمؤسسات المختصة بتأمين العمل، وعلى الجهة المقابلة فإن انتشار المشردين له الأثر السيئ على المنظر العام، وهو بكل الأحوال لن يعكس صورة إيجابية عن المحافظة، لذا نتمنى من الجهات الوزارية أو قيادة المحافظة أن تتحرك باتجاههم وفق خطوات ممنهجة تهدف إلى مساعدة المشردين والحد من ظاهرة انتشارهم.


وائل حميدي، (المشردون في دير الزور.. بين غياب الجهات الرسمية وإهمال الجمعيات الخيرية )

 صحيفة الوطن السورية، (5/1/2009)

0
0
0
s2smodern