قضايا الطفولة

لا زال الأمر يؤرقني وأنا أبحث لفاطمة عن عش هانئ لا تدلف من جدرانه كآبة الألف عام، ولا تتسلل من زواياه ذاكرة قديمة منقوش على تلا فيفها قصة الأربعون سفاح. إذ أريد لفاطمة حياة أكثر نقاء من زمنها الماضي (زمن أبو علي)! فاطمة التي اختارت أن يكون مكان إقامتها في دار تشغيل المتسولين والمشردين! وهي ابنة وحيدة لأب متخلف عقليا ولأم اختار لها المجتمع زوجا آخر خوف الطلاق!

الخيارات أمام فاطمة محدودة كما هي أمام محاسن. كلاهما متهمتان بالتشرد!!!
 دخلتا دار تشغيل المتسولين والمشردين بمذكرة إيقاف! وتخرجان بـ"إخلاء سبيل"!
تخشى فاطمة أن تتحدث عن قصتها أمام عدسات الإعلام خشية أن يراها أقاربها الأباعد، فيضغطون على عمها لاستعادتها! لولا أن عمها لا يهتم أصلا، فهو من أخرجها من المدرسة لتعمل بائعة عطور على البسطة! وهو الذي طردها من البيت مرات ومرات!
لكن فتاة في الثالثة عشرة من عمرها لم تكن لتنجو في مجتمع الكراجات، حيت وجدت نفسها! فقصت شعرها وأسمت نفسها "أمير"، مع لقبها القوي "ابو علي".. أمران حمياها من أن يعرف أحد ممن حولها أنها فتاة. فقط حين وصلت دار تشغيل المتسولين اكتشفوا أنها كذلك!

أما محاسن، ابنة الخمس عشرة عاما، فهي فاطمة أخرى.. لكنها مطلقة! فزوج أبيها يشبه أبيها الذي لا يجيد إلا الضرب وتبديل النساء كما يبدل ملابسه! تقول محاسن: (تزوجت في الثالثة عشر! وانفصلت عن زوجي بعد سنة من الزواج! كان عمر زوجي آنذاك أربعون عاما، سكير لا يكاد يستيقظ من الثمل، وبشع إلى حد مقرف)!

عبد الرحمن من جهته لم يمض بعد إلا خمس سنوات في عمره المجهول! دور الأيتام ترفض حتى اليوم استقباله (فعمره أقل من السن "المقبول"، أو أعلى منه!!). حتى قرى الأطفال لم تستقبله، فهي تحتاج إلى "موافقة ولي أمره"! وولي الأمر (الوالد) لا يريد أن يعطي موافقته حتى الموت! موت عبد الرحمن طبعا! فآثار الضرب المبرح كانت بادية بوضوح على جسده الصغير في آخر مرة شوهد فيها! كان في الحديقة العامة حين "ألقي القبض" عليه! أودع في معهد بانتظار أن يستلمه أحد أقاربه. لكن يبدو أنه انتظار سيطول كثيرا!

أم هاربة من زوج لا يرحم، وأهل يريدون إرجاعها بقوة السيف (لا ينقصنا إلا عار الطلاق)!

لماذا تذكرنا أن نبني مياتم، وقرى أطفال، ودور للقطاء، وتركنا لدوريات التشرد والسياحة أمر من لا أمر له!!! المشردون أو أنصاف الأيتام وبقايا إنسان!
ما ذنب طفلتي حين تكون مجازر العنف المنزلي التي يريد البعض بقاءها فيرفضون أن يسن قانون يعاقب من يرتكبها.. هي من طردتها إلى الشارع؟!
ما ذنب سيدتي الصغيرة جدا!! إن كانت قد ابتليت بأب لا يجيد إلا حمل مسؤولية زجاجة الخمر في الليل والنهار.. فيما لا تجد قانونا يحميها ويحفظ لها إنسانيتها؟!

من يسعف هؤلاء الولدان الذين يفترشون الحدائق والجسور... لهم أشباه أباء وأشباه أمهات؟؟؟؟
من يسعف هؤلاء الذين لا يلتحفون إلا وجعهم؟؟؟؟

عبد الرحمن لا يريد لأحد أن يبكي عليه.. الذين بكوا عليه كثر......
وفاطمة لا تريد لأحد أن يشفق عليها.. الذين يشفقون عليها كثر أيضا.......
محاسن تنتظر.... وتسألني بخوف (هل سأبقى طوال عمري في هذه الدار...أبي لن يأتي أبدا لاستلامي..حتى ولو علم أين أنا...)
وأنا ابحث عن إجابة مسَّكنة لأسئلتها الموجعة..... ولا أجد حتى مجرد كذبة بيضاء تمنيها بالأمل
الكذب الأبيض حلال!!
تعلمت معها كل فنون الانسحاب والتلاعب بالجمل... احتاج معها مهارات كثيرة لأهرب من مستنقع أسألتها..

هل سأبقى هنا؟؟؟
أنا حقا لا أدري!!!

أريد لفاطمة وعبد الرحمن ومحاسن وو.... وو وو ومكاناً يعيشون فيه! غير بيوت مسورة بقضبان! غير دور أيتام وهم أنصاف أيتام! وغير قرى الأطفال!
أريد لهم مكانا لا يعتبر فيه التشرد جرما، أريد لهم ملجأ لا تحتسب فيه مدة توقيفهم، ولا توِّجب عليهم المرور بمحاكم فولاذية ورجال بملابس من حديد..

 فاطمة كانت تفكر بالغد!!! لكنها اليوم فقدت إحساسها بالزمن (كل الأيام يا آنسة أصبحت تشبه بعضها)، أما عبد الرحمن فينتظر قدوم إخوته المفقودين بفارغ الصبر عسى أن تحملهم إليه دورية تسول أو دورية سياحة..
وأنا آمل هذا أيضا!
فلتنتظر فاطمة توصيات المؤتمرات
ومقترحات ورشات العمل
و لتنتظر عبد الرحمن المدارس حتى تستوفى أوراق قبوله
و لينتظر الجميع...
لينتظر الجميع
لينتظر الجميع.


رنا النبكي، (أين ستعيش فاطمة؟!)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern