قضايا الطفولة

انتشرت في الفترة الأخيرة ظاهرة العنف الطلابي وازدادت حدتها خلال هذا العام. والمتتبع لما ينشر في صفحات الحوادث في الإعلام المحلي يدل على تزايد هذه الظاهرة ونموها نمواً غير طبيعي، حيث شهدت المدارس في حلب وريفها (ويتعدى ذلك إلى باقي المحافظات السورية)تنامياً لظاهرة العنف ولا يكاد يخلو يوم من شكوى لأولياء الأمور من تعرض أبنائهم للعنف من زملائهم داخل المدرسة أو خارجها أثناء الدوام المدرسي أو بعده.
وفي استطلاع أجرته شام برس على عدد من المدارس الإعدادية والثانوية في حلب وريفها تبين أن ما يقارب 16% من الطلاب يستخدمون العنف تجاه بعضهم. وتزداد هذه النسبة قليلاً في مدارس الريف والمناطق الشعبية في المدينة الأمر الذي يفتح المجال للبحث عن أسباب العنف في مدارسنا وكيف يمكن الوصول إلى الحلول التربوية لهذه الظاهرة؟ وهل منع استخدام أسلوب الضرب كعقاب في المدارس أحد أسباب اللامبالاة والاستهتار من قبل الطلاب؟
وأشار عدد كبير من التربويين إلى أن هناك أسباباً كثيرة لانتشار ظاهرة العنف بين طلاب المدارس بشتى مراحلها ومنها غياب دور الأسرة، بالإضافة إلى التقليد والمحاكاة للكثير من المسلسلات والأفلام الأجنبية بين الطلاب، فجماعة الأصدقاء تشكل أساساً ومرجعية مهمة جداً في حياة الكثير من الطلاب.
وتشير الدراسات التربوية والاجتماعية إلى أن ظاهرة العنف المدرسي عالمية وليست مقتصرة على بلد معين وهي ظاهرة معقدة وتدخل فيها عدة عناصر وأسباب منها اجتماعية واقتصادية وأسباب عائدة إلى نظام التعليم وأنظمة التحفيز (الثواب والعقاب)إلى جانب التنشئة الاجتماعية للطلبة والمدرسين والطاقم التعليمي والعملية الإدارية للمدارس.
وتشير هذه الدراسات إلى أن الأسرة تعد من المصادر الرئيسية لظاهرة العنف إذا كان يسودها سلوك العنف والفوضى والعادات السيئة الأخرى سواء بين الأبوين أو بينهما وبين أبنائهما، بالإضافة إلى عدم وعي الأسرة بأهمية عملية التربية والتعليم. وقد يكون للحي الذي تقطنه الأسرة دور مكمل لدورها في توجيه الطالب، حسب طبيعة الحي ومستواه الاقتصادي والاجتماعي، ففي الاستطلاع الذي أجرته شام برس على عدد من المدارس في عدد من الأحياء يظهر أن نسبة العنف بين الطلاب يختلف بشكل أساسي نظراً لطبيعة الحي الذي يقطنه الطالب، حيث أن كثيراً من الطلاب تركوا هذه المدرسة أو تلك وانتقلوا إلى غيرها نظراً للحي الذي توجد فيه، وذلك خوفاً من الانزلاق إلى مهاوي السلوك الرديء على حد تعبير الكثير منهم.
وقد شهدت الكثير من المدارس حالات عديدة لخلافات بين الطلاب وقد وصل بعضها إلى درجة القتل كما حصل مؤخراً في عدة قرى في الريف الحلبي مما يدق ناقوس الخطر لضرورة توفير البيئة الآمنة داخل المدارس وخارجها وهذا ما جعل بعض الأهالي يؤكدون أنهم يتنفسون الصعداء عند عودة أبنائهم من المدارس وقد أضحى تواجد أولياء الأمور بصفة يومية أمام باب المدرسة هو المشهد الطبيعي وذلك لإيجاد حل لسلوك الأبناء العنيف تجاه المعلمين والطلاب أيضاً ولم يقتصر الأمر على مدارس البنين فقط بل وصل إلى مدارس البنات التي تشهد صراعات وخلافات عديدة بين الطالبات وبعضهن ومع المعلمات أيضاً.
يقول عبد الله وهو طالب في الصف الثاني الثانوي في إحدى مدارس حي سليمان الحلبي:لا يكاد يمر يوم إلا وتجد مشكلة حدثت بين الطلاب أمام باب المدرسة، الأمر الذي ربما يتطور إلى استخدام أساليب العنف نتيجة تدخل أصدقاء كل من الطالبين، وذلك عن طريق أدوات تكون معدة بشكل مسبق لدى الطالب، وأحياناً يلجأ الطلاب لاستخدام حجارة كبيرة موجودة في الشارع، مما يؤدي إلى حالات إيذاء بالغة الخطورة بحق الطلاب الذين غالباً ما يتم نقلهم إلى بعض الممرضين الموجودين ضمن الشارع أو الحي نفسه وذلك حتى لا يتم استدعاء الشرطة كما يحصل عادة في المستشفيات.
وعن سبب المشاكل التي تحدث بين الطلاب أشار عبد الله إلى أن المشكلة تبدأ صغيرة وتافهة، ولا يتصور أحدنا أن هذه المشكلة ستتطور إلى استعراض عضلات وإظهار للمواهب في استخدام أساليب عنفية بعيدة كل البعد عن أخلاق الطالب الذي ينبغي أن يعلم الآخرين معنى الأخلاق ونبذ العنف، وإحدى المرات التي حصلت أمام الجميع في مدرستنا أن أحد الطلاب رفع صوته على زميله في حصة الرياضة نتيجة عدم تمرير الكرة إليه، فتقدم منه زميله وأمسكه من قميصه المدرسي متوعداً إياه، فتدخل الطلاب وتم إبعادهما عن بعض، وظننا أن المشكلة انتهت عند هذا الحد ولكننا فوجئنا بعد انتهاء الدوام بتجدد المشكلة، والمفاجأة الأكبر كانت في إخراج أحدهما سكين ذات استعمالات خاصة، وحمل الآخر حجراً كبيراً ولكن الحمد لله أن كثيراً من الطلاب وأصحاب المحلات المجاورة تدخلوا لفض النزاع دون وقوع حوادث.
يقول بكري صاحب أحد محلات الحلاقة أمام إحدى المدارس: في كل يوم نضطر لترك الزبائن والتدخل لفض النزاعات بين الطلاب، فهذا المشهد أصبح مألوفاً في هذا الحي، ولكن الغريب كيف لا يلاحظ القائمون على العملية التربوية في هذه المدرسة وغيرها أن كثيراً من الطلاب يحملون في محافظهم أدوات حادة مؤذية، وأين دور المعلمين في تهذيب سلوك الطالب الذي ربما أساء والديه تربيته؟
يقول التربوي إبراهيم حاج إبراهيم المدرس في إحدى مدارس الريف: هناك عدة عوامل تؤثر على استخدام أسلوب العنف بين الطلاب، منها العمر ودخول مرحلة المراهقة وإثبات الوجود حيث يشعر الطالب بأنه أصبح كبيراً فيجسد هذا الشعور في شكل سلوكيات عنيفة، كما أن هناك أفكاراً ثقافية واجتماعية تجعل السلوك العنيف أساساً للتفاخر والتباهي بين الطلاب إلى جانب أن عدم المبالاة بالقوانين يشعر بعض الشباب بالتفاخر أيضاً فالمراهقون يتفاخرون فيما بينهم بمخالفة القانون إلى جانب عدد من المتناقضات الاجتماعية والثقافية التي نعيشها بشكل يومي فنكون ضد العنف ولكننا لا نعاقب عليه في بعض الأحيان. ويضيف إبراهيم كما إن الشللية وجماعة الأصدقاء تساعد بشكل كبير على تدعيم السلوك العنيف فالطلاب يدعمون بعضاً في مثل هذه السلوكيات. والمغالطة كما يراها إبراهيم أن يتم ربط سوء الأخلاق بالعنف وهذا مبدأ خطأ لأن العنف يعد نتيجة ثقافية ليست مرتبطة باليوم ولكن لمئات السنين مؤكداً على أهمية الإرشاد والتوجيه أو التوعية بمفهومها الكبير وهنا يمكن استغلال قيمة وسائل الإعلام ودور الأخصائي الاجتماعي في المؤسسات التربوية ويجب تطبيق القانون وعدم التساهل مع الأنماط السلوكية العنيفة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب.
أما التربوي أحمد اليوسف فيرى أن التنشئة ووسائل الإعلام تشكلان مفاهيم عامة للطلاب، حيث أكد أن المربين والوالدين في حاجة ماسة إلى فهم دقيق لعملية التنشئة الاجتماعية، من حيث طبيعتها والعوامل المؤثرة فيها، وهم في حاجة ملحة لفهم الاتجاهات والمعايير والأدوار الاجتماعية حتى يمكن إكسابها لطالب وتقويتها أو تعديلها وتغييرها.
ويرى المدرس خالد العلي أن وسائل الإعلام تلعب دوراً كبيراً في تأجيج ظاهرة العنف الطلابي من خلال المسلسلات التي يظهر فيها إبراز العضلات واستعراض القوة بشكل جلي، ومما لاشك فيه أن عرض هذه المسلسلات أو الأفلام بشكل يومي يلقي بظلاله الثقيلة على سلوك الطلاب في المدرسة وخارجها ,لأن هذه الأفكار السلبية تترسخ في ذهن الطالب وتطفو بعد ذلك على السطح في صورة سلوكيات عدوانية في كثير من الأحيان غير مبررة.
وفي حديث لـ شام برس أوضح المرشد النفسي في مدرسة كفر الورد بريف حلب زياد الأحمد أن عدم الالتزام بالنظام المدرسي واللوائح والسلوكيات التي تضعها مديرية التربية تعد سبباً رئيسياً في السلوك العنيف، كما إن هناك سلوكاً يكون المعلم هو السبب في تنميته لدى الطالب، فالمعلم وجد من أجل التربية والتوجيه قبل التعليم، فعلى سبيل المثال إن عدم ممارسة الأنشطة المدرسية يؤثر على الطالب، فالطلاب طالما وجدوا أنفسهم في فراغ لا يقومون بشيء فمن الطبيعي أن تتجه أنظارهم لشيء آخر فيظهر ذلك في شكل سلوك عنيف. وأضاف الأحمد: هناك كثير من المعلمين والمعلمات يتصرفون بشكل سلبي تجاه بعض الخلافات الصغير التي تحدث داخل الصف بين الطلاب أو الطالبات، وذلك من خلال استدعاء المدير الذي غالباً ما يقوم بمعاقبتهم، فيزداد حقن الطلاب على بعضهم البعض ,الأمر الذي يتطور إلى عراك وقتال بعد الانتهاء من الدوام، وكان من المفترض أن يقوم المعلم أو المعلمة بحسمها داخل الصف، فمع أي تصرف للطالب داخل الصف يقال له اذهب للمدير على الرغم من كون الموضوع بسيطٌ جداً ولا يحتاج للمدير.
ويطالب الأحمد بضرورة تضافر جهود الدولة والمدرسة والأسرة التي يجب أن تؤدي دورها، كما أن وسائل الإعلام سواء المرئية أو المسموعة أو المقروءة وكذلك رجال الدين والمجتمع لهم دور فاعل، فالأسرة يجب أن توجد بفاعلية في تربية الأبناء وتوجيههم التوجيهات السليمة وكذلك دور المؤسسات التربوية التي تشرف على المدرسين مع وجود أخصائيين اجتماعيين ونفسيين داخل كل مدرسة لاكتشاف وتصحيح أي خلل.
وخلاصة القول أن ظاهرة العنف بين الطلاب في المدارس هي نتيجة لمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية في حياة الطالب في المدرسة والتي سبقتها سنوات هي الأهم في تكوين شخصية الطفل وكان لها الأثر الأكبر على حياته وتصرفاته داخل المدرسة، بالإضافة إلى العوامل الخارجية المحيطة بها والتي يمكن حصرها بالتنشئة الاجتماعية في المنزل والعادات والتقاليد التي تربى عليها، بالإضافة لطبيعة وسائل الإعلام وما تبثه من مسلسلات أو أفلام أو رسوم متحركة وما تحمله من قيم واتجاهات، وكذلك الجماعة المرجعية التي ينتمي إليها الطالب (الرفقة أو الشلة) وطبيعة الاتجاهات والقيم السائدة فيها، والأمر الأخير والأهم هو المدرسة وطبيعة المنهج الخفي السائد فيها ومدى تأثيره في اتجاهات وقيم طلاب المدرسة، فمعظم المعلمين لا يهتمون بتوجيه فكر الطالب، في حين أن الحصص الترفيهية كالتربية الرياضية والفنية في مدارسنا مهملة أو تكاد تكون معدومة.


يوسف جمعة، (التنشئة الاجتماعية والشللية وغياب دور المعلمين أبرز أسبابها.. العنف في المدارس ظاهرة تقلق المدراء وأولياء الأمور)

عن "شام برس"، (4/2009)

0
0
0
s2smodern