قضايا الطفولة

وصلت إلى خط الطوارئ في جمعية السوار خلال عام 2009 ولغاية أيلول، 483 توجهًا في أعقاب اعتداء جنسي. بعض الحالات وصلتنا بعد أكثر من عشر سنوات من الاعتداء الذي بقى سرًّا خانقًا في قلب المرأة المعتدى عليها خوفًا وخجلاً وهروبًا.

يصلنا إلى خط الطوارئ أكثر من 600 توجه سنويًا. رغم عمل طاقم ومتطوعات خط الطوارئ الذي يعمل 24 ساعة يوميًا، نجد أنفسنا، أحيانًا، نقف بلا حول ولا قوة تجاه بعض هذه الجرائم.
نحن نعمل أولا على وقف الاعتداء إذا كان مستمرًا، ونعمل على الإصغاء للمتوجهة ومساعدتها في التغلب على الأزمة، أو في التوجه إلى أطر صحية أو قانونية إذا احتاج الأمر. قد نعمل معها أيضا على استعادة ثقتها بنفسها وبالناس بعد أن فقدتها خاصة إذا كان الاعتداء من قبل مقربين من الأهل أو الجيران. نعمل معها أيضا على استعادة احترامها لنفسها ولجسدها، ولكننا لا نستطيع القضاء على هذه الظاهرة وحدنا.

"أنا قذرة، لا استحق الحياة" قالت ختام. "أقرف من هذا الجسد" قالت دعاء . ختام ودعاء ليستا حالتين استثنائيتين، ففي معظم الحالات ترى المعتدى عليها نفسها مذنبة عما حل بها، وتتساءل "ماذا فعلت؟ ولماذا أنا؟" حتى ولو كان الاعتداء يحدث من قبل مقربين. تشعر أنَّ جسدها الذي سبب لها الاعتداء "جسد نجس ولا يستحق الحياة".
نحاول ونعمل وندعم في السوار. ننجح في كثير من الحالات في مساعدة النساء في استعادة ثقتهن بأنفسهن. في حالات كثيرة نساعدهن على تلقي العلاج، وفي معظم الحالات ننجح في وقف الاعتداءات المستمرة. نقدّم استشارة قانونية لمن تحتاج. ونرافق للشرطة من تريد تقديم شكوى ولكننا مع كل هذا نقف أحيانًا مكتوفات الأيدي لأننا لم ننجح -على بعد عقدين من الزمان لمركز مساعدة ضحايا الاعتداءات الجنسية وأكثر من عقد على إقامة السوار- في وقف هذه الظاهرة. لماذا؟

نحن نعلم ان وقف الظاهرة يتم من خلال العمل بمسارين ولكن هنالك ثالث لهما، المساران اللذان نعمل من خلالهما هما دعم المعتدى عليها والعمل التثقيفي والتوعوي لوقف الظاهرة، ولكن المسار الثالث حتمي وهو احد أسباب قيامنا بالحملة وهو أخذ المجتمع لدوره ومسؤوليته.

محاربة كافة أنواع العنف هي مسؤوليتنا جميعًا، والاعتداءات الجنسية أبشعها. نحن نرى أنه من دون وقوف جميع المؤسسات المجتمعية إلى جانبنا في محاربة الاعتداءات الجنسية لن نتغلب على الظاهرة، واختيارنا أن نقوم بحملة تحت عنوان "هو اللي لازم يخاف" تأتي أولا لنقول للنساء أو الفتيات المتعرضات لاعتداء إنه يجب على المتعدي أن يخاف ويخجل ويشعر بالخزي، "أنتِ لست المذنبة". ولنقول لمجتمعنا إن عليه أن يأخذ دورًا في القضاء على الظاهرة، وجعل المعتدي يخاف وليس الضحية. نحن نقول لمجتمعنا إننا كلنا مسئولون لأنَّ الضحية تلوم نفسها وتخاف من الشكوى، وتبقي أزمتها في داخلها، مما ينعكس سلبًا عليها وعلى أسرتها وزوجها و أطفالها إذا كانت زوجة أو أما.

قضية انتهاك الجسد قضية صعبة وقاسية وجارحة في جميع المجتمعات، ولكن مجتمعاتنا ما زالت تكثر من لوم الضحية، وما زالت في كثير من الأحيان تتعامل مع موضوع الاعتداء الجنسي من باب حب الاستطلاع والتسلي. لا يزال الكثيرون داخل مجتمعنا لا يميزون بين الاعتداء الجنسي والانفتاح الجنسي، وبالتالي يلومون المرأة المعتدى عليها ويرَون المعتدي –المجرم - مجرد "جاهل" أخطأ. مع الأسف تشارك أحيانا بعض وسائل الإعلام في هذا التوجه فإما أن تعالج القضية من باب الفضائح وإما من باب "التسيب".
نتوجه بهذه الحملة لكافة الأطر التمثيلية والقيادات لندعوَهم أن يكونوا مع الحملة ويدعموا مواقفنا. لنطالب مجتمعنا أولا بالكف عن لوم الضحايا فلا علاقة للاعتداء الجنسي بالعلاقة الجنسية أو الانفتاح الجنسي. ونقول ليس المجرم كالضحية، فلا تساوِ بينهما. نطلب من مجتمعنا أن يدعم الضحية ويعاقب المعتدي. نطالب إعلامنا أيضا بأن يعزز الصوت المسئول والموقف الإنساني بداخله.
نعم مواقفنا النسوية تقدمية وتسعى لرفع مكانة المرأة وللدفاع عن حقوقها ومساواتها، إلا أن هذه الحملة تحديدًا لم تأتِ لتدافع عن المساواة أو عن الحرية، وإنما نسعى للدفاع عن إنسانيتنا وكرامتنا وحرمة أجساد النساء والأطفال وكافة المستضعفين.


عرين هواري، (من المسؤول؟)

تنشر بالتعاون مع  "السوار: الحركة العربية لدعم ضحايا الاعتداءات الجنسية"، (11/2009)

0
0
0
s2smodern