قضايا الطفولة

حمص العدية، مدينة الكتيب، وألف شهيد، أم الفقير، الخالية من المتسولين والجوعى والأيتام، لم تنتبه إلى بعض أطفالها الذين لا ينتمون إلى طبقة المتسولين ولا إلى الحرامية، مجموعة من الأطفال نراهم في كل الفصول بثيابهم الرثة يجوبون الحدائق بحثاً عن لقمة العيش، في حالة صحية ومعيشية وتربوية يرثى لها، يحملون صناديق البويا يبحثون عن الوافدين، يرجونهم ويتوسلون إليهم لمسح أحذيتهم بعشر ليرات أو أقل أو أكثر.
لا يختلف مظهر وعمل هؤلاء الأطفال بين الشتاء والصيف، كما لا تختلف مدة ساعات عملهم، هم هم الجوابون المتشردون، وأغلبهم من الأيتام، في الشتاء يجلسون في البرد القارس على مقاعد الحدائق، ويصرون على البقاء ليجمعوا ما يكفيهم قبل أن يرجعوا إلى منازلهم في المساء، وبالطبع والحالة هكذا فهم ليسوا بمأمن من الأمراض والمشكلات الصحية والأخلاقية، كما أنهم ليسوا بمأمن من عديمي الأخلاق والمستغلين.

الصندوق شاهد وشريك في البؤس:
على مقعد في الحديقة أخطأ رامي حينَ بدأ يغفو وبين أقدامه صندوق البويا، فقد فاتته دقائق من الدوران حول الجالسين والمارين، ومن التذلل لهم لمسح أحذيتهم، رامي ابن عشر سنوات، يعمل كل يوم (12) ساعة في إحدى حدائق حمص، حين جلست بجانبه أخبرني أنه يخاف طوال ساعات عمله من مرور رجال الشرطة، كما أنه يخشى من بعض المتسكعين السكارى الذي يرتادون الحديقة باستمرار، ورامي صاحب خبرة بسلوك أبناء الشوارع وحركاتهم وكلماتهم، ولديه سجل ذهني عما يحدث كل يوم من المشكلات والـ(علقات) وأسبابها وتداعياتها.
تحلقت حولنا مجموعة من زملاء رامي بملابسهم الممزقة، في يد كل منهم صندوق للبويا يشاركهم كل يوم معاناتهم وألمهم ومواجهاتهم في سبيل تحصيل المبلغ الذي يرجعون به إلى المنزل، وحده صندوق البويا ولا أحد غيره الصديق الوفي المخلص لهؤلاء الأطفال في العالم المتوحش.
جميع هؤلاء يدخنون ويتكلمون كرواد المقاهي، يسردون قصصاً تحدث كل يوم هنا وهناك في الحديقة عن السرقات والفزعات وعن هروبهم من رجال الشرطة.

أطفال رجال:
(تفضل أستاذ) قالها جود (12 عاماً) وهو يضيفني سيجارة وهب واقفاً، ملامحه تدل على رجولة وقسوة، وراءها من المعاناة ما يكفي لجعل تلك الملامح كذلك، كم ساعة تداوم كل يوم؟ سألته فأجابني: (حسَب، في الشتاء نذهب إلى المنزل في السابعة تقريباً ونأتي من التاسعة صباحاً، والعمل متواصل طوال تلك الساعات،أما في الصيف فمن الثامنة صباحاً حتى التاسعة مساءً).
توجهت بالسؤال إلى رامي: (هل تتعب من العمل؟) أجاب: (قدماي تؤلمانني بشدة، حين أذهب إلى المنزل وآوي إلى الفراش، ولكن صباح اليوم التالي يزول الألم)، أما جواد فادعى أنه لا يتعب أبداً فهو رجل، في حين أجاب محمد (9 سنوات): (أشعر بالدوار وبأن ذراعي تتمزقان بعد عودتي إلى المنزل).

أحوال مختلفة والمشكلة واحدة:
كان أكثر الأسئلة صعوبة حول أسر هؤلاء الأطفال، وهل آباؤهم على قيد الحياة أم لا، لا شيء يجعلنا ننهار مثل إعلان طفل أمام الجميع أنه يعيش بلا أب، لذلك كان لابد من المخاتلة، فسألت أحدهم بعد أن أخذته جانباً: (هل تعلمت المهنة من أحد أكبر منك من الأسرة أم من خارجها؟)، أجاب: (خالي علمني قبل أن يسافر)، (ولماذا خالك؟ لم تتعلم مهنة أبيك؟)، (أبي توفي من زمن، كنت في الثانية).
وصلت إلى ما أريد، ولكن بقي أمر، سألته: (كل زملائك كذلك؟)،أجاب: (أغلبهم إما آباؤهم توفوا أو طلقوا أمهاتهم، أو أن آباءهم لا يستطيعون العمل).
إذاً هؤلاء الأطفال أيتام أو آباؤهم تركوا عوائلهم للمجتمع الظالم، وبعضهم يعيل أسرة من أربعة أو خمسة أفراد، وهنا يجتاحنا سؤال: أين الميتم ورعاية الطفل في حمص؟.
روى لي محمود (13 عاماً) عن قصة حبه الأولى والوحيدة، كيف تعرف على حبيبته التي تصغره بعامين، كان يتكلم بغاية الرقة والنشوة ودموع تبرق في مقلتيه، قال إنه سيسافر حين يكبر ويعود ويتزوجها، ثم أسمعني بعض أبيات العتابا التي يحفظها وأخرى من تأليفه، اندفع رامي ليبرز مواهبه أيضاً وقال: (أنا أيضاً أجيد القراءة قليلاً، وأحب أن أتفرج على المجلات).
أطفال بعمر الورود يعيشون في عصر أمِّية في القرن الحادي والعشرين، أطفال لا يجيدون الكتابة في زمن يتقنها ابن السنوات في بلاد أخرى، كأنهم في عصر ظلام ينيرونه بحبهم وأحلامهم ويملؤونه وروداً وربيعاً، ويشعلون شموع فرح بسيط كامل الحيوية، محمود الذي أحب كما لم يحب أحد في مثل سنه ربما، ربما أيضاً لم يكن كذلك لو أنه عاش في نظام المدينة الحديدي الرتيب، ولأنه يتألم ويحرم مما يتنعم به سواه من فرص التعليم ومن الأهل والترفيه أحب دون أن تغلق عينيه أشواك المطامع وغبش البلادة، من قال إن هؤلاء الأطفال أقل قدرة أو ذكاء من سواهم؟ فلنقل إنهم أقل حظاً، وأن العالم الذي لا يعرف الرحمة أهملهم بلا سبب.
مطاردون دوماً:
أما عن منع هؤلاء الأطفال من عملهم بوسائل الضرب والمطاردة، فالذين يقومون بذلك إما مصابون بأزمة ضمير أو، بأنفلونزا تفكير، فقبل أن تُكافح أعمال هؤلاء الأطفال وفق أي قانون، لماذا لم يطبَّق المانعون قانون منع إخراجهم من المدرسة وهم في هذه السن المبكرة؟
من الخطأ معالجة ظاهرة خاطئة بجريمة، تُكافح أعمال هؤلاء الأطفال تحت اسم الحرص على المظهر الحضاري للبلد! وكأنهم ليسوا أبناءنا وأبناء البلد، إذا كنا سنجوع أطفالنا حرصاً على البلد ونضطرهم إلى السرقة والجريمة فكيف نساهم ببناء البلد؟.
يمنع قانون منظمة حقوق الإنسان عمل الأطفال من الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة بعد، وإن عملوا في هذا السن فيشرط أن لا يؤثر العمل على صحتهم وتطورهم ونموهم وتعليمهم، ويمنع القانون رقم (24) في سوريا عمالة الأطفال دون هذه السن لنفس الأسباب، ولكن طريقة المنع لا يجب أن تكون دون النظر إلى البديل، فلكي نرى ثمار الشجرة نظيفة ويانعة، لا بد من وضعها ضمن شروط صحية وسقيها بماء نقي، أما أن نطالب الشجرة بالثمار الناضجة وهي تعيش بين الأوبئة فهذا غير منطقي.
يجب أن يُعالج الأمر بتأمين معيشة هؤلاء الأطفال والحرص على إكمال تعليمهم ككل الذين في سنهم، وبعدها ستزول هذه الظاهرة تلقائياً، وليس بالملاحقة ومصادرة مصدر الرزق.
منظر مغرق في الشفقة والحزن، مدمر برقته، أن ترى طفلاً يغفو منهكاً متكوراً على نفسه في حديقة عامة وإلى جانبه صندوق البويا، بشرته تميل إلى الزرقة من شدة البرد في الشتاء، ثم تتلون باللون البني في الصيف، والجارح بوحشيته أن يمر الناس من أمامه دون اكتراث، إلى أن أصبح أمراً طبيعياً إهمال هؤلاء، وكأن هذا الطفل أو ذاك قادم من كوكب آخر،لا يعني لنا شيئاً في خضم المدينة التي تقنص الأحاسيس وترميها في دوامة من الذئاب الذين ينهشون بعضهم بعضاً، لماذا ندعي عكس ما نفعل؟ ثم نتبجح بفضلنا أمام الغرب الذي يعيش في قسوة المدنية، إذا لم يحرك منظر هذا الطفل مشاعر المارة في مدينة أم الفقير التي جُنت وبقي الفقير ينازع.
بين أصحاب السيارات على الشارات الضوئية والشرطة يقضي هؤلاء الأطفال مشوارهم كل يوم ضائعين مشردين بين فكي الإهمال، هم من سقط سهواً أو عمداً من جيوب البلد ليظل بين أقدامه الهائجة تلطمه ريح النسيان.
الظاهرة السابقة موجودة في كل المحافظات، ولكن لماذا يصر الحماصنة على أن حمص خالية من المتسولين والجوعى وهؤلاء الأطفال يقومون بما هو أقسى من التسول أمام أعين المتنزهين في الحدائق والشوارع العامة كل يوم..!!

لماذا نتقن لغة الستائر ونكذب على أنفسنا وعلى أطفالنا وإنسانيتنا حرصاً على المظهر الحضاري للبلد؟ لنتذكر جميعاً أن الغسيل الوسخ يتعفن حين نخبئه ـ حتى ولو لم نملك غسالة ـ وأن هؤلاء الأطفال سوف يكبرون ليعكسوا المظهر الحقيقي لما نصنع.


عمر سليمان، (حرصاً على حضارة حمص العدية..!!)

عن: أبيض وأسود، (8/2009)

0
0
0
s2smodern