قضايا الطفولة

تيه الطفل هنا هو التسرب من المدرسة، والسير في أعـمال ركيكة لاتسمن ولاتغـني من جوع، عـلى الرغـم من توجهات الخطط الخمسية، برفع سوية التعـليم ومتابعـته..
وبواقع الأمر لم أك ُ عـازما ً الخوض بهذا الموضوع لولا أن أستثارني تصريح لمسؤول رفيع المستوى في وزارة الشؤون الاجتماعـية بأن ّ عـدد الأطفال دون السن القانونية في سوق العـمل بمنطقة تمت بها دراسة مؤخرا ً هو (500 )، أي والله خمسمائة - بالتمام والكمال - ، ولاريب أنّ الرقم دقيق فالسلطات لاتخطئ!!
أذكر لما كنت طالبا ً يافعـا ً بكلية الهندسة (قبل عـقود من الزمن)أنّ أحد الأساتذة الجليلين عـلـّمنا أنّ طريقة حل المشكلة هي إحدى التقانات الضرورية، ولكن الأهم منها تحليل الرقم النهائي الذي وصلنا له بسلسلة العـمليات، فإذا كان الرقم "عـجائبيا ً " لسبب ما من توحيد مخارج أو الفروقات بين الميليمتر والكيلومتر، أو ... فيجب شرح وتوضيح الرقم والتبرير ، وأحد الأمثلة عـمر طفلة ألف وستمائة سنة، أو أطفال عـيلة هم سبعـة ونص، أو الشارع بين حارة وأخرى مجاورة 198 ميل وما إلى ذلك، لايفوق تلك المبالغـات سوى رقم 500 الذي طلعـت عـلينا الدراسة به..
برّر أحد الظرفاء الرقم بقوله أنّ الجهات خجلت من النتائج فقالت بمعـرض التبرير نص الألف خمسمية (عـلى وزن المابيعـرف بيقول كف عـدس!)، وتمسـّكت الدراسة بالخمسمية معـتبرة ً إياه الرقم النهائي..
وللحق فقد وضع المسؤول ذاته تفسيرا ً خجولا ً أنّ هنالك نقص يجب متابعـته بالدراسة، موحيا ً
بأنّ الرقم الحقيقي هو 530 أو عـلى أبعـد تقدير 600 طفل ..
عـمالة الأطفال في المنشآت المرخصة، وفي تلكم غـير المرخصة (القطاع الرمادي) مشكلة كبيرة ، أحد نتائجها أنّ الأهل بوضعـهم المادي المرهق يذبحون الدجاجة قبل نموها متوهمين الحصول عـلى البيضة الذهبية، وبذا يخسرون كليهما..
وفي مجتمعـنا مازلنا نسمع عـن تزايد أرقام البطالة، ولكن مالاندريه أنّ هنالك بموازاتها أرقام لإحتياجات كثيرة لعـمالة مدرّبة، ليست متوفرة الآن لأسباب كثيرة منها:
النظرة الدونية للتدريب المهني، فكل الأهل يرغـبون بأطفالهم طبيب أو مهندس (تعـبير الأفلام المصرية: باشمهندس قد الدنيا !! - وهل هنالك حجوم متفاوتة للمهندسين ؟؟ - ) ، وبالتالي يحجمون عـن المجالات العـملية.
تشغـيل الطفل قبل وصوله للمهارات اللازمة.
الميل للمهن التقليدية المتداولة، عـلما ً أنّ هنالك مهارات جديدة مطلوبة، وقد أفردت الإيكونومست بعـددها الاستهلالي للعـام 2000 بحثا ً حول النشاطات الجديدة للقرن الواحد والعـشرين.
سوء المزاوجة مابين العـرض والطلب ( لعـل مركز الأعـمال والمؤسسات السوري – SEBC اهتدى للحل فبدأ بدبلوما متعـدّدة المعـارف تدعـى " Skills" – لي شرف المحاضرة ضمنها - لتأمين طلب المؤسسات من المهارات المطلوبة ).
ضعـف دقة الرقم الإحصائي - لأسباب عـديدة - وبناء ً عـليه تتخذ بعـض القرارات بعـجالة مما يتسبـّب بضياع موارد حينا ً وبنتائج كارثية بأحيان أخرى.
أدعـو المسؤول وغـيره للتجوال في كل ورش البناء، والمقاهي، والمعـامل الصغـيرة ليرى بأم عـينه عـشرات الألوف من الأطفال يقومون بشتى المهن الهامشية لساعـات طوال، وبظروف غـير إنسانية، وبأجور منخفضة، ويتعـرضون لإعـتداءآت بشعـة من ضرب وإنتهاكات "أخرى" أيضاً، فهل سنتوقع منهم بعـد بلوغـهم سن الرشد سوى الإنتقام والعـنف والاجرام!
لاريب أنّ التخطيط لحلحلة مشكلة عـمالة الأطفال ، إذا اعـتمدت عـلى نتيجة المسح تلكم ستضع حلولاً لاتتلائم بأيّ شكل مع الواقع الحالي، مما يذكـّرني بذاك المصمـّم العـبقري لصاروخ ينطلق من الأرض للشمس، فلما طالعـه النقاد بموضوع حرارة الشمس الكفيلة بتذويب المعـادن، أجابهم بهدوء " لقد احتطنا للأمر، وسوف نحط عـلى سطح الشمس ليلا ً تفاديا ً للوقوع بالمحظور!!!"...


د. سعد بساطة، (عـمالة الأطفال؛ مشكلـة عـتيقة بحاجة لحلول جديدة!)

جريدة تشرين، (12/2008)

0
0
0
s2smodern