قضايا الطفولة

استنفذت مشكلة عمل الأطفال أبحاثا ودراسات ومحاولات للمعالجة، وأسالت من الحبر الشيء الكثير. لكن ما يستحق التوقف أن هذه المشكلة متشعبة تتخذ أشكالاً وصوراً قد يلفت انتباهنا بعضها.. ونمعن النظر فيه، وقد يخفى البعض الآخر.. أو أننا نشيح بنظرنامن قسوة المشهد!.
والمؤلم أن الصورة أصبحت مألوفة.. أطفال منتشرون في الطرقات والحدائق وأمام أبواب الدوائر الرسمية،يتشحون بالسواد ويحملون في أيديهم فرشاة بالكاد تتسع لها أناملهم الصغيرة ينتظرون أي عابر طريق لعله يحمل لهم في حذائه لقمة عيشهم.
أطفال رموا بحقائبهم المدرسية بعيداً ونثروا كتبهم في الشوارع حاملين عوضاً عنها معدات لمسح الأحذية ساعيين وراء لقمة عيشهم صارخين بملء أفواههم " لا جدوى ترجى من إتمام التعليم".
بات هؤلاء الأطفال وبالرغم من صغر أعمارهم مسؤولين عن إعالة عائلة بكاملها بالرغم من حاجتهم هم للرعاية، مع العلم أن نظام وصاية الأهل يطبق على الأطفال حتى بلوغهم سن الثامنة عشر ولكن العديد من أهالي هؤلاء الأطفال تناسوا هذا النظام واتبعوا عكسه تماماً كما تبين في حديث والد أحد الأطفال الذي أصر على عدم ذكر اسمه حين قال: أنه لا يجد أي مشكلة في عمل ابنه حيث أنه يستطيع العودة في آخر النهار بمبلغ يساهم في زيادة دخل الأسرى، وليس هنالك أي مشكلة في عمله كماسح للأحذية سيما أنه عمل شريف بعيد عن نقص الأخلاق، وعند سؤاله عن سبب عدم إرسال ابنه إلى المدرسة أجاب: عن أي مدرسة وأي تعليمتتحدثين وما هي الفائدة التي ترجى من تعليمه أنا لا أقوى على تحمل مصاريف تدريسه حتى وإن كان التعليم مجانياً ألا يحتاج إلى دفاتر وأقلام وإلى ما هنالك من مصاريف وأنا لدي ست أولاد غيره فكيف باستطاعتي أن أعيلهم جميعهم، أنا أفضل عمله على تدريسه لأن " العلم ما بطعمي خبز "!!!.

متسربون أم مهملون؟!
غالبية الأطفال الذين يعملون في مسح الأحذية يقعون ضمن الفئة العمرية التي تستوجب إلزامية التعليم، ولكن غالبيتهم إن لم يكن معظمهم لا يرتادون أي مدرسة دون وجود رقيب أو رادع لهم يجبرهم على العودة إلى مدارسهم، وذلك لقناعتهم بأنهم لن يجدوا أي نفع من إتمام تعليمهم الأمر الذي لمسته شام برس لدى لقاءها مع عدد كبير من هؤلاء الأطفال سيماأن أحد الأطفال والذي يبلغ عمره ثمان سنوات قال وبنفحة كبيرة من الجرأة " أنا لا أجد أي فرق بيني وبين أي مهندس أو طبيب، الفرق الوحيد بيننا أنني أعمل في حين أنه يعلق شهادته الجامعية على الحائط ولا يزال يبحث عن عمل!.
وحول إلزام هؤلاء الأطفال بارتياد المدارس التقت شام برس مع مدير التربية في محافظة حمص "سهيل المحمود" حيث قال: نحن نقر بوجود هذه الظاهرة وازدياد عدد هؤلاء الأطفال ولكننا لا نقوى على إلزامهم بالعودة إلى مدارسهم سيما أن عملهم مصحوب بقبول وموافقة من أهاليهم.

دور جمعيات رعاية وحماية الطفل
مع الإهمال الكبير الذي يلاقيه هؤلاء الأطفال من قبل الجهات المعنية كان لا بد من البحث عن حلول أخرى لمساعدة هؤلاء الأطفال، وهنا يكمن دور الجمعيات الأهلية كجمعية حماية الطفل ورعايته التي وضعت ضمن أولوياتها العناية بهؤلاء الأطفال وتقديم كافة أنواع المساعدة الممكنة لهم ضمن الإمكانيات المتاحة لهم.
سهام رستناوي رئيسة جمعية حماية الطفل في لقاء لـ شام برس قالت: "مع تفشي ظاهرة عمالة الأطفال وازديادها بشكل ملحوظ كان لا بد من أن نتحرك مع التجاهل الكبير الذي يلقاه هؤلاء الأطفال ونحن كجمعية خاصة وضعنا ضمن أولوياتنا حماية هؤلاء الأطفال ورعايتهم بالقدر الذي نستطيعه ولذلك فنحن نحاول رصد جميع ظواهر عمالة الأطفال لوضع حد لها وذلك إما من خلال لقاء الأهالي ومعرفة السبب الرئيسي في عمل هؤلاء الأطفال وإيجاد الحل البديل إما بتأمين عمل للوالد أو الوالدة في حال أمكن ذلك، وإن كان لا يوجد بديل لهذاالطفل ليتحمل عوضاً عنه أعباء الأسرة فنحن نقوم بإيجاد عمل آخر لهذا الطفل يحقق الشروط الصحية والإنسانية المتعارف عليها، كما ونقوم بمحاولة قدر المستطاع لإعادتهم إلى مدارسهم مع تحمل كافة أعباء تعليمهم على نفقتنا الخاصة".

نظرات.. ولكن هل هناك بديل؟
تحيط بـ " ماسحي الأحذية" الصغار نظرات الشفقةوالأسى، ولكنهم وبالرغم من سنوات عمرهم الصغيرة لا تعنيهم تلك النظرات لقناعتهم بأن عملهم " شريف " ولا يستوجب هذا النوع من الشفقة!.
هشام طفل في السابعة من عمره يحمل معداته التي يإن ظهره الصغير تحت وطأتها قال: "أنا لا أشعر بأي نوع من الذل في عملي ونظرات الشفقة لا تعنيني لأن الناس يشفقون على عملي ولكنهم يتناسون موتي جوعاً في حال عدم قيامي بهذا العمل، سيما أن والدي متوفى وأمي لا تقوى على تحمل أعباء مصاريف المنزل بمفردها". وكذلك كان الأمر بالنسبة لمحمد الذي يكبر هشام بما يزيد عن العشر سنوات ولكنهما يتشابهان في نظرتهما لهذا الأمر حيث قال: "أنا في السابعة عشر من عمري وكرامتي أمر لا أساوم عليه، في بداية عملي الذي أزاوله منذ أكثر من ثلاث سنوات كنت أشعر بالذل والإهانة عند جلوسي أمام أقدام الناس ومسحي لأحذيتهم ولكنني مجبر على هذا النوع من الأعمال لأنني لم أجد البديل الأفضل، وبعد هذه الفترة بات الأمر اعتيادي ولقمة العيش تتحمل أن نضحي في سبيلها بجزء من كرامتنا".
وبالرغم من تقبل هذا الأمر من قبل الأطفال إلا أن المارة وبجميع أجناسهم ومستوياتهم يصرون على أن هذه المهنة فيها انتقاص كبير من كرامة الإنسان الأمر الذي بينه مهند "مهندس" حين قال أنه يشعر بحزن كبير حيال هؤلاء الأطفال ويتساءل عن دور الجهات المعنية التي لا تحرك ساكناً لمساعدتهم وتكرس لديهم مفاهيم يجب أن تكون ملغاة من قواميسهم، وبدورها أكدت مها "طالبة جامعية" أنها تتجنب المرور بالقرب من أماكن تواجد هؤلاء الأطفال لأنها لا تقوى على حبس دموعها أمام هذا المنظر الذي لا يقبل به أي عاقل.
وفي النهاية لا يسعنا إلا التساؤل إلى متى سنبقى نكتب وإلى متى سيبقى هؤلاء الأطفال محطً لنظرات الشفقة وإلى متى سنبقى نشير بأصابعنا نحو المشكلة ونحن لا نبذل أدنى جهد في محاولة علاجها؟..


يارا عباس، (أطفال يجوبون الشوارع ويمسحون الاحذية.. يبحثون عن لقمة العيش: العلم ما بطعمي خبز)

عن "شام برس"، (4/2009)

0
0
0
s2smodern