قضايا الطفولة

منذ أربع سنوات وأنا أراها في ذات المكان، الثياب الهشة نفسها، وملامح الوجه نفسها، والطلب نفسه والدعوات نفسها : مشان الله، الله ينجحك، الله يوفقك...حسنة لوجه الله تعالى.
إنها ريما ذات الثلاثة عشر ربيعا، يراها ويعرفها كل من يسافر عبر كراج البولمان في دمشق، تلاحق المسافرين دون كلل أو ملل، ليلا ونهارا، تحفظ مجموعة من الأدعية، لتقذفها بوجه كل شخص تراه في طريقها وهي تبسط يدها قائلة: الله يخليلك شبابك، الله يوفقك، الله يخليكن لبعض إذا كنت برفقة زوجتك مثلا.
من أعطى ريما النقود نال الرضا والدعوات الصالحة، ومن نهرها وكشر في وجهها، عبست في وجهه ورمقته بنظرات ساخطة، وشتائم لاتكاد تسمع.
بعض المسافرين يعطي ريما المال تخلصا من إلحاحها، وربما شفقة، أو ربما عملا بالآية الكريمة القائلة: "وأما السائل فلاتنهر.. "، حتى وإن لم تدخل ريما في باب السائل الذي تتحدث عنها الآية الكريمة، فهم يعطوها المال طمعا في ثواب قد يحتسب وقد لايحتسب.

استوقفت ريما بعد أن أعطيتها النقود عساها تفضي إلي بما يجهله كثيرون عن هذه الطفلة:
مااسمك؟
ريما
كم عمرك؟
أنا في الصف الثاني الابتدائي.
أين تسكنين؟
في الخيمة
ومن أين أنت؟
من الجزيرة السورية
ثم خطر في ذهني أن أسال ريما سؤالا غبيا مباشرا، وقد تقصدت ذلك فقلت لها: من يدفعك إلى هذا العمل، ومع من تعملين؟
وقبل أن أكمل سؤالي، أدارت ريما ظهرها مباشرة، هاربة مني ومن السؤال، فاعتدت فيما بعد أن أطرح السؤال نفسه على أي طفل يأتيني متسولا، فهو أريح وسيلة للتخلص من إلحاحه الذي لاينتهي.


أما صديقة ريما فقد أخبرتني أنها من القامشلي، وهي تسكن في بيت من الصفيح قرب كراج البولمان، ولم تكمل تعليمها، لأن أهلها أخرجوها المدرسة وأجبروها على التسول كما تقول.
أخرجت آلة التصوير، لاسترق بعض الصور لهؤلاء الأطفال، فكانت ريما حاضرة البديهة، وسرعان ما خلعت ابتسامتها، وذهبت باحثة عن مسافر آخر عله يجود عليها ببعض النقود.
عندما شاهدت ردة فعل ريما على سؤالي، أدركت أن هناك من يقف وراء هؤلاء الأطفال المساكين و اليتامى، بداية من الأهل الذين يدفعون أطفالهم إلى التسول نتيجة الجهل والفقر، ثم هنالك شبكات كبيرة تدير هؤلاء الأطفال من وراء الكواليس، و ترتكب جريمة بحق الطفولة والإنسانية، خاصة وأنهم يتسولون على مرأى الشرطة المسؤولة عن حماية الكراج.


ورغم أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أصدرت العديد من القرارات التي تمنع التسول وتعاقب كل من يستغل الأطفل في التسول سواء كانوا الأهل أم غيرهم، إلا أن الوزارة ومكاتب الخدمة الاجتماعية المفترضة، لاتكترث لهؤلاء الأطفال، ولاتعمل بشكل جدي لمكافحة التسول، وإعادة الأطفال إلى مدارسهم، مايثير العديد من إشارات الاستفهام.
ريما ليست الوحيدة في كراج البولمان فهناك سبعة أطفال يرافقونها في مهنة التسول، كما أن هناك مئات الأطفال الذين ينتشرون في مناطق دمشق المزدحمة حيث يكثر "المحسنين لله".
ستكبر ريما يوماً، وربما ستستمر في مهنتها هذه، وقد تحمل ابنها لتشحذ عليه يوماً ما، كما تفعل العديد من الأمهات.
ستكبر ريما يوماً، وقد تصبح مهندسة أو طبيبة كما تقول، وقد تكتب في سيرتها الذاتية
متسولة سابقا والوطن الأم سوريا.



عمر عبد اللطيف، (متسولة.. والوطن الأم سوريا)

عن الجزيرة توك، (7/2009)

0
0
0
s2smodern